سحب ثقة لم يكن لها وجود!

صائب خليل.

يمكن لكتل الحشد، ان تحل مشكلة الحكومة المعادية لها، وتجنب البلاد الكثير من الاخطار والكوارث بكل بساطة وهدوء: “سحب الثقة”!

“سحب الثقة”..هو اسم الطريقة الديمقراطية الطبيعية التي تسقط بها الأغلبية النيابية، اية حكومة منتخبة. والإسم بذاته يكشف مدى سلطة ممثلي الشعب على الحكومة، فهم لا يحتاجون إلا الى “سحب ثقتهم” منها لتسقط.

وهو يكشف لنا أيضاً مدى الانهيار السياسي الذي يحل بالعراق اليوم، خاصة عشية الصدام بين الحكومة والكتل النيابية الكبرى على خلفية عدوانها على الحشد والذي يعرف الجميع، اصدقاءا واعداء، انه تم تنفيذا لتعليمات  السفارة.

“سحب الثقة” يعني ان الكتل النيابية لا تحتاج ان تصطدم بالحكومة عسكريا، ولا أن تدافع عن نفسها بالسلاح، بل انها لا تحتاج حتى الى إدانة الحكومة بجرم محدد لكي تزيحها. يكفي ان تقول انها “لم تعد تثق بها”، ولا تحتاج حتى ان تثبت سبب انعدام تلك الثقة ان لم تشأ. فالحكومة المنتخبة تعيش وتتحرك على عجلات رضا الكتل السياسية عنها، فإن لم ترض عنها تلك الكتل، توقفت الحكومة وشلت وتوجب ازاحتها.

لكن دعوة مجلس النواب العراقي لـ “سحب الثقة” من الكاظمي ، تبدو غريبة، لأنه لم يكن هناك أصلاً أية “ثقة” بهذه الحكومة. الكاظمي لم يأت عن طريق “ثقة” لتسحب منه، بل جاء عن طريق الإرهاب والتهديد الذي مارسته السفارة الامريكية على نواب الكتل، تهديدات اقتصادية ومالية والله يعلم بماذا هددت السفارة النواب على حدة.

رسالة السفير لوحدها تجعل من تكليفه عملية غير شرعية، وكذلك امتلاكه لجنسية اجنبية، إضافة الى ان الدستور يشترط حسن السلوك والسمعة، و الرجل، سيء السمعة، بتهمة ثابتة هي سرقة الأرشيف العراقي وتقديمه لأميركا وإسرائيل، إضافة الى تهم أخرى اخطر غير مثبتة قضائياً (لم يتم التحقيق بها)، لكنها مدمرة للسمعة بكل تأكيد.

لكن لماذا يجب سحب الثقة من الكاظمي؟ اليس هناك اية طريقة أخرى لحل المشكلة، ودفعه الى تنفيذ الاجندة التي وعد بها بالتركيز على الانتخابات المبكرة وتجاوز ازمة كورونا؟

معروف في البحث العلمي، أننا إذا طبقنا منطقا سليما واستخدمنا معلومات صحيحة، فإن الاستنتاجات تكون صحيحة. ويمكننا بواسطة هذه الطريقة ان نستنتج ان اية آمال شعبية ووطنية من الكاظمي، ليست سوى خيالات، وهي خيالات خطرة، لأنها تؤخر رؤية الخطر.

لنجمع المعلومات إذن ولننظر إلى الحقائق الأكيدة أولاً:

 في مقابلة تلفزيونية لي قبل يومين (1) ركزت على أننا قبل تحليل أي موقف، يجب ان نسأل أولا: هل ان اميركا تحارب داعش أم تدعمها؟ ثم علينا ان نتذكر الجواب على هذا السؤال دائماً ولا ننساه، وعندها ستتبسط امامنا الكثير من التعقيدات ويزول التشويش. لنجرب:

بالنسبة لي، ليس هناك أي شك من أن أميركا مع داعش، هي من أسسها وهي من يدعمها وينقذها ويحارب معها احياناً، ومن لديه شك يمكنه ان يتصفح العدد الهائل من الأدلة في هذا التقرير الذي اعددته خصيصاً لذلك (2)

ومن يطلق داعش على بلد، فهو يريد الدمار التام له، فهذه هي النتيجة الوحيدة المتوقعة من داعش. ومع ذلك دعونا نتوقف هنا قليلا ونتساءل: لماذا تريد اميركا الدمار التام للعراق (وسوريا)؟ ما الذي يحققه ذلك لها؟

لا شيء، ورغم ذلك تسعى اليه! وتفسير ذلك أن السياسة الامريكية في الشرق الأوسط، تتبع الأجندة الإسرائيلية تماما ولا تحيد عنها، حتى ان لم تكن في صالحها، خاصة في عهد ترمب! فما هو المكسب الذي حصلت عليه أميركا، حين تبنت ضم القدس لإسرائيل ونقل السفارة، سوى العزلة العالمية والاحتقار؟ ما الذي كسبته أميركا من ضم إسرائيل للجولان لتدعمه بهذا الشكل الذي كشف زيف مصداقيتها التي دفعت مبالغ هائلة وجهودا طويلة لبنائها في رؤوس الناس؟

لا شيء على الإطلاق، وهذا دليل على انها حين يتعلق الامر بإسرائيل، تنسى حتى مصالحها. مزيد من الأدلة في هذا الرابط على تبعية اميركا لإسرائيل. (3)

إذن اميركا قد تقوم بالتدمير للعرب لصالح إسرائيل، حتى لو لم تنتفع منه بنفسها، وبالتالي حقيقة توجه اميركا لتدمير العراق مفهومة. ولعل أوضح دليل عندي هو صور المدن التي حررتها اميركا من داعش، مقارنة مع التي حررها الحشد!

الحقيقة الثانية التي نحتاجها في تحليلنا، هي أن الكاظمي رجل أميركا، وهو يتبع تعليماتها.

لا اعتقد ان هناك من يشك بهذا ولكن للتأكد ان علاقة الكاظمي بأميركا كعلاقة التابع المطيع بالمتبوع، يمكن مراجعة المقالة التالية(4)

هكذا نكون انتهينا من حقيقتين مهمتين: (1) اميركا مع داعش وتهدف لتدمير العراق، و (2) الكاظمي رجل اميركا المعتمد والمطيع.

ونستنتج منهما أن أميركا ستكلف الكاظمي بمهمات غايتها تدمير العراق! وبما ان الطبيعة الأمريكية الحازمة مع اتباعها، وما تملك اميركا من وسائل ابتزازه وتهديد ( مثل الحقائق التي سلمها إياها الكاظمي ضمن الأرشيف العراقي) لن تتيح له أن يراوغ ابداً، وسيجبر على تنفيذ خطوات التدمير حتى لو لم يرد.

ولذلك فلا أمل من منع أو اقناع الكاظمي ان يقف ضد مشاريع اميركا التدميرية! بل حتى تحييده هو أمل مستحيل! وكل يوم يقضيه في السلطة سينزل بالبلاد ضرراً يحتاج وقتا طويلا وأموالا لإصلاحه.

ليس عبثاً أن العملاء يعتبرون من أخطر الآفات على المجتمع، وان اقسى العقوبات (الإعدام غالبا) والعار الاجتماعي توجه لهم، حتى لو كانوا بمناصب بسيطة، لشدة أذاهم. فكيف بمن يسلم منهم اعلى سلطة في البلاد؟؟

لقد كان الكاظمي خطأً رهيباً، بل جريمة كبرى، يجب على من ارتكبها بحق الوطن إصلاحها فوراً، وبأقرب وقت ممكن، والطريق موجود وسهل نسبياً حتى الآن. إنه ببساطة: سحب الثقة!

لذلك لا تطالبوه بوعوده وبرنامجه، فهو ان نفذ “برنامجه” فستكون كارثة. من يقول “اعطوه فرصة” أو أنه “تحت الاختبار” فهو محتال يريد ان يمنحه الوقت اللازم للتخريب، او ساذج إن احسنا الظن. لا تنسوا الحقائق الكبيرة: اميركا وداعش في خندق واحد، الكاظمي جاء بجهد امريكي، وليس من المعقول، بل ليس حتى من حق العراقيين ان ينتظروا منه شيء!

دعوا كل وعوده وآمالكم: كورونا، والقروض، والانتخابات المبكرة، فهو ليس مشغولا بها حتى لو اقسم مليون قسم على ذلك. فلديه اجندة سيد لا يتساهل ولا يسمح لعملائه بالتراخي. دعوها كلها وتخلصوا منه قبل ان يستفحل ويثبت نفسه بإطلاق المجرمين ووضع السفلة والعملاء في المناصب الحساسة، والتخلص من الشرفاء. تخلصوا منه ثم تخلصوا من كل التغييرات التي اجراها، وابعدوا كل من قام بتقريبه، فتلك هي تعليمات سفارة الدولة الداعمة لداعش الهادفة لتحطيم البلد.

 اخيراً، نحن ندعوا النواب الى سحب الثقة، بأمل ان يكونوا قد اكتشفوا حماقتهم، لكن قد لا يكون السبب هو الحماقة بل المصالح والضغط، ولذلك توجب على كل شريف ان يمارس الضغط من اجل اجبار هؤلاء على اتخاذ الموقف السليم، وسحب الثقة. كذلك لا تتصوروا أن اميركا سيجن جنونها وتقصف بغداد بالقنابل ان تم طرد عميلها.. سترغي وتزبد كم يوم، ثم تقبل الواقع وتنظر كيف يمكن ان تقلل خسائرها إلى اقل حد ممكن، وتبدأ بالتخطيط لغرس عميل جديد، وهكذا يستمر الصراع وتستمر الانتصارات والهزائم، مادامت تلك الدملة موجودة في قلب بغداد وتفرز خلاياها السرطانية.

اليوم هناك الحجة المناسبة والأدوات المناسبة جداً والظرف الدولي والامريكي المناسب جدا جدا لتغيير هذا الوضع الى توازن أخر. وكلما أعطيت السفارة المزيد من الوقت، استطاعت تثبيت سرطاناتها اكثر وانزال اذى اكبر بالبلاد.

كان الأمر أمس اسهل من اليوم، واليوم اسهل من الغد.. ليكن الهدف إذن تحقيق سحب الثقة.. الآن!

 (1) حديثي الى الاتجاه الفضائية 26 6 2020 –

 https://www.youtube.com/watch?v=ajGmX_DAAaM

(2) الرد الموثق : كيف تبرهن لمحدثك ان داعش أمريكية؟ – صائب خليل

 https://alrad0.blogspot.com/2018/08/blog-post_74.html

(3) إسرائيل وأمريكا، من يقود؟

https://alrad0.blogspot.com/search/label/اسرائيل_امريكا_من_يقود؟

(4) صائب خليل – أميركا تأمل من الكاظمي حرب على إيران والحشد وتحويل العراق لهراوة أمريكية

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/3146721748718206

28 حزيران 2020