شريف الحسيني عاد من الكويت بعد موت فيصل ….. وحيدا حزينا!
بسام ابو شريف.

الحلقة الخامسة والأخيرة .
عقد الاجتماع في الكويت …. كانت الجلسات عاصفة ، فقد انهال الكويتيون بالاتهامات التي وصلت حدا مهينا على السلطة والفساد وهدر الأموال ، وكان فيصل يحاول طوال الوقت فصل موضوع القدس ووضعها ، ومستلزمات صمودها أمام مخططات العدو عن الاتهامات المكالة للسلطة ، وبعض المسؤولين فيها .
وكانت تصلني الأخبار بشكل مختصر شبهت موقف فيصل لموقف أبيه القائد عبدالقادر الحسيني ، الذي كان يطالب الجامعة العربية بمده بالمال والسلاح ليكمل المعارك ضد العصابات الصهيونية ، وعاد فارغ اليدين واستشهد في معركة القسطل ، التي كانت انتصارا لقوات الثورة معروف للجميع أن فيصل كان يعاني من الربو لذلك من الطبيعي أن تكون ظروف الاجتماع قد راعت ذلك ، ومن الطبيعي أن يكون فيصل قد احتاط وحمل تلك الآلة الصغيرة للمساعدة على التنفس ، لذلك لم يكن الخطر المحيق بفيصل الحسيني سببه الربو أو ضيق النفس .
عاد في ليلة 30 / 5 ، للفندق ووجد صباح 31 / 5 ، ميتا في فندقه وقيل انه توفي بالسكتة القلبية !! ، وما كتبت هنا وجهة نظري ….. كلا لايمكن أن يكون فيصل الحسيني قد مات بنوبة قلبية .
كان فيصل قد بلغ الستين من عمره ، وهذا عمر شباب ويتمتع بصحة جيدة ، وكل ما كان يعاني منه هو الربو الذي تعايش معه طوال عمره ، أنا أعتقد أن فيصل الحسيني قد مات اغتيالا ، لقد اغتالته اسرائيل كما اغتالت المبحوح في دبي ، وبجهد أقل كون فيصل اعتمد على الجهة الداعية لترتيب أمنه وحمايته بينما المبحوح كان في دبي بصفته رجل أعمال وليس ضيفا
في العام 2001 ، لم يكن معلوما لدى معظم الجهات عن العلاقات التي قامت قبل 2001، بفترة طويلة بين دول الخليج واسرائيل ، والكويت تحديدا لم تعد مسيطرة على أمنها منذ نزول الجيش الاميركي أرض الكويت بعد أن قام العراق بغزوها .
أصبح الجيش والأمن الاميركيين مسيطران على كل النواحي العسكرية والأمنية في الكويت ، وهذا يعني بشكل اوتوماتيكي ان اسرائيل كانت هناك ، فقد وضع الاميركيون كامل منشآتهم وقواعدهم ومعلوماتهم تحت تصرف اسرائيل في كل بلد من بلدان الخليج ، وكما كشف هذه الأيام كان هذا يعني بداية علاقة تنسيقية أمنية بين اسرائيل ودول خليجية ، وعمليات مشتركة تضمنت اغتيالات لقادة تريد اسرائيل تصفيتهم .
الغريب أن أحدا لم يطلب التشريح ، ولم يفكر أحد بأن اسرائيل هي التي اغتالت فيصل الحسيني لقد كانت تلك الفترة قد شهدت بداية تطبيق مخطط اسرائيل للتمدد في الضفة والسيطرة على الأقصى ، أي منذ اقتحام شارون للأقصى واندلاع انتفاضة الأقصى .
شارون كما قلنا لم يكن يشغل أي منصب حكومي أو عسكري ، ورغم ذلك رافقته قوة كبيرة من جيش الاحتلال ورجال الأمن والشرطة المسلحة والمستوطنين المسلحين في اقتحامه للأقضى ، كان من أولويات اسرائيل القضاء غلى كل من له تأثير على تعبئة وحشد الجماهير في القدس ، وكان فيصل الحسيني أول هؤلاء …. كانت تريد اغلاق بيت الشرق ، الذي شكل سلطة بديلة لبلدية القدس الصهيونية من زوايا عديدة أهمها الزاوية السياسية والاتصالات الدولية ، وكان هذا يضع التخلص من فيصل الحسيني أولوية للعنصريين الصهاينة ( وبالفعل قامت باغلاق بيت الشرق ، وظلت تلاحق المؤسسات المدنية التي أسست في عهد بيت الشرق وآخرها كان اعتقال خليل تفكجي في السابع من الشهر الجاري ، وطاقمه المتهم يتوثيق كل ما يتعلق بأراضي الضفة والقدس ) ، (خليل تفكجي هو أهم خبيربخرائط الضفة الغربية والقدس المحتلين ) .
لم يثر موت فيصل الحسيني أية أسئلة ، وهذا غريب جدا ولاشك أن الحزن الجماهيري والحشود التي ودعته نحو مثواه الأخير واثارة اسرائيل مشكلة لمن عبر للقدس ومنعه من الخروج منها قبل التحقيق قد ساهم بعدم اثارة ضجة ، ورفع صوت المطالبة بالتحقيق .
ان الحس الأمني يدفعني لهذا الافتراض ، والتجربة الطويلة مع خداع وخبث وقذارة هذا العدو ولجوئه لكسر كافة القوانين والأعراف لارتكاب جرائم لم يحاسب عليها يوما …. هذا يجعلني شبه متأكد ” حسيا ” ، بأن فيصل الحسيني مات اغتيالا ، ولقد طغى هذا الاحساس عندي في حالتين من حالات تاريخية ( أي الاغتيال ) ، الحالة الاولى هي جمال عبدالناصر الذي توفي شابا وهواري بومدين ، الذي سارع بارسال كل طيران الجزائر للرئيس عبدالناصر بعد أن دمرت اميركا طيران مصر الحربي ….. وسيكشف التاريخ الحقائق .
لقد سبق أن صدق حدسي واحساسي في موضوع تسميم وديع حداد ، وياسر عرفات ، وتوقع اغتيال ابو علي مصطفى ، وتوقع اغتيال غسان كنفاني ، وتوقع محاولة اغتيالي فلماذا لايصدق الحدس في حالة فيصل الحسيني ؟
الأمر كان يحتاج الى رجل واحد في ظل الهيمنة الأمنية الاميركية الاسرائيلية على أمن الكويت …… رجل واحد يفتح له باب غرفة فيصل الحسيني ، الذي كان يترك ينام دون حراسة ، ويضع على وجهه وسادة ويخنقه بدون ابر وبدون سموم .
عاد شريف خالد الحسيني من الكويت يرافق فيصل الحسيني جثة هامدة ، وانعكس هذا الوضع على شريف اتعكاسا مأساويا ، فقد تكررت المأساة معه …. اغتالوا وديع ، فعاش شريف أزمة الاغتراب داخل نفسه وفي قلبه وصدره …. هذا الاغتراب الداخلي جعله صامتا …. ساهما وكأنه لايحس بمن حوله ، وعندما وجد فرصة ثانية للانطلاق في بيت الشرق غاب فيصل الحسيني ، فأصيب شريف باحباط خاصة أن محاولاته السير قدما بالعمل في بيت الشرق اصطدمت باجراءات العدو الذي أغلق بيت الشرق ، فتقاعد وراح يهتم بالزراعة ، وشارك العائلة أو بعض أفرادها في أعمال يدوية تجعله ينسى كافة الأمور ” أو جزء منها ” ، المتعلقة بالعمل في المجالات الفكرية والسياسية .
أمضى شريف الحسيني عشر سنوت بعد وفاة أو ” اغتيال ” ، فيصل الحسيني ليغادر هو بعدها ويترك مكانا يصعب على أي انسان أن يمتلك من مواهب وقدرات ( كان يمتلكها شريف ) ، أن يملأ الفراغ الذي تركه .
رجل بطل
بطل بعمله الوطني ، وبعمله القومي ، وبنضاله الكفاحي ، وباتقانه الرفيع ، وبروحه الوقادة عندما كان النضال وقادا .
أطفالنا الذين أصبحوا كبارا يتذكرون شريف ونكاته ، والغابة التي كان يخترعها ليلهو بها الأطفال ، من النادر أن تجد في انسان كل هذه الصفات والميزات وهذا الاخلاص والالتزام الأبديين .
نحن الذين عرفناك ياشريف نشعر بغربة واغتراب ، فقد رحلت أنت ورحل كثيرون جعلوا برحيلهم مايحيط بنا صحراء من كل الجهات ، لكن ما يجعلني أعيش نفس أجوائنا السابقة …. أجواء الانتصارات والعمل المتفاني والدؤوب ، هو شعبنا البطل الذي لايغمض عينا الا ليفتحها على جيل جديد من المناضلين .
انه شعب الجبارين
اسأل الذين يزورونني من الشباب متى ولدت ، وأصاب بالمفاجأة عندما يقول لي : ولدت عام 2000 ، وأسرح قليلا : هل هذا معقول ؟
ويشدني من سرحاني صوت شاب آخر يقول لي : أنا ولدت في القدس عام 2001 ( انها السنة التي استشهد فيها فيصل ) ، ويقترب من اذني التي بدأت تفقد ماتبقى من السمع تركته متفجرات تعريف غولدا مئير للاغتيالات : أنا ولدت عام 2004 .
تصور ياشريف انهم يقولون لي : لا للعزلة ولا للصمت …..نحن أبناء شعب مكافح ننمو وفي يدنا غصن زيتون وبندقية .
( توفي شريف خالد الحسيني في 4/4/2011 )
‎2020-‎07-‎11