يا أهالي كوبر، ارفعوا الرايات البيضاء…..!

أبو علاء منصور.

هذا ما زعقتْ به سماعة منصوبة على دبابة إسرائيلية بعد أيام من عدوان حزيران/يونيو عام 1967. يومها كان الفتى عمر البرغوثي في الرابعة عشرة من عمره، أمّا شقيقه الأصغر نائل فكان أكمل العاشرة. صعد الصبيّان بكومة حجارة إلى سطح منزلهما مُتحدّين المُحتل. لم تحصل مواجهة، لكنّهما تذوّقا حلاوة النصر.

بعد أشهر راح عمر يُفتش عن فدائيين قيل إنّهم يتمركزون في كهوف القرية. لم يُصادف أحدًا منهم، فأخذ يُجنّد فتيانًا للمقاومة، جنّد فخري البرغوثي، غازي أبا فنّة، وفهد أبا الحاج. في إحدى الليالي توجّه عمر وفخري إلى كهف قيل إنّه قاعدة لفدائيين، أحسّ الفدائيون بهما فتبخروا وقد ظنّوهما عملاء للعدو. ترك عمر رسالة في المغارة: “نحن إخوانكم، نريد أن نلتحق بالثورة”. ارتاب الفدائيون فغادروا المنطقة.

عام 1973 التحق عمر بجامعة بيروت العربية، هناك عرّفته ابنة خاله أسماء/أم خلدون إلى الحاج حسن قائد قطاع الجولان في حركة “فتح”، وفي قاعدة عسكرية قرب مدينة درعا تعرّف إلى عدنان جابر الذي أوصله بحمدي.

يروي عمر: “أمضيتُ وفخري ستة أشهر في قواعد الكتيبة الطلابية بجنوب لبنان، شاركنا في معارك ضد قوات سعد حداد، وفي أوقات الهدوء كنّا نشارك الفلاحين حصادهم وقطف زيتونهم. عدنا إلى الداخل، رصدنا باصًا إسرائيليًا يوصل العمال إلى قرية كفر عين شمال رام الله، قيل إنّ سائقه ضابط احتياط مظليّ، إنّه يتسلّح برشاش عوزي. جهّزتُ ثلاثة سكاكين، وقبل فجر ليل الخامس عشر من كانون الثاني/يناير عام 1978، كنّا في موقع العملية على الشارع الموصل بين قريتيّ النبي صالح وكفر عين. في اللحظة الأخيرة قرّرنا تأجيل العملية؛ لأنّ تنفيذها في هذا الوقت يمنح العدو نهارًا كاملًا لملاحقتنا“.

أضاف عمر: “كي نجعل الليل في مصلحتنا، اتفقنا على التنفيذ عند مغيب الشمس. هدّدني شقيقي نائل: ’إن لم تشركني بالعملية سألتحق بالجبهة الشعبية’، تخلّيتُ عن دوري لفخري في قيادة العملية، وشاركه فيها نائل وأحمد القندس. سمعنا صوت إطلاق نار. ظننا أنّ الشبّان أخفقوا في السيطرة على السائق، أنّهم استشهدوا! لم يهدأ روعي حتى ظهر فخري عند طرف قريتنا وهو يتقدّم الشبّان وما زال يقبض على (الشبرية). كادت رؤوسنا تطاول السماء ونحن نستمع لصوت الثورة معلنًا نبأ العملية، احتفلنا بغداء من عشرين (شنّارة) اصطدتها قبل يومين، بعد مُدة كُشفت خليتنا واعتقلنا، حُكمتُ أنا وفخري ونائل بالمؤبد، وحُكم فهد خمسة عشر عامًا، وعزت بدوان سبعة أعوام. وحُكم كل من مروان البرغوثي، ورائد البرغوثي، وعبد الكريم البرغوثي الذين كانوا يتحركون على تخوم الثورة لخمسة أعوام. أمّا أحمد القندس فنجا من حكم المؤبد لأنّه كان في الأردن. في السجن التحق مروان ورائد بفتح، واختار عبد الكريم الجبهة الديمقراطية”.

بعد ثلاثة أعوام أُقيم في بيروت عزاء للشهيد نجم شقيق عزّت. هناك التقى عزّت بحمدي، وبعد عودته للداخل أرسل إليه حمدي رسولًا على عيادة طبيب الأسنان هاني الحصري في رام الله. في “النقطة الميتة” التي حملتها الرسالة وجد عزت متفجرات وصواعق، جهّز عبوة لكنّ المخابرات دهمت منزله وعثرت عليها. حُكم لأربعة أعوام، واعتقل معه الدكتور الحصري.

بعد أربعة وثلاثين عامًا في سجون الاحتلال تحرّر نائل البرغوثي ورفيقه فخري البرغوثي في صفقة وفاء الأحرار التي اشتُهرت باسم “صفقة شاليط” . انتفض فخري، وردّ بعصبية حين سألته عن مشاعره في أول لقاء جمعه بنجليه شادي وهادي في السجن: “أرجوك لا تسأل”. أدركتُ في تلك اللحظة أنّني لامستُ عصبًا حساسًا، فما يزيد على ثلاثة عقود من الاعتقال لشخص تحرّر للتو تاركًا خلفه فلذة كبده، لا تحتمل مثل هذه الأسئلة. كنتُ أريد جوابًا يعكس مشاعر طازجة، أمّا هو فما تزال روحه سجينة.

بعد عامين من تحرّره أجاب فخري حين كرّرتُ عليه السؤال: “لم يكن مضى على زواجي من أم شادي سوى عامين حين اعتُقلتُ، كان عمر شادي عشرة أشهر، أمّا هادي فكان جنينًا في بطنها. بعد سبعة وعشرين عامًا التقيتُ ولديَّ في سجن عسقلان! قدرٌ قاسٍ ذكّرني بيوم اعتقالي، يومها تركتُ والدتهما تكابد مصيرها. صحيح أنّ الناس طيبون، وهناك ثورة وفدائيين، لكنّ الحمل أثقل من أن تحتمله شابة في مقتبل عمرها”. تأوه وأضاف: “لا تزال بعض مشاعر ألم اجتماعي إلى ولديَّ في السجن تتلبسني على الرغم من مرور عامين على تحرّري. هناك أمور يصعب التخلّص من آثارها. يومها كان عليّ أن أبدو قويًا ومتماسكًا، ودعمني رفاقي الذين كنتُ أقرأ في عيونهم ألمًا قاسيًا. الأشد قسوة واجهته حين التقيتُ زوجتي على شبك الزيارة أول مرة بعد اعتقال ابنيها. كدتُ لا أحتمل النظر في عينيها. كانت تقاسي بصمت وأنا أتألم“.

ذات يوم التقيتُ فخري على دوار المنارة في رام الله. كان ذلك بعد ثلاثة أعوام من تحرّره من السجن، كان عائدًا بحفيدته مجدل ذات السبعة أعوام من المدرسة. قال وهو يُعرّفني على الطفلة: “الأمّورة مجدل ابنة هادي”. قاطعت الحفيدة جدها: “أبوي انسجن ثلاث سنين ونص، وسيدي فخري انسجن أربعة وثلاثين سنة، وعمي شادي في السجن، كلّهم التقوا في سجن عسقلان، عشان هيك سمّاني أبوي مجدل، على اسم عسقلان”. قالت الطفلة ذلك بلهجة صارمة وتقاطيع عبوسة. كأنّها شاركت ذويها سجنهم. كثيرًا ما يُغطي رماد الصمت جمرٌ يحرق الأرواح.

قال لي هادي وأنا أسرد له تلك الحكاية: “الله يعين أبوي، مشاعر صادمة يصعب وصفها لحظة التقيتُه وشقيقي شادي في سجن عسقلان. قال لنا يومها: ’لم أكن لأعرفكما لو وصلتما إلى السجن ضمن معتقلين آخرين’. كنّا نحلم باستقبال والدنا متحررًا من السجن، أمّا أن تجمعنا معه قيود السجان وعتمة الزنازين، هذا ما لم يخطر بالبال أبدًا! ربّما الأشد قسوة ما عانته الوالدة، ظلّت المسكينة تكابد مرارة ألمها وحيدة. أمّا يوم تحرّرتُ من السجن مُخلفًا والدي وشقيقي وراء القضبان فشيء أُجاهد نفسي لنسيانه. الأمر ذاته يوم تحرّر والدي بعد أعوام، فرحة لم تكتمل وقد ظلّ شادي في السجن”.

مع تحيات أبو علاء منصور

30\6\2020

من كتابي(رحلة لم تكتمل)