بوتين الى الأبد ، بعد الاستفاء على الدستور . كيف يفكر بالسعودية والأسد وأميركا و” اسرائيل“!

 سامي كليب.

منذ شبابه يحقّق فلاديمير بوتين ما يريد. فهذا الفتى الوحيد عند أهله متواضعي الحال ( ام تعمل في البيوت وأب عامل في مصنع)، والمولد في تشرين الأول/أكتوبر ١٩٥٢، كان قد وصل الى رئاسة الوزراء من عالم الاستخبارات وبعد اخضاعه الشيشان بالقوة، ثم تولى الرئاسة وأكمل اخضاع الشيشان ثم جورجيا وضمّ جزيرة القرم، وارسل قواته للقتال في سوريا وقارع واشنطن مرارا، وها هو اليوم يُتوّج قيصرا مدى الحياة من خلال حصوله على نحو ٨٠ بالمئة من أصوات الروس في الاستفتاء على الدستور الذي يجيز له الترشح لولايتين أخريين لا تنتهيان قبل ان يصبح عمره ٨٠ عاما. وبعد ذلك، مرصودة له مناصب أخرى تبقيه في صلب القرار.

كيف يُفكّر بوتين، وماذا يريد ؟

خير الإجابات نجده في كتاب مهم جدا للسينمائي الأميركي اوليفر ستون، بعنوان The Putin Interview ” حوارات مع بوتين” يختصر فيه ٩ أيام من النقاشات العميقة المتعلقة بالدين والسياسة والفكر والرياضة والثقافة والأمن، التي خاضها مع الرئيس الروسي. اليكم مختصر هذه الحوارات:

1▪︎ أولا : بعض ملامح شخصية بوتين وبماذا تأثر؟

  • والد بوتين كان عامل ميكانيك بسيط، لكنه جُرح في الحرب حيث كان مع فريق من الاستخبارات السوفياتية للتجسس على مواقع العدو( ربما هذا ما أثر ببوتين لاحقا للانضمام الى الاستخبارات). توفي شقيق فلاديمير بوتين أثناء حصار لينينغراد وكان في الثالثة من عمره. وتوفي شقيقه الآخر في دار للأيتام. أما جدّه فكان مسؤول الطبّاخين عند لينين وستالين. ( هذا ما يفسر قسوته وصلابته ولكن أيضا عاطفته).

  • بوتين تعلّم رياضة الجودو باكرا، ودخل الى جامعة لينينغراد لدراسة القانون ، ثم انخرط مباشرة بعد التخرج بالاستخبارات السوفياتية “كي جي بي”. يقول انه ما اختار الحقوق الا ليدخل لاحقا الى هذا الجهاز. ذهب بداية الى المانيا في سياق المخابرات الخارجية السوفياتية، ثم في الجامعة قبل ان يقترح عليه رئيس بلدية سان بطرسبورغ ان يعمل معه وهو كان بالأصل استاذه. ثم استقال حين قام الانقلابيون بمحاولة قلب النظام في العام ١٩٩١.

  • ينتقد بوتين الشيوعية، ويقول ان النظام كان قد وصل الى الحائط، وان المجتمع صار مُحنّطا غير قادر على أي تطور، وان احتكار طبقة سياسية واحدة ، وحزب واحد للسلطة كان كارثيا للبلاد. وهو اذ يشيد بالرئيس ميخائيل غورباتشوف لمحاولته تغيير الوضع، الا انه يقول ان غورباتشوف اعتمد بذلك على أفكار فرنسية، ويضيف ان النظام نفسه لم يعد صالحا فانتهى الى الانهيار. ( هذا ما يفسّر تعلقه بضرورة حدوث اصلاح سياسي في سورية دون قلب النظام او تفكيك الدولة).

  • مع انتقاله الى موسكو عام ١٩٩٦ ، بدا العمل في المسائل القضائية الى جانب الرئيس بوريس يلتسين ، ثم في مراقبة الإدارات الحكومية والمناطقية، ثم اصبح رئيس FSB جهاز الأمن الفدرالي لمدة عام وشهر واحد، وبعدها رئيس للوزراء في آب/أغسطس ١٩٩٩ أي مع اندلاع الحرب الشيشانية الثانية. حصل عل هذا المنصب الكبير بعيد وفاة امه و ابيه. ثمة عاطفة عميقة تربطه بهما، فهو يروي أنه وخلال عامين كان يستقل الطائرة كل يوم جمعة من موسكو الى سان بطرسبورغ لزيارتهما في المستشفى . وكان والده يقول للممرضات حين يراه :” انظروا الى الرئيس القادم الي “. وبالفعل فقد انتخب رئيسا في العام ٢٠٠٠ بنسبة أصوات ٥٣ بالمائة بعد شهرين فقط من وفاة أبيه .

2 ▪︎ ثانيا : الإصلاحات الأولى لبوتين الرئيس

  • أولى اصلاحاته ركّزت على تطوير الصناعة، والالكترونيات، والهندسة، والبتروكيماويات والزراعة، ورفع الناتج القومي الخام، وزيادة الأجور ( من ٧٠٠ روبل عام ٢٠٠٠ الى ٢٩ ألف روبل عام ٢٠١٢) .

  • يقول :” انا لم أوقف التأميم، لكني أعدت العدالة الى هذا القطاع، ذلك أن القانون هو القانون، والقانون يجب ان يطبق على الجميع”. وقلّص الفقر مرتين

  • يقول كذلك : طوينا آنذاك صفحة التلاعب التي أسست لقيام طبقة اوليغارشية، وقمت بكل شيء لمنع بيع ممتلكات الدولة بسعر بخسٍ، ومنعت تحول بعض الأشخاص الى أصحاب المليارات بلمح البصر.

3 ▪︎ ثالثا : الإيمان والموت والرياضة:

تعرّض بوتين لخمس محاولات اغتيال، وهو مؤمن جدا بالله .

  • يقول :” ان الله وحده يعرف أقدارنا، كلنا سنموت يوما ما، لكن السؤال هو معرفة ماذا حقّقنا في خلال رحلتنا القصيرة في هذه الحياة، وهل استطعنا معرفة قيمة حياتنا.

  • الرياضة التي يتقن الكثير من فنونها خصوصا الجودو والفروسية والسباحة ، هي ليست مرتبطة فقط بالصحة والجسد، وانما أيضا بأسلوب تفكير سياسي واجتماعي. يقول :” ان المبدأ الأساس في الجودو، هو أسلوب المرونة، فعليك ان تعرف في بعض المرات كيف تتنازل اذا كان هذا هو الطريق للنصر”. يضيف :” يجب عدم حشر الفأر في الزاوية، ولا ينبغي ان يكون أي انسان امام حائط مسدود”.

4 ▪︎ رابعا : اميركا والصين :

  • يقول بوتين : نحن لا نحتاج الى اتفاقيات خاصة للتقارب مع الصين، فنحن دولتان تتشاركان أطول حدود في العالم، وتعاوننا هو أمر جيد للشعبين الصيني والروسي. نحن لا نحاول بناء حلف عسكري، لكن علاقاتنا الاقتصادية والتجارية تتطور على نحو مضطرد. ونحن نطور سويا مشاريع الطرق العابرة لسيبيريا وسكك الحديد والتي تناسب تماما إرادة الصين بإعادة احياء طريق الحرير

  • عن أميركا: نحن لا نريد مواجهات مع الولايات المتحدة الأميركية وانما تعاونا وتنسيقا من موقع الند للند لا التبعية. ونعارض أي تدخل خارجي لقلب الأنظمة ونتمسك بالشرعية الدولية.

5▪︎ خامسا : سورية:

يقول الرئيس الروسي :

  • علينا تنسيق الجهود الروسية- الأميركية، نحن نقنع الحكومة السورية وعلى أميركا اقناع شركائها في التحالف، وبالتالي نُصبح قادرين على إيجاد حلي سياسي للصراع.

  • الأمر الأهم الواجب عمله في سورية، هو التوصل الى اتفاق سياسي، وبفضل جهودنا عزّزنا المؤسسات الحكومية، ووجهنا ضربة قاسية جدا للإرهابيين، مع الإشارة الى ان جذور داعش مرتبطة ب ٨٠ بلدا.

  • ان سورية تعيش صعوبات سياسية كبيرة في الداخل لا يُمكن تجاوزها بلا حوار مع المعارضة. نحن نرى ان الرئيس بشار الأسد يريد حوارا ، لكن من الضروري ان تكون عند الطرف الآخر إرادة مماثلة.

  • نحن نسمع من يقول ان على الرئيس الأسد الرحيل عن السلطة، ونجيب بالسؤال التالي :” ماذا سيحصل بعد ذلك؟” لا احد يبدو قادرا على الإجابة، لأنه ببساطة لا يوجد جواب على هذا السؤال. لذلك اعتقد ان افضل طريقة للتقدّم هي عبر الوسائل الديمقراطية، والأكثر منطقية بينها هو دستور جديد يوافق عليه الرئيس الأسد، وأكرر هنا ان هذا الدستور الجديد يستطيع ان يمهّد لانتخابات سابقة لأوانها.

  • ان الأكثر أهمية الآن، هو الحفاظ على سيادة ووحدة الأراضي السورية والشعب السوري، وخلق الشروط المناسبة لعودة اللاجئين الى بيوتهم.

  • ان هدفنا هو دعم السلطات الشرعية، لمنع أي تفكك للدولة السورية، وللحؤول دون تحول سورية الى ليبيا ثانية او صومال آخر.

  • ان هذا مهم لنا، ذلك ان اكثر من ٤٥٠٠ شخص من روسيا و٥٠٠٠ من دول آسيا الوسطى يقاتلون في سورية. وهذا خطر على بلادنا

  • حين قيل انه بعد تحرير حلب سيصار الى تصفيات عرقية، قررت ارسال فرقة من الشرطة العسكرية الروسية من شمال القوقاز وخصوصا من جمهورية الشيشان ومن جمهوريات أخرى الى حلب، وكانوا كلهم من السُنّة، قمنا بذلك طبعا بموافقة الرئيس الأسد. وقد طلب منا ممثلو المعارضة المسلحة في واحد من أرياف حلب بأن نعزّز ذلك . وقد ذهب مفتي من جمهورية الشيشان أيضا الى هناك.

  • نحن طبعا بحاجة الى دعم أميركا والسعودية الأردن ومصر لتحقيق الحل السياسي وذلك بعد ان شجعنا الحوار الثلاثي بينا وبين ايران وتركيا.

6▪︎ سادسا : السعودية :

يقول بوتين :

  • عملنا بشكل حثيث على تطوير علاقاتنا مع السعودية، وقد احتفلنا مؤخرا بذكرى انطلاق أولى العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا والتي تعود الى العام ١٩٣٠، حين زار جد الملك الحالي الاتحاد السوفياتي للمرة الأولى.

  • مراحل عديدة شهدها تطور علاقاتنا، لكني أستطيع القول اليوم انه ورغم خلافاتنا ( السابقة) بشأن القضية السورية، صارت علاقاتنا ممتازة ومن الممكن جدا تطويرها كثيرا في المستقبل.

  • ان الولايات المتحدة الأميركية تسعى لفرض الديمقراطية على العالم اجمع، ولا اعتقد ان ممالك الخليج تُرحب بذلك، ولكي أكون صادقا، فاني لو كنت مكان قادة الخليج لفكّرت مليّا بالخطوة الأميركية التالية. واعتقد انهم يفكّرون بذلك. فلو كنت منسجما مع نفسك في التفكير بالديمقراطية، عليك التفكير بما سيأتي بعد سورية وليبيا ومصر. من الأفضل بالتالي الاخذ بعين الاعتبار التقاليد والتاريخ وخصوصيات كل دولة. من الصعب جدا ان تضع بنى حكومية صالحة للعمل في مكان، وتنقلها الى مكان آخر. من الأفضل بالتالي التعامل مع ما هو قائم باحترام كبير، وحتى لو شئت ان تدعم مسارا سلميا، فعليك ان تقوم بذلك بهدوء، وان لا تفرض من الخارج أي أمر.

  • يعترف بوتين بوجود تنافس نفطي بين السعودية وروسيا، لكنه يقول :” نعم يوجد بعض التنافس، وهذا طبيعي، ولكننا حين نتحدث عن دولة كبيرة تملك حقول نفط ضخمة ودورا كبيرا مثل السعودية او روسيا، فحينها يجب التنسيق والتعاون.

7▪︎ : سابعا :ا الشرق الأوسط وإسرائيل :

هنا يبدو بوتين واضحا تماما، فهو لا يُميّز بين دولة وأخرى في دول الشرق الأوسط وانما يريد التعاون مع الجميع.

  • يقول : ان كل دول المنطقة شركاؤنا، ونحن نريد رؤية شركاء ثابتين ومستقرّين، ولا نريد لعلاقاتنا مع دولة ان تثير مشكلة لعلاقاتنا مع دولة أخرى ، وعلينا ان نبقى أحرارا في القيام بخياراتنا.

  • تاريخيا، لدينا علاقات ممتازة مع كل دول المنطقة، وهذا مهم جدا، وإذ نأخذ بعين الاعتبار التناقضات الدبلوماسية الموجودة، فاننا لا نتدخل في ذلك.

حوارات اوليفر ستون مع فلاديمير بوتين امتدت من ٢٠١٥ الى ٢٠١٧، ومن يقرأها اليوم يُدرك ان هذا الرئيس لا يناور، وانما ينفذ ما يقول، ولعلّ هذا ما اكسبه مصداقية عالية عند خصومه قبل حلفائه.

عن مدونة ميادة رزوق

‎2020-‎07-‎03