اعتقال خلية صقر إلياس…….!

أبو علاء منصور.

تكرار الوقوع في الأخطاء المعروفة آفة بشرية….
كتب لنا صقر إلياس رسالة ضمّنها تفاصيل ما أنجزته خليّته وخليّة شقيقه محمّد، وريثما يُجهِّز الرسول الذي سيحملها إلينا في الخارج، أخفاها خلف لوحة معلقة في غرفته، بهذا التصرّف ارتكب واحدا من أفدح الأخطاء في العمل السري: “إياك أن تحتفظ بوثائق أو سلاح في منزلك أو مكان عملك، العدو يأتيك فجأة، لا يعطي خبرا مسبقا عن ساعة مداهمته لك”
مساء يوم 15 \ 5 \ 1975 ذهب صقر لتوزيع منشورات في رام الله، وما زالت الرسالة خلف اللّوحة، بهذا كرّر الخطأ: “إياك والخلط بين المهام، أي خلل في إحداها ينعكس تلقائيّا على غيرها”. لسوء حظّه قبضت عليه دوريّة شرطة إسرائيلية واقتادته إلى المخفر، في السيارة التي أقلّته حضرت الرسالة إلى ذهنه: “عليّ الهرب لعلي أتلف الرسالة، لكن ما الفائدة وهويّتي بحوزة الشرطة؟ سيعتقلوني ثانية”.
هرب صقر وبقيت هويته مع الشرطة…..
لم يكن شقيقه محمد آوى إلى فراشه بعد عندما داهمت الشرطة منزله في قرية “كفر نعمة”، كان في ذروة استعداده لامتحانات الثانويّة العامّة. لن ينسى محمد صباح السادس عشر من أيار، كان الجو خماسينيّا وخانقاً كقدره في ذلك اليوم، وقد استيقظ على طرقات باب “العليّة”، اعتقدَ أن الطارق زميله في المدرسة “خير”، فتح الباب وهو شبه نائم، بدل “خير” رأى شرّا، شرطيٌ إسرائيلي سدّ الباب.
_ صباح الخير، أين صقر؟
_ لا أعرف، المفروض أنّه في رام الله.
_ إرتدي ملابسك وتعال معنا.
في قرية صغيرة مثل كفر نعمة، سيصل الخبر سريعاً إلى مسامع أعضاء خليّته، خالد، وكمال، أما “هارون” فلحسن حظّه أنه في الأردن منذ أيام.
حاول محمد جسّ نبض مسؤول الدوريّة.
_ أنا طالب في الثانويّة العامّة، امتحاناتي بعد أيام، هل لي أن آخذ كتاباً للدراسة؟
_ نعم، قد يؤخِّرونك قليلاً.
في مكتب على الطابق العلويّ لمخفر الشرطة في رام الله، سأله ضابط يهوديّ يرتدي اللباس المدنيّ بعض الأسئلة قبل أن يُخبره بفرار صقر من المخفر. أجلسوه على كرسي في الممر وراحوا يراقبونه، فيما واصل اندماجه بالدّور الذي رسمه في ذهنه. طلب قلماً ليؤشر على الفقرات المهمّة في الكتاب الذي كان يتصنّع القراءة فيه. في داخله كان يحترق بشواظ الأسئلة. كيف؟ متى؟ أين؟ ماذا؟….
سألهم بعد ساعات إن كان بإمكانه إحضار رغيف ساندويش من المطعم القريب. لم يكن يرغب في الأكل، كان يريد اختبار تقييمهم لوضعه ليتصرف وفق ذلك. سمحوا له. أمام المطعم تأكّد أن لا أحد يراقبه، كان طليقاً، قادراً على الهرب، لكن لماذا يهرب طالما أنهم لا يعرفون شيئاً عن نشاطاته؟ عاد إلى مركز الشرطة أكثر ثقة. عند العصر طلبوا منه مرافقتهم إلى المنزل الذي يسكنه مع صقر في “بطن الهوى”، كان متأكداً أنهم لن يعثروا على شيء، فالإبقاء على نظافة البيت، واحدة من القواعد التي التزموا بها بصرامة. مرّة واحدة اضطر لكسر تلك القاعدة وتلقى توبيخاً قاسياً من صقر.
المنزل غرفة ومطبخ فقير يفصل بينهما ممر، لا يحتاج تفتيشهما لأكثر من دقائق، كُتبٌ وأوراق كثيرة، جندي الإحتياط الذي قام بعملية التفتيش يجيد التحدث بالعربيّة ولا يقرؤها، لم يتوقف عن كيل الشتائم لرجال “الشاباك” الذين يجلسون في مكاتبهم ويصدرون له الأوامر. “لا يوجد ما أفتشه”. هذا ما خاطب به نفسه باللغة العبرية وقال لمحمّد: “هات هذه الكتب”. راح يناوله الكتب والأوراق بعد أن يقرأ له عناوينها، فيلقي ببعضها على أحد السريرين معلقاً “زبالة”، وبعضها الآخر يلقيه على السرير الثاني. حمل محمّد رزمة أوراق مسطّرة بمربعات، خطفها الجندي، ألقى بها على السرير مردّداً لازمته “زبالة”، لكنه قبل أن يناوله الرزمة التالية غيّر رأيه فجأة ونقلها إلى السرير الآخر قائلاً: “وهل أنا من سيتعب من قراءتها؟ دعهم يتعبون”. قال ذلك خاتماً كلامه بشتيمة لرجال الشاباك.
أدرك محمد أن نقل رزمة الأوراق من السرير الأول إلى السرير الثاني، غيّر مسار مصيره كله. بإلقائها على السرير الأول كأنما قال له الجندي: “إذهب وواصل حياتك”، لكن حين عاد وألقى بها على السرير الثاني فإنما كان يقول: “تعال إلى السجن المؤبّد”. أُعيد محمد إلى المخفر، لم تمض ساعة حتى فوجئ باثنين من رجال الشرطة يصعدان الدرج عَدواً شاهرين مسدساتهما نحوه: “لا تتحرك، يديك خلف ظهرك”
من هناك إلى زنازين التحقيق في مقر الحكم العسكري….
كانت رزمة الأوراق تلك، مسودة رسالة انتوى صقر إرسالها للقيادة في الخارج، تضمّنت تقييماً لعمل خليّتيهما في الأشهر الأخيرة، بما في ذلك الأسماء الأولى لأعضاء الخليّتين.
علم كمال ياسين وخالد الديك بما جرى مع صقر وشقيقه، فقررا المغامرة بعبور نهر الأردن….
لم يكن الطريق ممهَّدا بالطبع، لكنهما استلهما تجربتي -أبو علاء منصور- التي خضتها ونجحتُ منذ عام.
صقر الذي أفلح في الهروب من المخفر، عاد وسلّم نفسه، بعدما أصبح كمن أصيب بجنون الارتياب، فأضحى عاجزاً عن تقدير الأمور بصورة سليمة. لقد وقع في أكبر اختبار للسيطرة على الوعي عندما تخيل رجال الأمن يملؤون الطرقات بحثاً عنه، أنّ كل من في الشارع يجتهدون لإلقاء القبض عليه. مأساة أن تجد نفسك مُرتاباً بكل شيء، في وضع تتشابك فيه أولويّاتك، وضمن معادلة يصعب تفكيك ألغازها.
بدل إنقاذ الرسالة أصبح الإختفاء همّ صقر، لكن الدنيا ضاقت في وجهه.
أضاع الهدف….
جاء في الرسالة التي أرسلها لنا من السجن بعد أشهر:
“كما تعلمون يا إخوتي فإن للخامس عشر من أيار دلالاته المأساوية بالنسبة للفلسطينيّين، ولأنه كذلك أردتُ ان يكون لخليّتي نشاط مميز فيه. كلفتُ كمال بقيادة عدد من الإخوة لمنع العمّال من التوجّه للعمل في “إسرائيل” عبر الطريق غرب رام الله، وتولّيتُ تعطيل الطريق الموصل من المنطقة الغربية إلى القدس. في ذلك اليوم كنتُ قد فرغتُ من كتابة رسالة ضمَّنتها تقريراً مفصّلاً عن نشاطاتنا، ولسخرية القدر تضمّن التقرير نقداً ذاتيّا ًلنفسي، حيث كتبتُ في رسالتي التي وقعت بيد مخابرات العدو: “هنالك استهتار بأبسط قواعد السرِّية التي تعلمناها، ربما يعود ذلك لعدم المحاسبة عن تجاوز هذه القواعد، أنا على سبيل المثال بالرغم من معرفتي بخطورة هذا التقرير، وبضرورة عدم إبقائه في البيت إلا أنني أبقيته. ها أنتم ترون ما تسبب به الاستهتار. مرّت الليلة التي كان يجب أن أخفي فيها التقرير في مكان آمن، وفي الليلة التالية انتظرتُ نوم سكان الطابق الثاني للمبنى الذي أسكن فيه، من أجل إخفائه خارج البيت، ولما طال سهرهم توجهتُ لتنفيذ المهمة تاركاً التقرير في البيت. أثناء ذلك قَبض عليّ رجال شرطة متخفِّين بلباس مدني، قبضوا عليّ وأنا أحمل عُلب رشٍّ أردت استخدامها لكتابة شعارات على الجدران. لم يكن رجال الشرطة يتصوّرون أن الأمر يتجاوز شاباًّ من أولئك الذين ألقي القبض عليهم في تلك الليلة، وهم يكتبون شعارات، لذلك لم يتمّ التعامل معي بقدر كبير من الجديّة. احتُجزتُ في قاعة الإستقبال في مركز الشرطة في رام الله، ريثما يتم إرسالي للمخابرات في الصباح. حوالي الساعة الخامسة والنصف صباحاً، وفيما كان الشرطي يتمشى في المسافة بيني وبين الباب، دفعته بقوة وأوقعته أرضاً، لاحقني رجال الشرطة، فخلعتُ بلوزتي الحمراء وتسلّلتُ بين البيوت. انتفضتُ، وقد أفزعني وأنا أتخبّط في أزقة المدينة القديمة، مرور شاب بمحاذاتي من الخلف، وبقدر ما منحتني العتمة شعوراً بالأمان، فإن مروره بجوار عامود كهرباء أضاء الشارع الخالي أشعرني بالرهبة، أرعبني الصمت، لكني لم ألبث أن استعدت بعضَ توازني عندما غاب الشاب داخل زقاق آخر، في تلك اللحظة تضاءل إحساسي بأنني تحت المراقبة، لكني بين حين وآخر كنت أنظر خلفي، فأشعر بالإرتباك كلما وجدتُ أنني على مفترق. تخيّلت فرقة شرطة في وجهي. بدا الطريق أقصر كثيراً مما ظننت، عندما وجدتُ نفسي من جديد مكشوفاً في الشارع الرئيس. نجحتُ في الوصول إلى معهد المعلّمات. كان همّي أن أنقذ “ابتسام” الوارد اسمها في التقرير. ادّعيت للحارس أنني ابن عمها، أنني جئت لإبلاغها بوفاة والدها، لم يقتنع، ربما أن هيئتي والوقت المبكّر جعلته يشك بالأمر. بذلتُ ما استطعت لإنقاذها لعلها تهرب وتلتحق بالثورة. كنتُ أعلم أن ذلك شبه مستحيل، لكني تمنّيت لو تصل إليكم. تراجعتُ باتجاه منزلي محاولا ًإنقاذ التقرير، فالتقيتُ شخصاً من قريتنا، اعتبرتُ أن السماء ساقته لي، طلبتُ منه أن يقوم بإحراق التقرير وإبلاغ كمال أنني مطارد، لم يتحمّس، ولما لم يعد أمامي مجال لإنقاذ التقرير، قررتُ التوجه إلى قريتي كفر نعمة. هناك فوجئتُ أن كمال وخالد غادرا القرية، أما محمد فاقتادته الشرطة إلى بيتي في رام الله. تحت ضغط الشعور بالذنب والواقع المرير، لم تعد الكلمة الأولى للمنطق. أردتُ أن أكفّر عن خطئي بالتمنطق بحزام ناسف وتنفيذ عملية انتحاريّة، لكنّي اكتشفتُ أن من أخفيتُ عندهم المواد اللازمة لتصنيعه، قاموا بإتلافها خوفاً من كشفها. شعرتُ أنه لا خيار لديّ سوى أن أسلّم نفسي”
قالت “ابتسام غرايبة” وهي تستعيد ذكريات صعبة: “كنتُ طالبة في معهد معلّمات رام الله عندما جنّدني صقر في “فتح”، لم أكن أعرف ما جرى معه ليلة اعتقالي، كانت ليلة صعبة بثّ فيها جنود الاحتلال الرعب في قلوب طالبات المعهد، وقد اقتادوني مُكبَّلة اليدين من القسم الداخلي. كنتُ على وشك إنهاء الفصل الأخير من دراستي مُحمّلة بآمال كبيرة عن المستقبل والزواج والأسرة. حُكمتُ اثنتي عشرة سنة.
توردتْ وجنتاها وهي تقول: “كثيراً ما اعترضتْ طريقي صاحبة المنزل الذي يسكن صقر إحدى غرفه الخارجية، ارتابت بأمر تردّدي عليه، كانت تشكُّ أن علاقة عاطفية تربط بيننا، لم يكن للموضوع الوطني حساب في ذهنها. كانت المسألة شديدة الإحراج، دون أن أتمكن من أن أفصح لها عن الحقيقة. تخيّلتها تخاطبني بنظرات قاسية: “إنني امرأة، أستطيع التخمين، كنتُ فتاة مثلك وأعرف هذه الحركات”
مع تحيات أبو علاء منصور
7\7202