مقابلة أنهت العلاقة……!

أبو علاء منصور.
لم يُفدني شيئاً صراخي بطلب السلاح من جماعة صبري البنا -أبو نضال- في بغداد، أما حمدي في بيروت فزوَّدني بالكثير دون ضجيج .
كتبتُ لعماد ملحس -نائب صبري البنا- رسالة ضمّنتها انتقادات قاسية لتقصيرهم. ولاحقاً سافرتُ إلى بغداد، ففوجئتُ “بصبري البنّا” يطلب مقابلتي! لماذا لم يُقابلني حين نجحتُ في التسلل من الأرض المحتلة؟ كان ذلك أحرى به للتعرف عليّ وعلى عملية بنك لؤمي وتهنئتي بعبور النهر. ما الذي يريده اليوم؟ ربما ساءته لهجة رسالتي فأراد تأنيبي على جرأة الفدائي.
لم أعد أتذكّر كيف بدأ الحديث في تلك المقابلة الساخنة، والتي كانت الأولى والأخيرة، مع الرجل الذي انشقّ عن حركة فتح، ما أتذكّره أنه كان يرتدي بدلة سفاري كاكي، يضع مسدساً على خصره، وبدا متجهِّماً وفاقداً لأي دفء.
شعرتُ بشيء من الإرتباك وأنا أقول ببداهة: “منذ مدة أرسلتُ لكم رسالة حول تقصيركم بتزويدي بالسلاح”. رد بفظاظة: “ننسق مع أي كان عدا جماعة منير شفيق، هؤلاء منحرفون”. قلت: “لكن حمدي غمرني بالسلاح”. رد: “حمدي وقاسم جيّدان أما الآخرون فلا”. أضاف: “سنقتل معين الطاهر”
شعرتُ كأنني أتأرجح على حبل الموت….
لم أعد أتذكّر كيف انتهى اللقاء وانصرفت….
كان الصراع مع قيادة فتح أولوية صبري البنا ومن يدورون في فلكلة، فانحرفوا عن البوصلة الوطنية ولم تعد الأرض المحتلة أولويتهم وهدفهم، أعمى عيونهم الصراع الداخلي، فغرقوا في بحر الإنتقاد السلبي وقادتهم النظرة السوداوية لارتكاب جرائم بحق مناضلين ثم بحق بعضهم بعضاً.
عندما أعود بالذاكرة إلى أجواء ذلك اللقاء، يقشعرّ بدني، فأتساءل مرعوباً: “ما الذي منع الرجل المأزوم من أن يأمر باعتقالي وربما أكثر وقد كنتُ ساذجاً إلى ذلك الحدّ؟”. ربما أنقذتني بساطتي وعملية بنك لؤمي، وإلاّ فلم يكن يفصل بيني وبين الهلاك إلا شعرة.
كثيرون قتلهم البنا أو اعتقلهم ظلماً، وبعضهم من مقرّبوه،
كيف لرفاق درب أن يعتقلوا رفاقهم أو يقتلوهم بدم بارد؟
إنه الانحراف عن جادة الصواب.
قررتُ قطع علاقتي نهائياً مع بغداد.، لكني لن أنس عماد ملحس أبداً، عماد وحمدي نماذج رفيعة أخلاقاً وروحاً ثورية…. لم يمض وقت طويل وزج أبو نضال بعماد في السجن.
استقرت علاقتي مع لجنة التنظيم77…..
صعوباتٌ جمّة تعترض طريق إنزال الدورياّت العسكرية للأرض المحتلّة،
بعضها على صلة بأسلوب عمل القيادة، وأخرى تتعلّق بصعوبات العمل واستيفاء شروطه. على مستوى الطقس، يُعتبر فصل الشتاء الأكثر ملاءمة لكنّه الأقسى، وجغرافياً فإن منطقة “مرج نعجة” غرب النهر هي الأكثر ملاءمة للعبور، لأنها البقعة الوحيدة التي يسكنها فلسطينيّون شرق الشارع الذي يقطع الغور من الجنوب إلى الشمال، لكنّها الأكثر خطورة كونها الأكثر تركيزاً أمنياً من ناحية العدوّ…. ضيق موسم الشتاء يقهر المعنيّنن بالدوريات، وهم يسابقون الزمن لإنجاز مهامهم، إن ضاع الموسم عليهم الإنتظار عاماً آخر.
أبطال الغور في الشرق هم “فؤاد”، “النمرود”، ورفاقهما. فؤاد يهبط بالفدائيين من عمّان إلى البيّارة، مستخدماً المخزن السري في سيارة البك أب لإخفاء أسلحتهم، مستفيداً من كونه مهندساً زراعيّاً معروفاً بلطف ابتسامته للجنود على الحواجز، وتوزيعه الحلوى عليهم، ودعوتهم لحضور حفل عرس تخترعه بنات أفكاره إن لزم الأمر، أما النمرود المعروف جيّداً في المنطقة، فمسؤول عن تأمين غطاء لتواجد الفدائيين باعتبارهم عمال زراعيّين، ويساعدهم في الإستطلاع عبر المزارع المستأجرة…. وفي مرج نعجة المقابل غرباً، “أبو فيصل اخمَيّس” سيد الأغوار. يستقبل الدوريّات ويوصلها إلى مناطق نابلس وطوباس وغيرها.
ظل قاسم المقيم في بيروت ينبِّهنا قائلاً: “لا يجوز أن نعمل تحت ضغط رغبات القيادة، جهوزيّة العمل هي الأساس”، لكنه تجاوز ما حذر منه وقد تخيل من موقعه القيادي البعيد، أن هناك تلكؤ بإنزال السلاح من الأردن، وهذا سيؤخر نزول دوريّة إسماعيل حمامرة “أبو الراتب” ورفيقه “عبد الرحيم” إلى الداخل، فالمفترض أن يسبقهما السلاح إلى هناك…. والحقيقة التي غابت عن ذهن قاسم أن الظروف لم تكن نضجت كما يجب في عمان لإنزال السلاح، فيما إنزال الدورية يُلحّ على قاسم. وقع سوء الفهم بسبب ما يمكن تسميته -القيادة عن بُعد- فانتشرت مقولة “إبريق الزيت” التي تغمز من قناة “عمر”، ما اضطر الأخير لإنزال دورية التسليح قبل استكمال الخطة.
ويا لذهول أبو فيصل الذي لم يكن أعطى موافقته على استقبال الدورية في ذلك الوقت، وقد ذهب لتحميل صناديق الخضار التي قطفها في الليلة السابقة، ففوجئ بانتشار مُكثّف لجيش الإحتلال، وبالثمار مفرغة من صناديقها ومكوّمة على الأرض! من فعل هذا؟ لماذا؟ الجنود! عمَّ كانوا يفتشون؟ بدأ بتعبئة الثمار ففوجئ بسلاح تحتها!
لماذا تسرّعت يا عمر؟ الله يسامحك!! هذا ما تمتم به فزعاً متخيّلاً أن الدوريّة المرتقبة اعتُقلت وهي في طريقها عائدة شرقاً بعدما لم تجده بانتظارها. أعاد وابنه فيصل تعبئة الصناديق بالسلاح بسرعة وغطّياها بالخضار، ووضعاها في التراكتور، ثم خاطب فيصل الذي يقود التراكتور:
_ لا سبيل سوى أن نمر من بين الجنود.
من أي معدن فولاذي جُبلت شخصيّتك يا أبا فيصل؟ ما الذي راود ذهنك وأنت ترقب عيون الجنود الأعداء؟ بأي جرأة عبرت بينهم؟ كان يمكن أن يوقفوك في أية لحظة؟
تجاوز التراكتور الجنود وعبر الشارع غرباً….
همس أبو فيصل في أذن ابنه: “ضع السلاح في الطّابون، الدخان المتصاعد منه سيمنع الجنود من تفتيشه”. رد الولد: “ألا تخشى أن تتسبب الحرارة بتفجير الذخيرة؟”. “لا. ضعها في الزاوية”….. انشغل فيصل بإخفاء السلاح، وربط الوالد كلباً بباب الطّابون، ثم انزوى يراقب الوضع من شرفة المنزل.
” عَو عَو عَو عَو عَو “
“قدِمَ الجيش”
هذا ما همس به أبو فيصل لنفسه وقد أقلقه نباح الكلب.
وفيما رجل المخابرات الإسرائيلي “أبو داوود” يتقدّم القوّة العسكرية، وُلدت من خيال أبي فيصل فكرة ذهبية، فصرخ متظاهراً الخوف على كلبه:
_ إياكم أن تطلقوا النار على الكلب، إنه رأس مالي.
بهذه العبقرية حرف انتباه الضابط عن السلاح إلى الكلب.
انطلت الحيلة على أبي داوود فخاطب جنوده:
_ عودوا.
هدأت أعصاب أبو فيصل قليلاً فيما الضابط يسأله:
_ هل مرّ مخربون من هنا؟ قل الحقيقة.
_ نحن منشعلون بأعمالنا، بالبحث عن لقمة عيشنا، لم أشاهد أحداً.
هذا ما ردّ به وما زال قلبه يخفق بسرعة….
انسحب الجيش وعاد الهدوء….
انطلق أبو فيصل بالسلاح صوب قرية “كفر قلّيل” وسلمه للشيخ “أبو علي”. وفي الطريق وهما عائدان إلى البيت خاطب أبو فيصل ابنه قائلاً:
_ الحمد لله أن الأمور سارت على خير، وإلا كُنّا ضحايا أخطاء قادتنا في الخارج.
كان يقضي الإتفاق مع “أبو علي” أن يُخزّن السلاح بطرفه، لكنه لم يحتمل إغراء وجود السلاح بين يديه ليلة واحدة. في الليلة التالية خرج مع “علي عقابنه” لتنفيذ عملية عسكرية في مخيم بلاطة، فاستشهد الإثنان وضاع السلاح الذي لا يعرف مكان تخزينه سوى أبو علي.
فاجعة تسببت بتعطيل إنزال دوريّة “أبو الراتب”.
اندلعت الحرب الأهلية في لبنان، فاستشهد أبو الراتب في غير المكان الذي حلم أن يدفن فيه. كان الاستخفاف ببعض المهام جزءاً من عقلية الفدائيّ! كان الفدائي يرى نفسه مقاتلاً فقط. إذا قلت لأحدهم أنت مسؤول عن مخزن السلاح، رأى في القول استهتاراً بقدراته، وإن قلتَ مهمتك أن تكون رسولاً، تبرم وربما رفض. وإن قلتَ إن العمل شبكة متكاملة، كأنك لم تقل شيئاً، كأن هذه وغيرها ليست من القتال ولا تليق بالفدائي…. قلة الخبرة تُضعف الانضباط ولا تسمح للتوجيهات أن تأخذ مجراها كما يجب…. الوعي كشّافٌ ينير الدروب.
مع تحيات أبو علاء منصور
10\7\2020