على مفترق الدم …….!

أبو علاء منصور.

عُقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، تفاقمَ الغضب في صفوف مناضلي “حركة فتح” وفي أوساط الثورة عمومًا، تعاظمت المطالبة بمحاسبة الفاسدين والمسؤولين عن سقوط الجنوب. بدل أن تنصرف القيادة بجدية لمعالجة الأسباب الحقيقية للأزمة، هربت للاحتفال في عدن! لماذا نحتفل؟ بماذا نحتفل؟ نعم صمدنا في بيروت لكنّنا هُزمنا في نهاية المطاف، وهناك من تجدر محاسبتهم. ربما بدأ انشقاق “فتح” من عدم جدية القيادة، ومن عدم احترامها لرأي القاعدة، ومن مداعبة شعارات المنشقين لعواطف المخذولين، بدل أن تتعاطى القيادة بمسؤولية مع الأسئلة الصعبة، هربت إلى ما يُبعد الضوء عمّا ترتّب عن المأساة من شروخات داخلية.

استولى المنشقون على بعض مكاتب الحركة في دمشق. تداعت الأمور وتسارعت الحوادث بشكل خطر. عقدتُ اجتماعًا لرفاقي في المكتب مُحاولًا تلمّس موقف معقول وسط العاصفة. شعرتُ بالرعب حين قال أحدهم (حمودة): “علينا أن نستعد لمقاتلة المنشقين، يجب أن ندافع عن مكتبنا”. قلتُ بحزم تخالطه خشية اتهامي بالضعف: “المعركة في دمشق ليست معركتنا، لن يسمح لنا النظام في سورية بالانتصار، وأنا أرفض أن تُراق نقطة دم على باب مكتبنا”.

ساد صمتٌ أليم حين قال حمودة: “إبراهيم سعد يُخطط للاستيلاء على المكتب، إنّه مع المنشقين”. قلتُ بثقة: “إبراهيم غاضب على القيادة مثلنا، لكنّه ليس منشقًا. إنّ نظرية أنّ كل خليلي منشق غير صحيحة، ثمّ إنّه شقيق الشهيد سعد جرادات”. على الرغم من ثقتي العالية بإبراهيم لكنّ ما قاله حمودة أربكني. ألا يمكن أن يكون التقط صورة لم ألحظها؟ لكنّي أعرف إبراهيم أكثر ممّا يعرفه. مع ذلك كل شيء قابل لأن يتغيّر في الأوقات العصيبة. في اليوم التالي رنّ هاتف مكتبي، وكان إبراهيم سعد يجلس بجواري. طلب المتحدّث من لجنة الخليل التي انشق أغلبية أعضائها أن يتحدّث مع إبراهيم. ناولته السماعة فاستدار نحوي وهمس منفعلًا بعد حديث قصير مع الرجل: “الكلب يُهدّدني! يقول حدّد موقفك، إمّا معنا أو ضدنا، يوم لا ينفع مال ولا بنون”. مسكين إبراهيم. مشكوك به عندنا وهو غير موثوق عندهم.

تسارعتْ الحوادث، وتعرّضتُ لاختبار آخر قاسٍ حين همس لي سائق سيارتنا محمود خضر (أبو فايز): “سرق المنشقون السيارة من أمام منزلي في بلدة تل منين، أعرف من سرقها، لماذا فعلوا ذلك وهم يعرفون أنّنا نستخدمها لنقل متدربينا من الأرض المحتلة؟ هل هذا عملٌ ثوري؟!”.

تفاقمت ظاهرة الانشقاق، فاستدعت القيادة ضباط الحركة المبعوثين في دورات عسكرية للخارج، فقطع مروان كيالي وعايش بدران دورتهما وعادا من موسكو قبل إكمال الدورة. جاءوا إلى مكتبنا في دمشق، مشهد أليم ونحن نتفرّس وجوه بعضنا بعضًا وقد بدا أنّنا على مفترق الدم. لا أقسى من أن يقتتل رفاق السلاح. همس لي مروان حزينًا وهو يستعدّ للتوجه إلى منطقة البقاع في اليوم التالي: “أنا ذاهب لاتخاذ أسوأ قرار في تاريخي، لمواجهة رفاقنا بالسلاح، كيف ننجو من المحرقة؟ كنتُ وصديقي الرائع عايش مبعوثين في دورة واحدة، هو أيّد المنشقين، وأنا بقيتُ على موقفي. قد يقتل أحدنا الآخر”. التحق عايش بالمنشقين ولم يلبث أن تركهم، ما عاد مقتنعًا بمواقفهم، انضم لجماعة صبري البنا ظاناً أنهم أفضل فقتلوه.

وسط تفاقم الحالة حسمتُ أمر إقفال مكتبنا؛ لم أُرد أن أُهدي للمنشقين نصرًا كاذبًا، أن يدّعوا كعادتهم انضمام العاملين في المكتب إليهم. لم يكن القرار سهلًا، لكنّي باتخاذه تجنّبتُ ورفاقي خوض اشتباك خاسر. لمحتُ في عيون بعض ذوي الرؤوس الحامية من رفاقي عدم رضا، لكنّ أحدًا لم يعترض على موقفي، خدمني ما أحظى به من ثقة.

لحظات مؤثرة ونحن ننزع صور شهدائنا وأسرانا التي تزيّن الجُدر. بدا المشهد أكثر درامية وقسوة ونحن نحرق ملفاتنا. حرقنا وحرقنا. عند مغيب الشمس أسدلنا الستار على ذكريات جميلة. ولما حانت لحظة الوداع غادرنا دون أن ننظر في عيون بعضنا. نزلنا الدرج مُنكّسي الرؤوس والمرارة تملأ حلوقنا. بعد أيام تقرّر تجميع العاملين في القطاع الغربي للدفاع عن مكتب لجنة نابلس في حيّ المزرعة. فكرة غير موفقة، مع ذلك شارك اثنان من رفاقي -أبو قاسم وأبو خالد الصغير- في الدفاع عن المكتب. أيام واستولى المنشقون على مكتب لجنة نابلس، فسقط أحد المدافعين عنه شهيدًا.

احتفظنا بعدد من الوثائق في منزل أحد الإخوة، أشهر قليلة وحرقتها زوجته بعد اعتقاله، خشيت عليها. كنز ثمين فيه روحنا، أسرار عملنا وزبدة خبراتنا. روايات معمّدة بدم المناضلين وجدّهم في زمن ازدهار الثورة، بينها رسائل الشهيدين خالد الديك وجورج ثيودوري، أوراق تعبق برائحة استشهادهما. وحرقت جوازيّ سفر أردنيين للشقيقين صقر ومحمد إلياس، وأشياء أخرى فائقة الأهمية.

طالت مأساة الانشقاق الجسد الفلسطيني برمته. ربما كان الفضل للأرض المحتلة في حسم معركة الانشقاق أكثر من أي موقع آخر، وكان لأخطاء المنشقين وجرائم حلفائهم دورها في فضح مشروعهم.

أردتُ مقابلة خليل الوزير (أبي جهاد) في مدينة طرابلس. زودني علي أبو طوق ببطاقة لبنانية مزورة، لاستخدامها في عبور حواجز الكتائب والمنشقين. ماذا لو فوجئنا بحاجز لحزب الكتائب وأنا لا أُتقن اللهجة اللبنانية؟ سيعرفون أنّني فلسطيني. سيعتقلونني! وربما يسلمونني للإسرائيليين!!. ماذا لو اعترَضَنا حاجز للمنشقين ولهجتي فلسطينية؟ سيعتقلونني إن عرفوا أنّني من “فتح”. انتابني إحساس مفزع، ورؤوف من بلدة سلواد، السائق من كتيبة الجرمق، يناور بمهارة لعبور طرق تعجّ بالمفاجآت! تساءلتُ وأنا أتفحص هويتي حين وصلنا إلى طرابلس: “كيف لشخص مهما كان غبيًا ألاّ يلاحظ أنّني أرتدي القميص ذاته الذي في الصورة على الهوية المفترض أنّها صادرة قبل خمسة أعوام؟! سيكشف أن الهوية مزورة”. كُنّا نتصرّف بجنون الأمل.

بعد أربع وثلاثين عامًا، يوم الإثنين، في السابع عشر من شهر نيسان/إبريل عام 2017 التقيتُ رؤوف على دوار الساعة وسط مدينة رام الله، كان قادمًا من أميركا. قال لي وهو يعانقني بحرارة: “سقا الله تلك الأيام يا أبا علاء، أنت من رائحة الشهيدين أبو حسن قاسم وحمدي”. أضاف مُذكّرًا بمشوار طرابلس آنف الذكر: “بعد مرور شهرين على ذلك المشوار اعتُقلتُ على حاجز للمنشقين في منطقة ظهر القضيب بالقرب من طرابلس”.

في مكتب أبي جهاد بطرابلس أدّى له التحية رجل بهيئة مترهلة وبصوت مبحوح: “أعدتُ للحركة خمسين مُنشقًا، ها هم أسفل العمارة”. قال أبو جهاد وقد بدا أنّه استخفَّ بما قيل: “أحضرهم لي”. نزل الرجل ثمّ عاد بعد بضع دقائق: “لم أجدهم”. أضاف وهو يناول ورقة لأبي جهاد: “أنصفني، ألم تخاطبني كنقيب في اجتماع أول أمس؟”. رد أبو جهاد: “ما رتبتك الحقيقية؟”. أجاب: “ملازم”. قال أبو جهاد: “يا أخي أنا أخطأت حين خاطبتُك برتبة نقيب، أنا متأسف”. تساءلتُ وأنا أنظر في عينيّ الملازم: “أهو خبيث أم ساذج؟ ربما أنّه مظلوم! وربما أنّه ابتزاز للقائد في لحظة الأزمة!”.

بعد الانشقاق دارت الأسئلة المؤرقة في الرؤوس، ماذا نفعل بمن بقي من مناضلينا في سورية ولبنان؟ ما مصيرهم؟ معظمهم جلبناهم بالتهريب وبوثائق مزورة. استقرّ الرأي على تشجيع من يملك فرصة للسفر إلى الخليج أن يحاول ذلك، وأن يعود إلى الأردن من يملك جواز سفر أردني. وجنّدنا طاقاتنا لتهريب من لا يملك وثائق عبر الحدود. لكن كيف سيتصرّف من زوجته فلسطينية لبنانية؟ ومن لم يتقبل الإقرار بالهزيمة! سيُقتل بعض هؤلاء على يد المنشقين وجماعة صبري البنا.

أثير لغط حول انضمام أبو ضرغام من كتيبة الجرمق للمنشقين! كأنّما بصق الرجل في وجهي حين قال لي يوم زرته في منزله بمخيم اليرموك: “أنا لستُ مع المنشقين، لكن ما عاد لحركة فتح مستقبل في سورية بعد الانشقاق، ما الذي سأفعله ببناتي في اليمن إن كان نصيبي أن أستقر هناك؟ عندي أربع صبايا في سن الزواج؟ لمن أزوجهن؟”. لم يكن أبو ضرغام منشقًا، كان حمله ثقيلًا. لاحقًا التحق بالمنشقين مضطرًا، ثمّ تركهم والتحق بجماعة صبري البنا لعلهم أفضل فقتلوه. كان هذا مصير أحمد منتصر وآخرين. أمّا علي أبو طوق فاعتصم بمخيم شاتيلا حتى استشهد. سَكينة اللبنانية زوجة الشهيد عاطف الذي استشهد في الاشتباكات مع المنشقين في طرابلس، التجأت ببناتها إلى ذويها في بيروت. في الهزائم مآسٍ ونكبات.

ظلّت بيروت حضن الثوار الدافئ، ملاذ من قتلهم صقيع بلادهم السياسي فاضطروا إلى العيش في المنافي، شريانًا تغذّت منه أحزابهم وحركاتهم في بلادهم، ودائمًا وقف أبو جهاد في مقدمة داعمي هذه الحركات. لو أتيحت لك فرصة زيارة معسكر القطاع الغربي بضواحي دمشق، لبهرك مشهد المتدربين بألوانهم وجنسياتهم ولغاتهم. بخروج الثورة من لبنان ضاقت الدنيا بالمناضلين. بعضهم وجد ملجأ بشروط، ومنهم من عاد إلى وطنه متخفيًا فاعتقل. ودارت أحاديث عن تسليم بعض (القادة الثوّار) قوائم بأسماء مناضلين لسفارات بلادهم! مصائر هدّدت من كانت الثورة ملجأهم فأضحى المجهول خيارهم.

لم أفرح بالنوم ليلة واحدة في شقتي التي جهزتها في بلدة جوبر. بناءً على أمر أبي جهاد، أخذتُ زوجتي وطفليَّ وسافرتُ إلى تونس. سكنّا في (فندق الدار) غير البعيد عن العاصمة التونسية. ستة أشهر في الفندق دون إيجار، وأصبح راتبي الشهري خمسمئة دولارًا. فرصة لسداد ديوني المتبقية من تجهيز الشقة.

محمد نعمان (زهير) الذي بقي في سورية، ذهب يومًا لزيارة صديقه محمد الكاشف نائب مسؤول لجنة القدس. قال مازحًا كعادته لأحد شابين وجدهما في المكتب ظانًا أنّهما من العاملين مع الكاشف: “ما تستحي وتقوم تسوّي لك فنجان قهوة”. ردّ الشاب: “ناولني هويتك”. في لحظة الصدمة أدرك صديقنا ورطته. هؤلاء رجال أمن سوريون! تعاطف رجُلا الأمن مع الرجل المريض فقال أحدهم: “خذ هويتك وغادر. لا تُبلغ أحدًا بما جرى”. كان حظ أبي النعمان طيبًا هذه المرة، لكنّه اعتقل بعد أشهر.

انعكست لعنة الانشقاق على الأسرى في سجون الاحتلال. لم ينجُ أسرى لجنتنا من هذه اللعنة. انشقّ بعضهم، نحن قيادتهم في الخارج مسؤولون عن ذلك، فقد اعتقل أغلبيتهم ونحن يساريون، وكان تواصلنا معهم في السجن ضعيفًا. ولأنّ الانشقاق اتخذ صبغة يسارية ظنّ كثيرون منهم أنّنا مع المنشقين. بعد ثلاثة عقود من الانشقاق، التقينا في النادي الأرثوذكسي برام الله لتأبين الأسير المحرّر مجاهد سعيد الذي توفي في سورية. ألقى صقر إلياس كلمة مؤثرة في حفل التأبين جاء فيها: “في تلك الأيام التي شهدت مرحلة طفولتنا اليسارية، حيث كان العالم في نظرنا مقسومًا إلى لونين لا ثالث لهما، إمّا أبيض وإمّا أسود، في هذا التقسيم كان حبيبنا مجاهد الأنصع بياضًا. لم يكن يُخفي هويته هذه، وكان يُشاركنا أحلام تلك الفترة. نحن نتحدّث عن فترة منتصف السبعينيات، عندما كان طموحنا لا يحدّه تحرير فلسطين، ولا تحقيق العدالة فيها، بل وتحرير العالم. كان مجاهد من يقودنا إلى هذا الحلم. ليس غريبًا على من تتلمذ على يد القائد والمعلم الحج حسن بشخصيته الفذة، وليس مستبعدًا على من عايش القادة العظام حمدي وقاسم أن لا يكون مجرد مقاتل، كان من طلائع المقاتلين الذين تقدّموا الصفوف لحمل أقصى المهمات، ولم يكن أمامهم أحد فوق المساءلة. إنّ تقييد حرية الإنسان أمر صعب، فكيف على بدوي عاش الحياة الطليقة في جبال سورية ولبنان. ببساطته وذكائه الاجتماعي، كان مجاهد أكثرنا قدرة على التواصل مع المؤسسة التنظيمية الرسمية في المعتقل، تلك التي كانت ترى في خطنا اليساري انحرافًا تنظيميًا وخطرًا داهمًا. وكان أكثرنا قدرة على التواصل مع القاعدة التي كانت محرَّضة ضد هذا التوجه الفكري والسياسي، فأدّى دورًا مهمًا في تخفيف تلك النظرة العدائية تجاه أعضاء هذا التيار، وأحيانًا كان يقوم بدور مطفئ الحرائق التي يُشعلها تصرّفٌ أو تصريحٌ من هذا الأخ أو ذاك. لم يكن مجاهد متفذلكًا في التعبير عن نفسه، كان قادرًا على التعبير عن رأيه بلغة سهلة الوصول إلى قلوب الناس قبل عقولهم. الأهم من ذلك حُب الصغير والكبير له. ليس غريبًا على من يمتلك قلبًا يتسع لحب الناس، وعقلًا قادرًا على فهم مواطن ضعف البشر والتماس الأعذار لهم قدر المستطاع، وفوق ذلك كله احترام الإنسان كإنسان، واحترام الأسير كشخص حاول أن يقدّم ما يستطيع لبلده، ليس غريبًا على من يمتلك هذه الصفات أن يحظى بتلك الشعبية والاحترام. كان مجاهد واحة أمل، ومنهل محبة، ونبع عطاء. لقد أهّلته قدراته التنظيمية وشعبيته الواسعة، والكاريزما القيادية التي يتمتع بها على تبوء أعلى المراتب التنظيمية في المعتقل الذي أمضى فيه أطول فترة، معتقل بئر السبع، وقد شهدت تلك الفترة قفزة نوعية في الوضع التنظيمي، وفي العلاقة مع إدارة المعتقل لمصلحة تحقيق المزيد من المكتسبات للأسرى، وفي العلاقة مع التنظيمات الوطنية لمصلحة الوحدة الوطنية لأنّه لم يعرف التعصب التنظيمي. عندما اعتقد في لحظة من اللحظات أنّ السفينة التي أبحر عليها لن تصل إلى غايتها التي أمل، ومقصدها الذي أراد، وارتأى أن يغادرها أملًا في الوصول إلى تلك الغاية وذاك الموئل، لم يفكر لحظة بنفسه، ولم يُهمل للحظة مصير تلك السفينة التي سيتركها، بل كان حريصًا ألّا يصيبها مكروه. عندما تعالت الأصوات في سجن عسقلان منادية بالإعلان عن موقف كان سيؤدي إلى الانقسام التنظيمي على غرار ما حدث في الخارج، كان هاجسه ماذا سيحدث للتنظيم الأم إثر خروج عدد كبير من كوادره. طوال الفترة التي اتسمت بالتعايش واحتواء الانقسام كان مجاهد رحمه الله من دعاة مواصلة استراتيجية الحفاظ على الوحدة التنظيمية، وعدم الإعلان عن الموقف السياسي المؤيد لهذا الطرف أو ذاك طالما احتُرم هذا الموقف. كانت طريق التقدّم في المراتب التنظيمية أمامه مفتوحة، مع ذلك آثر الدخول إلى طريق مجهول، مضحيًا بما كان ينتظره على الصعيد الشخصي لو لم يمارس قناعاته. لم تكن المطامح الشخصية هاجسه. لم يطرح يومًا تشكيل تنظيم جديد أو يفكّر بالانضمام لتنظيم يساري آخر. كانت حركة فتح بما فيها من تناقضات خياره”.

حين تحرّر مجاهد من سجون الاحتلال في صيف عام 1985، توجّه إلى سورية، التحق بالمنشقين على “حركة فتح” ومعه رفيقه أحمد أبو هدبة. قرار ظنّ الفدائيان أنّهما باتخاذه يكملان مشوار الثورة. صدمهما واقع المنشقين فأسرعا لمغادرة سِكّتهم. في هذا الوقت كانت رواتبهما في منظمة التحرير مقطوعة، فتقطّعت بعائلتيهما السبل، بجهد جهيد تمكّن رفيقاهما في الأسر موسى الشيخ ومحمد البيروتي من استعادتها بعد أعوام، الشكر لهما. توفي مجاهد، وساءت الأحوال في سورية، عاد أبو هدبة إلى الأردن، فاعتُقل وأُبعد إلى سورية وتوفي هناك. في شهر شباط عام 2017، تجمع رفاقه الأسرى المحرّرين لتأبينه في النادي الأرثوذوكسي برام الله، الشكر للنادي، ولرئيسه الدكتور هاني الحصري على وفائه لرفيقيّ دربه في السجن؛ مجاهد سعيد وأبي هدبة.

مع تحيات أبو علاء منصور

5\7\2020

من كتابي (رحلة لم تكتمل)