عن التضامن ضد العنصرية!

كاظم الموسوي  .

مثل آلاف المواطنين في المدن الامريكية خصوصا تظاهر الآلاف من المواطنين في المدن البريطانية منذ الأسبوع الأول من شهر حزيران/ يونيو، كما هو الحال في مدن وعواصم أوروبية وخارجها. وعبّر المتظاهرون عن وعي واضح عاكسين فيه مشاعر التضامن الانساني مع الضحية الجديدة/ الرمز الامريكي جورج فلويد، وكل الضحايا، في كل مكان. وقدمت التظاهرات اعلانا صريحا ضد العنصرية والفاشية والاسلامفوبيا، التي تمارسها سلطات رسمية في الولايات الامريكية والدول الاوروبية، عموما.

لهذا جاءت هذه التظاهرات بحشود كبيرة.. عشرات الالاف من المواطنين، جابوا الشوارع رغم تحذيرات المنع وخرق قرارات جائحة الكورونا من الاغلاق التام والابتعاد الفردي، ومعها الطقس الممطر ، وكانت تمثل صرخة ضمير إنساني لم يستطع صبرا أو  صحوة ضمير لم يقدر على الصمت كثيرا. في لندن توجهت التظاهرات مباشرة الى مبنى السفارة الامريكية في بنايتها الجديدة، على نهر التايمز، مطوقة المبنى باعدادها الكبيرة ولافتاتها المعبرة. وكانت أبرز لافتاتها تحمل العبارة المشهورة “حياة السود مهمة او تعني الكثير”، وهذا شعار واسم حركة تدافع عن الحقوق والحريات، في الولايات المتحدة الأمريكية وتوسعت عبر العالم، ولافتة تحمل عبارة “لا أستطيع أن أتنفس” التي كان يرددها جورج فلويد قبل وفاته بدقائق، وكذلك لافتة تحمل شعار “العدالة لجورج فلويد”.

اضافة الى المسيرة للسفارة الامريكية توزعت التظاهرات والاحتجاجات في اكثر من منطقة في العاصمة لندن، واستمرت زمنيا ببرنامج متواصل، في بكهام، في جنوب لندن، وفي حديقة البرلمان، المقابلة لبناية البرلمان في وستمنستر، كتب المتظاهرون شعارات وكلمات منها  كلمة “عنصري” على تمثال ونستون تشرشل، وزير المستعمرات ورئيس وزراء الاستعمار البريطاني، المنتصب في مدخل الحديقة، مواجها البرلمان. وفي ميدان (الطرف الأغر) بوسط لندن جثا المحتجون على ركبهم مرددين كلمات الضحية الاخيرة، “لا أستطيع التنفس”. كما حملوا لافتات “لا عدالة.. لا سلام” و “لا مكان للعنصرية”،  والشعارات الاخرى، ورافعين قبضاتهم رمزا لروح الاحتجاج والغضب الشعبي والتحدي. وأصبحت هذه الحالة صورة احتجاج صامت وتعبير كامل عن  إدانة العنصرية وأساليب السلطات الرسمية الفاشية في التعامل مع الضحايا.

وابرز حدث في تلك التظاهرات البريطانية ما حصل في مدينة بريستول، حيث أسقط المتظاهرون تمثال تاجر “العبيد” البارز في القرن السابع عشر إدوارد كولستون، كما وصفته شبكة البي بي سي الإخبارية، وألقوا به في نهر أيفون. وكان كولستون (توفي عام 1721) عضوا في الشركة الأفريقية الملكية التي كانت وراء المتاجرة بحياة أكثر من 80 ألف رجل وإمرأة وطفل من أفريقيا إلى الأمريكتين. وله ممتلكات واثار دالة عليه في أماكن أخرى من المدينة. ينبغي متابعتها وازالتها من الواجهات. ونبهت هذه الخطوة/ المبادرة الوعي الشعبي إلى ضرورة إزالة أية آثار ذات دلالة للفترات المظلمة في تاريخ البشرية، ومنها التماثيل أو الاسماء والمسميات للشوارع والمناطق، وكل ما يتعلق بهذه الجرائم التاريخية. سواء في بريطانيا أو الغرب عموما. وهو ما صرح به عمدة لندن صادق خان ودعا إلى تنفيذه للتخلص من كل آثار الرق وتجارته ومراجعة تماثيل العاصمة ومعالمها والاسماء والعناوين. وتم فعلا رفع اول تمثال للتاجر الاخر روبرت ميليغان، الذي تاجر بحياة الأفارقة في القرن الثامن عشر الميلادي، من أمام متحف لندن دوكلاندز.

عند سقوط التمثال، في بريستول، جثا أحد المتظاهرين بركبته على رقبته، ممثلا ومكررا مشهد الحدث الأمريكي، الذي نقلته الشاشات والفيديوات، للمواطن الأعزل جورج فلويد، المقيد اليدين والممدد على وجهه، على الارض، وقيام شرطي أمريكي بعنصرية ووحشية، بقتله، بعد أن ركز ضغط ركبته على رقبة الضحية لأكثر من ثماني دقائق وهو يصرخ تحته “لا أستطيع التنفس”!. وكان نقل هذه الحادثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات وغيرها مؤثرا جدا، إضافة الى فضح الجريمة وعرضها أمام العالم. وحركت الصورة المؤلمة والسلوك الوحشي كل هذه التظاهرات والحراك الشعبي الاحتجاجي، في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها. ليس لهذه الحادثة وحدها وانما لتاريخ طويل من الاضطهاد والقمع والعنصرية والتمييز العرقي.

تظاهرات بريطانيا باعدادها الكبيرة وظروفها الحرجة بينت استمرار روح التضامن الإنساني والغضب الشعبي من سياسات الادارات الاستعمارية والراسمالية المتوحشة وممارساتها العنصرية، تاريخيا وحاليا، واعادت للشارع سلطته في الاحتجاج والتحدي. قدمت صورة إنسانية اخرى تدين العنصرية وتدعو لمحاكمة مرتكبيها في كل مكان، لا عدالة.. لا سلام. حيث انكشفت العنصرية كممارسة سياسية وتمييز عنصري وتكريس هوية عرقية في هذا الوقت من القرن الواحد والعشرين.. وهو ما يعني ويدل بأن جريمة عنصرية كهذه لن تمر مرور الكرام، بل تستعيد كل التاريخ المظلم، وتكشف كل الصفحات السوداء في تاريخ الغرب، في هذه القضية وفي تاريخها ومستقبلها. وهو ما حرك مشرعون امريكان لإزالة تماثيل لرموز امريكية في بنايات البيت الأبيض والكونغرس وغيرهما، مارسوا هذه السياسات واعتبروا حينها من ابطال تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

الخطوات التي جرت في التظاهرات، السلمية الاحتجاجية، ينبغي أن تتواصل في محاكمة التاريخ، واسقاط كل الرموز والتماثيل والعناوين التي تؤشر وتذكر بكل الذين شاركوا في جرائم العنصرية، ومعاداة المهاجرين والأديان. ورغم قوانين الغاء ” العبودية” وانتهاء صفحات منها، الا أن الممارسات الفعلية مازالت تكرسها، رسميا وفي التعامل والسلوك الإداري أو الوظيفي وحتى في التعليم والنشاطات العامة. وحين ينفجر الغضب الشعبي بهذا الشكل ازاء ما حصل لجورج فلويد في مدينته الأمريكية، وكل الولايات، وإعادة الذكريات المرة والحزينة والكارثية من تاريخ لا يمكن التسامح معه والنسيان لاحداثه القاسية وعديد ضحاياه الكثر، يصبح العمل على التغيير الكامل مطلوبا دون تهاون أو تمهل أو انتظار. أن التمييز العنصري والعرقي في هذا القرن لا يمكن قبوله أو السكوت عليه. ففي الوقت الذي تتعالى الاصوات من أجل الحقوق العامة والمساواة والعدالة للجميع من سكان الكرة الأرضية يكون هذا الفعل الشنيع منبوذا واجراما مدانا وعنفا فاشيا، ولابد من ان تكون المعاقبة عليه شديدة بما يردع تكراره أو إعادته أو السماح له.

صحيح ان جورج فلويد ليس اول ضحية لجريمة العنصرية ولكن بعد هذه التحركات الشعبية في العالم والغضب العارم فليكن اخر ضحية في هذا الزمان. كما ردد المتظاهرون في انحاء العالم، وليس في الولايات الامريكية والمدن البريطانية فقط، لا عنصرية بعد الان. وليكن درسا معلنا لكل السلطات في جميع أنحاء العالم، وفتح صفحة جديدة في تاريخ البشرية، يسجل التاريخ الآن بدايتها، وبعدها يجري العمل بثقة وصدق لبناء علاقات وقيم إنسانية يتمناها جميع البشر.

‎2020-‎07-‎05