عودة شريف خالد الحسيني للقدس والعمل في بيت الشرق.ح4!

بسام ابو شريف.

الحلقة الرابعة..
رغم أن الطاقم القيادي في ” المجال ” ، أي فرع العمليات الخاصة أو العمليات الخارجية اجتمع في بغداد بعد تشييع الدكتور وديع حداد نحو مثواه الأخير ، ورغم القرارات التي اتخذها هذا الطاقم وتوزيع المسؤوليات سار المجال تدريجيا نحو الاندثار .
الاندثار من حيث عدم القيام بأي عملية كفاحية تذكر، وبانفراط عقد القيادة والانفلاش ، وعدم الجدية في تنفيذ قرار الاستمرار في ملاحقة العدو في كل مكان ، ولاشك أن مسؤولية هذا التواري المتدرج تقع على عاتق من انتخب مسؤولا أو أحد المسؤولين الذين انتخبوا ليقودوا “المجال ” ، بمحطاته وامكاناته وأمواله ، وأنا لا أدعي أنني أعرف الكثير عما جرى ودار لكنني أعرف بعض الحقائق الملفتة للنظر، والتي تطرح أسئلة مشروعة وتبحث عن اجابات
كنت أرى شريف بين الحين والآخر خاصة بعد عام 1988 ، أي بعد فصلي من الجبهة الشعبية بسبب مشاركتي بوفد لمنظمة التحرير التقى بالرئيس حسني مبارك في مؤتمر القمة الافريقي ، الذي عقد في اديس ابابا عام 1987 .
كان شريف يشكو من قطع المخصصات المالية عن محطة الجزائر باستثناء الجريح المناضل زكي هللو ، الذي كان شبه مشلول بعد محاولة قتله في اسبانيا ، وقمت بزيارته أكثر من مرة وساعدت ” الشباب ” ، بأن طلبت من الرئيس ابو عمار ( رحمه الله ) ، أن يدرج اللائحة التي زودني بها شريف على الكشوفات المالية الشهرية ليتقاضوا مرتبا شهريا يقيهم من الجوع وتم ذلك ، لكن بقي السؤال بدون جواب : أين هي الأموال التي تركها الدكتور وديع حداد في عهدة ” المجال ” ، ومن كان مسؤولا عن المالية في حينها ؟؟
وكيف تصرفت القيادة بهذا المال ، ولماذا يجوع عدد منهم بينما الآخرون لاسبب لديهم لأي شكوى ؟؟ ، لم أتابع هذا الأمر لأن مهامي كانت كبيرة ومتلاحقة وتتطلب كل الوقت ، ولم تكن لقاءاتي مع شريف الا لقاءات قليلة بين الحين والآخر ، ومع عودة القيادة للأرض المحتلة عاد شريف الى الضفة الغربية ، والتحق بالعمل في بيت الشرق الى جانب فيصل الحسيني .
ولم تتح عودته مجالا للقاءات متتابعة بيني وبينه ، فأنا لم أرافق العائدين للداخل وكنت قد غادرت تونس احتجاجا على الموافقة على التفاوض ثنائيا دون مشاركة أو اشراف أحد بين المنظمة والحكومة الاسرائيلية ، هذه المفاوضات التي نتج عنها اتفاق اوسلو اتخذت موقفا ضدها ، وحاولت اقناع الرئيس بأن الاقتراح هو عبارة عن كمين نصب لمنظمة التحرير لالغاء مؤتمر مدريد ، الذي يعقد على أساس 242 و338 ، وباشراف روسي اميركي ومشاركة اوروبية وعربية .
وكان الرئيس مترددا ومتخوفا ، لكن بعض المتحمسين من أعضاء القيادة ظلوا يضغطون ويزينون اوسلو وكذبوا حول ” الدولة ” ، كنتيجة للاتفاق ، ووافق ابو عمار عندها غادرت تونس ، وتركت كل شيء حتى ثيابي وكتبي وبعض الجوائز والأوسمة …. ونهبت كلها ومؤخرا ، وهذا مثير فعلا وصلني من تونس بعض الصور على الواتس اب من تونس تظهر كتبي معروضة للبيع على قارعة الطريق ، وعلى عربة جوالة ، والمثير أن الذي أرسل الصور أرسل عدة صفحات من عدة كتب تظهر اهداء المؤلفين لكتبهم لي بما فيها ذلك الذي وقعه الرئيس كارتر ، ورأيت بعضا من ثيابي يلبسها البعض أما عفشي، فلا أدري من استحوذ عليه ؟؟!!
ولم أدخل الا بعد أن اتصل بي الرئيس في عمان حيث كنت في منزل والدي ، وطلب مني الدخول وكان هذا في العام 1996 ، ( وسوف أتابع من باب الفضول لمعرفة مصير أملاكي العزيزة علي ومن نهبها كأوسمتي التي لاتفيد أحدا ، أو بعض الهدايا من رؤساء لها قيمة معنوية – ملاحظة بعض الأوسمة لايمكن أن يطلب كبدل ضائع عنها لأنها من الاتحاد السوفيتي والمانيا الديمقراطية وتشيكوسلوفاكيا ) ، وهي دول اندثرت ، ولاشك أن قيمة الأوسمة زادت لأنها غابت عن الوجود .
كان شريف سعيدا بعمله في بيت الشرق ، فقد كان يشعر بأنه بعد سنين من الجلوس دون فاعلية منتجة عاد الى دائرة الانتاج خدمة لفلسطين ، وأي مكان أفضل من بيت الشرق الذي كان يخوض معركة القدس وعروبتها تحت اشراف فيصل الحسيني ، ازدادت لقاءاتنا في رام الله حيث انتقلت من غزة عام 2000 ، برفقة الرئيس ابو عمار الذي انتقل الى رام الله في ذلك العام ، وكانت تلك السنة سنة فارقة تحولت فيها الأمور الى دائرة الضوء ، وبدأ ابو عمار يرى ماكنت أحذره منه قبل موافقته على مفاوضات اوسلو .
منذ العام 2000 ، اختلفت الأمور اختلافا جذريا بوضوح ودون غيوم تحجب الحقائق ، ولم يعد هنالك شك بأن اسرائيل لاتريد السلام ، وتريد ابتلاع فلسطين كلها منذ أن اقتحم شارون المسجد الأقصى بحماية الجيش المحتل والشرطة العنصرية الاسرائيلية ، وذلك قبل أن يعود الى العمل السياسي منذ اقصائه بعد صبرا وشاتيلا ، دعم الحكومة لخطوة شارون الاستفزازية كان دليلا على تأييد الحكومة لما يطرحه شارون أو على الأقل السكوت على تحديه ورفضه كافة الاتفاقات ، وتوجهه لضم الضفة الغربية والقدس .
كان شريف منغمسا في العمل مع فيصل الحسيني في بيت الشرق ، والذي تركزت اهتماماته النضالية على القدس ، وحماية الحق العربي فيها ، ولمست ذلك من خلال عدة زيارات شاهدت فيها شريف على حدة ، وتحدثنا في قضايا النضال ، وعند دق ناقوس الخطر من تحرك شارون سارع فيصل الى الاتصال بعدة جهات عربية بهدف شحذ الهمم وتجميع الدعم العربي لحماية القدس والأقصى .
أمضى شريف الحسيني الفترة التي عمل فيها مع فيصل الحسيني في بيت الشرق الأيام والليالي منكبا على العمل لاتقانه تماما كما فعل أثناء عمله في المحال الخارجي مع الدكتور وديع حداد متحمسا ومندفعا ومعطاء بأقصى درجات التفاني ، كان في الحالتين يعيش العمل كجزء من معركة تحرير فلسطين .
يصل الليل بالنهار دون أن يشعر بتعب أو ملل أو حتى الارهاق ، ووجد في بت الشرق بيتا وعائلة بعد أن غابت جدته وأمه ” رحمهما الله ” ، ظل متواضعا ويجد لذة في تناول “ساندويش ” ، اللبنة والزعتر ، ورغم وجود عدد كبير من أبناء وبنات عائلة الحسيني الا أنه كان يجد في رفقة فيصل الحسيني ، والاشتراك في نشاطاته الشعبية والكفاحية لذة وطعما للحياة كان يعيشها سابقا في كنف العمل الكغاحي في دائرة العمليات الخاصة ، كان عمله في بيت الشرق هو عمل كفاحي كعمله في العراق والجزائر وعدن مع الشهيد وديع حداد ، وهذا ما جلب لقلبه الفرح والسعادة ، وجعله ينسى آلام المرض الذي كان ينهكه ( معدته وأمعاءه ) ورغم أن لشريف تاريخ نضالي عريق ، وخاض معترك النضال في أدق ميادينه وأكثرها حساسية كان يعمل كجندي يتلقى أوامر النضال من فيصل الحسيني ، الذي كان أصغر منه سنا ” الفارق سنتان ” ، فقد ولد شريف في العام 1938 ، بينما ولد فيصل في العام 1940 ، لكن هذه الفترة كانت قصيرة فقد حرمه غياب فيصل الحسيني من القدرة على متابعة العمل في بيت الشرق ، الذي وجد فيه ملاذا ومدخلا لتجديد حيوية نضاله من أجل تحرير الوطن ، ففي شهر أيار من العام 2001 ، دعي فيصل للكويت لمناقشة لجنة مكلفة بدراسة طلب بيت الشرق للمساعدة لتمويل بعض نواحي العمل الوطني في مدينة القدس .
وكان اجتماع اللجنة الكويتية مع فيصل الحسيني لبحث احتياجات بعض نواحي العمل في القدس اجتماعا علنيا ، وتناولته وسائل الاعلام قبل انعقاده بمعنى أنه لم يكن سريا ، بل كان علنيا ومعروفا تاريخه قبل انعقاده بفترة من الوقت ، وتوجه فيصل الحسيني يرافقه شريف وآخرون للكويت يحملون ملفات تخص العمل المطلوب وأولوياته ، وكان أول تلك الملفات ملف الأقصى والحرم من نواحي ترميم وحماية وتشكيل هيئة للمرابطين للدفاع عن الأقصى تزيد حجما عن الموجودة في تلك الفترة ، فقد كان يشعر كما يشعر كل الفلسطينيين بأن نوايا الاحتلال تجاه الأقصى كانت نوايا سيئة وتوسعية ، وأن مشروع الصهاينة للسيطرة على الأقصى وبناء الهيكل المزعوم الذي ردد في الأساطير هو هدف من أهدافهم .
وأذكر أنني التقيت بصديقي فيصل في فندق غراند بارك برام الله ، وتحدثنا عن الموضوع وطرحت عليه السؤال المباشر : ” هل اتخذت احتياطاتك الأمنية ؟
أجابني فيصل : الأمر متروك للكويتيين الذين يستضيفون الاجتماع ، ويشرفون عليه .
وقلت لفيصل : يافيصل لازم نتعلم من تجاربنا ، لازم يكون معك على الأقل رجل يفهم بالأمن لحمايتك أو اعطائك النصح ان العدو يستهدفك ، ولايريد أن يغتالك في القدس وينتظر فرصة وجودك خارج فلسطين لتكون هدفا له … تذكر خارج فلسطين ، فاستهدافك في القدس سوف يجر عليهم فضيحة دولية لما لبيت الشرق ولك من علاقات واسعة مع الاوروبيين ، ولما تقيمه ويقيمه بيت الشرق من علاقات عربية هي أفضل من علاقات السلطة بالدول العربية ، اغتيالك في القدس ممنوع ، ولكن خارج فلسطين أولوية لاسرائيل .
ابتسم فيصل وقال : سأحاول .
وغادر للكويت في الأسبوع الأخير من شهر أيار، وكان تاريخ الاجتماع معروفا اعلاميا وعلنيا وكذلك مكان الاجتماع ، وبطبيعة الحال الفندق الذي سيستضيف الكويت فيه فيصل الحسيني .