تجربة طرح الأسئلة على الوزير وليد المعلم: ربطة العنق .. وعبارة لم أفهم !

المذيعة التلفزيونية زهر يوسف.

هي معادلة من مستوى “السهل الممتنع” قدر السلاسة متساو مع مكيال التعقيد، فأن تكون صحفيا لا يكفي أن تقبض الإبهام والسبابة على قلم، ولا أهمية للونه طالما لا طموح واقعي لكرسي ذي مسؤولية “اللهم” في الخيال مسموح، والنكزة جاهزة لهدم إمبراطورية بنيتها في ثوان وبذات الزمن تلاشت.

أن تكون صحفيا .. ببساطة.. أن تعرف شيء عن كل شيء، هذا سلاحك” اللاكيماوي” غير أن أهدافه دقيقة وصائبة، هذه معلومة، همست مرات عدة في أذني، وأدركتها بعين الحقيقة في الممارسة الواقعية خلال عقد وازدادت سنوات ثلات وبضع أشهر..

لتلك السنين، تعلمت أن أضع المهم في البداية ضمن جمل قصيرة تختزل ما تناوله التغطية الصحفية أيا كانت مؤتمرا صحفيا أم ملتقى أم منتدى ، أم قمة  أم حوار ، ولاحقا تأتي بقية التفاصيل، إن رأت الإذاعة اختصارها إيمانا بالمقياس “العالمي ” المحدد لزمن الخبر أو التقرير مع هامش يفرضه الحدث، لا تخلو من خشية واضحة من أي نسمة حرية باعتبارها عاصفة ملعونة في أيدي من لا يعرفون التصرف بها وستكون نتائجها غير محمودة عليهم باعتبارها الثمرات الغضة التي لم تنضج بعد.

لهذه الدرجة ، العمل الصحفي مريح ومعقد وله مسؤولية، وقواعد ردع واشتباك يفرضها، فكيف إذا كانت المهمة، تغطية   مؤتمر صحفي من رتبة وزير الخارجية والمغتربين وليد المعلم، تعصف بك الأفكار، وتبحث وتقرأ وتفتح نوافذ متنوعة المصادر والآراء، تكثف من معلوماتك، كالجندي الذي يستعد لنزال بعيد عن السهولة وتبادل عبارات اللطف .

أتى يوم السبت، العشرون من حزيران يونيو الجاري، رأيت مكالمة “ليلية” من مدير أخبار إذاعة دمشق، ومكالمة أخرى من صديقتي، بفارق زمني لا يتعدى الدقيقتين، حدثت نفسي، ما الرابط بين المكالمتين!! ساعة إلا ربع ووصلت الإذاعة، بطابقها الخامس سيرا على الدرج” حرقا وسحقا للدهون” بعد السير بسرداب إذاعتنا، تقف عند باب مفتوح دائما، هو مكتب مدير الأخبار، تحية صباحية ألقيتها، رددت بمثلها، وأعقبها باستدراك.. زهر.. زهر .. اليوم هناك مؤتمر صحفي لوزير الخارجية وليد المعلم واسمك مرشح ومع سيلفا.. كوني جاهزة.. ابتسمت موافقة وأعلنت الاستنفار.. مضى نهار السبت دونما خبر عن موعد المؤتمر.. لتأتي الأخبار انه يوم الثلاثاء، في الحادية عشرة صباحا.. ثبت موعد المؤتمر الصحفي للوزير المعلم، أنا وصديقي كنا في التاسعة والنصف بمقر الخارجية، مكان انعقاد المؤتمر، أبكر بساعة ونصف الساعة، تقصدنا ذلك، ففي ذاك المكان تتحد عن قرب، بربطة العنق السورية، هناك كل منظم، وكل موظف يعرف المتوجب عليه لا أكثر.. جلسنا بقاعة فسيحة، ريثما تفتح قاعة المؤتمر، لحظات وقيل لنا تفضلوا إلى القاعة، مشينا كوريدور، نزلنا أدراج، وصعدنا أخرى، وبهذا الطريق تلقى من يريد مساعدتك، دخلنا القاعة كأول صحفيتين، اخترنا مكان الجلوس جنبا لجنب، لتفاجأ أن لا خير لنا في الجلوس، القوائم معدة مسبقا” كوجبة جاهزة” فرضها فيروس كورونا اللعين، من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال كان مكان الجلوس، باعدتنا المسافة دون أن تبتعد المحبة، كنت أنظر لكل تفصيل في القاعة، العلم السوري، يقف شامخا متزنا لا يعرف الترنح، يعطيك دون أن تطلب شيئا من عظمة الوطن، ويهدئ من روعك قائلا : إن سورية “ستكون بخير”.. صخب كان في القاعة، الفنيون ومراسلو القنوات العربية والأجنبية يتحضرون لوضع معداتهم، فجأة دخلت مسؤولة الإعلام، تسجل من يريد طرح الأسئلة، فالحدث ليس عاديا برمزيته، الدبلوماسية السورية نفسها طويل، وصبرها يلامس أيوب النبي، وعندما تتحدث تكتفي بالقليل الموجز.. الوقت دنا، ودخل الوزير وليد المعلم، بشوش المحيا “كعادته” ألقى التحية، وبعدها اختصر بدقائق فقط ما يمور بسورية وجوارها والمنطقة، فاسحاً المجال لأسئلة الصحفيين.. يصغي للسؤال باهتمام مرفقة بابتسامة، في بعض الأحيان، ابتسامة المعلم تجسد موقف، وأحيانا يريد بنكتة مقصودة، وأحيانا بسخرية، تتنوع رسائل الوزير المعلم وكلها تصل لمتلقيها.. حتى في الأسئلة التي تعجبه يثني عليها، وأخرى يجاوب تلقائيا، وثالثة يعلق بلطف لم أفهم السؤال، ليس لضعف السؤال، إنما ليمرر ما يريد ببرودة أعصاب اغتاظ منها خصوم سورية وربما حتى الحلفاء، لا “يتطرف” في الحسم بلغة النار، فباب الدبلوماسية مشرعة للحلول لإيجاد منافذ كما أجاب عن سؤال يتمحور بحضور الدبلوماسية السورية حيال هيمنة قيصر كما حضرت زمن “صفقة الكيماوي” 2013، وأزيد من ذلك، أفهَّم رجل الدبلوماسية السورية الحاضرين، أنه عند سماع “نغمة” طبول الحرب، يكون الحوار أهين والتفاوض أسرع..

ستون دقيقة، وخبا نجم المؤتمر، خرجنا من القاعة والكل مبتسم، كما صاحب الدعوة.. فالمحبة معدية وكذلك الابتسامات وفي فكرنا إيمان أكثر بأن الحوار سلاح هو أمضى من فوهة النار، وللدبلوماسية عطر أذكى من رائحة البارود.. وللصحفي قلم ومعلومة وسؤال…

‎2020-‎07-‎01