طبعة ثورة العشرين الثانيه: سماتها؟/1!

عبدالامير الركابي.

 عملت منظومة ماكان ممكنا، وما أتيح توفره في حينه من نتف الأفكار “الحداثية” في العراق بين فلول أوائل المتعلمين نصف الاميين، والاميين كليا معرفيا، على اخضاع ثورة 1920 الكبرى للمصادرة وتشويه دلالاتها، وطبيعة محركاتها واستهدافاتها، فالحقت بوجه عام بالمشروع الغربي المسمى ب “الوطني” بشكله المفترض، او المرتجى المؤجل، واعتبرتها من قبيل “الثورة الوطنية/ البرجوازية” المنقوصة، والتي لم تحقق سوى جزء من الأهداف المرجوه منها(1) في وقت كان موضوع قيام “الدولة” بصيغتها الاستعمارية الحديثة قد اعتبر هدفا وغاية وطنيه تاريخية، مع مايلزم من الاستدراك، وقدر من التحفظ المنطوي على “مطالب” وتحسينات لازمه لجعل الدولة مثالية، ومطابقه لماكان يمثله النموذج الغربي في الدولة.

هكذا كان الغرب قد ترجم في العراق بصيغتين، أولى مركبة بصيغة “دولة” هي واجهة لاستمرارالنفوذ البريطاني المهدد، ومعارضة تسمى”وطنية” هي صيغة مطمح، بحسب الغرب المثالي النموذجي المتخلص من الهيمنة الاستعمارية، وهو ماعرف ب”الحركة الوطنية العراقية الحديثة” الحزبية الطابع اجمالا، والايديلوجية، من نوع تلك المنحازه لتيارات الماركسية، او القومية، او الليبرالية. وهي قوى تكرست فعليا في الثلاينات من القرن الماضي، بالارتكاز الى الدولة المقامة عام 1921 كأساس ومبرر وجودها وقاعدة تبريرها، فمثل تلك الأفكار لم تكن قد وجدت عمليا مايبررها، أويجعل منها قابلة للحضور والتداول، غير ثقل الحضور الاستعماري نفسه، فالعراق ابان الفترة السابقة على عام 1914 ،حين نزلت الحملة البريطانية في الفاو.لم يكن يعرف ايامن تلك التخريجات التي انبثقت فجاة، بصفتها مغادرة للكيانية والمجتمعية العر اقية، والمسارعه للجوء الى الغرب وظاهرته.

وبالعودة للفذلكات التي بنيت عليها تلك الأفكار، لانجد غير الرؤية الغربية، مطبقة على واقع لم يعرفها الا اليوم، ومع وبسبب الحضور الغربي المباشر، فالطبقة العاملة مثلا هي نتاج ماقد أقامه الغرب من مشاريع السكك والنفط المتعلقة باحتياجاته البرانية/ المفصوله عن أي افرازات مجتمعية او اليات وضرورات تاريخية، والوطنية والتشكل الوطني، هو من صياغة ضابط ملحق بالحملة البريطانية ( ويرلند) تقول بان العراق الحديث هو نتاج عملية التشكل الحديث التي تبدا من عام 1831 أي مايعرف بالالتحاق بالسوق الراسمالية العالمية، يضاف لكل ذلك وعلى راسه وفي المقدمه بالطبع، ماكان الغرب الاستعماري قد أقامه كيانيا وعلى مستوى مايعرف ب “الدولة الحديثة”، التي يعاملها الحداثيون كامر بديهي واقع، وكل هذا لم يسبق ان اعتبر او جرت معاملته على انه نوع من “الخيانة الوطنية المفهومية”، على العكس فلقد ظل وربما مايزال سائدا، اعتبار منظومة الرؤى المقصودة هنا، على انها “الوطنية العراقية الحديثة”، مع كل مايتصل بهذا المفهوم من تصورات لحقت بالتعيين الأساسي للكيان في الثقاقة والمجتمع ومختلف الشؤون الحياتية.

حال مثل هذا يمكن ان يساعد على تبريره ويجعله مقبولا، نوع من اعدام الكينونه الوطنية والمجتمعية السابققه على حضور الغرب، ومن افظع ماقد ميز تاريخ العراق الحديث وطبع افكار وتصورات من يعتبرون “نخبه” الحديثة، انها لم يسبق لها ابدا ان نظرت الى تاريخها “الحديث”، او حاولت ان تلتفت له، فضلا عن ان تمحصه وتبحث عما ينطوي عليه من مدلولات تاريخية ومجتمعية، هذا والاكثر فظاعة هنا ان العراق قد عرف تاريخا من التشكل الذاتي الوطني الحديث، يمتد الى القرن السادس عشر، أي لثلاثة قرون تبدا مع ظهور أولى التشكلات القبلية الاتحادية في ارض سومر الحديثة تكرارا، مع “اتحاد قبائل المنتفك”، ليس هذا وحسب، بل ومرور التشكل الوطني وصعودة شاملا معظم ارض السواد، عبر حقبتين، الأولى قبلية استمرت حتى القرن الثامن عشر، والثانيه انتظارية دينية تجديديه تبلورت عنها، وظهرت للوجود والفعل “دولة اللادولة النجفية”، لتحل بموقع القيادة مكان القياد القبيلة.

التاريخ المذكور يحتوي على اكثر من 150 ثورة وتمردا مسلحا، وعلى مظهرين كبريين من مظاهر النزوع للاستقلال، ابان الثورة الثلاثية 1787 وقبلها ببضعة عقود، اثناء طرد الإيرانيين من قبل المنتفك من البصرة، عدا عن تنصيب الوالي سعيد ابن سليمان باشا الكبير المملوك، واليا على بغداد بقوة حراب المنتفك التي دخلت الى بغداد وقتها، ودفعت بداود باشا الوالي المملوك الأخير للهرب قبل ان يعود لاحقا ليقتل سعيدا، ويحتل مكانه في الولايه، الى ال بابان في الشمال، ومع هذا كله وغزارته الحدثية الاستثنائية، فان عباقرة التحديثية الايديلوجية لم يخطر لهم مجرد خاطر، احتمال ان تكون ثورة العشرين ظاهرة تنتمي الى ماقبلها، ومايمثل خلفيتها وارضها الخصبه بالاحداث المثيلة، مضافا اليها عامل استفزاز غير مسبوق في تاريخ العراق هو “الاحتلال من الجنوب”، الامر الذي لم يسبق ان حدث على الاطلاق، ولم يعرفة العراق مصب الهجرات والسلالات المتدفقة عليه من الشرق والغرب والشمال، من الصحاري والجبال الجرداء، فظل الجنوب خلالها وعلى مدى الاف السنين منطقة الأمان الرافدينيه، والحائط المتين المرتكز لكل البنيه الكيانيه وتجددها.

أي غرابة واي نمط من المهتمين الذين لاوصف يمكن ان يعطيهم حقهم من الزراية، أولئك الذين كانوا بستطيعون بكل سهولة ان ينسبوا ثورة العشرين للقرامطه والاسماعيليين، وللنبي إبراهيم، وكو راجينا، وأول ظهور لكلمة ( حرية / امارجي ) وكل المتعارف عليه اليوم من حقوق الانسان، في التارخ البشري، فيختارون جهلا وطواعية، الطاريء الغربي، ويقررون تعبده ومسح كل مابتصل بذواتهم الممتلئة رفعة ومعاني ومستهدفات كبرى تاريخية ومجتمعية تتعدى نطاقهم الى العالم، وتضعهم بموقع الرسالة الكونية، الأهم من ذلك هو ان هؤلاء قد استمروا على ماهم عليه، من دون أي دليل قد يشير الى أي اثر لصحوة ذاتيه، حتى بعد انهيار ،تكرارا وتواترا، ماقد اعتبروه من قبيل مشروعهم الحديث الغربي في الدولة والحياة، وعلى الصد جميعها، لدرجة استمرار مايعود لنفس المنظومة حاليا، مع انبعاث ثورة العشرين بطبعتها التشرينية الحالية، بينما تستمر التحليلات الباحثة عن الموجات، والدعوة للاصلاحات والمشاريع الفارغة التي تصر على اعتبار نفسها بحسب قاموسها “ثورية”.

الأخطر من كل ذلك واليوم، هو مايظهر من إصرار على تكريس السردية الاستعمارية الغربية مع بدايات الثورة التشرينية مابين النهرينية، بإعادة الحديث عن حلول ومستهدفات ديمقراطية واصلاحية، على قاعدة الاستئناف، ومن منطلقات تدعي ان الانهيار التاريخي لمشروع الحداثة، قد وقع بالصدفة، وبسبب سوء التطبيق او “اليمينية الماركسية” أحيانا، ولاشيء يمنعها من ان تتحول الى قوة انقلابية جياره، بعد ان تتوفر قيادتها “العبقرية” الفذة الجديدة، أي العمياء عمى مضاعفا، هي وجوقة الليبراليين البلهاء، مايعتبر من قبيل التعثرالمتاخر في مسار سائر الى مابعد الحداثوية المفبركة.

وجد العراق الحديث قبل حضورالغرب ووصوله بثلاثة قرون واكثر، وكان مقدرا له ان يمر بطور من الهيمنه المفهومية الغربية، استمرت حوالي القرن، بدا بثورة الازدواج التحولية لمجتمع اللادولة عام 1920 التي طمست تحت ثقل وطائلة الغرب ومشروعه ومفاهيمه المنقولة، ليعم واقع العراق نمط من الصراعية المستديمه بين الثورة الافتتاحية للقرن المنصرم، وبين محاولات اخضاع العراق وبنيته وتاريخه والياته للمفهوم الغربي، الامر الذي انتهى في الحصيلة الى كارثة تاريخية، والى اندثار المشروع الغربي المقحم، لصالح ثورة العشرين وانبعاثها في طبعة ثانية، سائرة الى سد النقص الأكبر، المفهومي التصوري المؤجل المطابق لها، ولنمطها المجتمعي واتجاهات صيرورتها.

نحن مع اطلاة ثورة 1 تشرين عند خط البداية امام دفق ثورة العشرين في القرن الواحد والعشرين.

ـ يتبع ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تكرارا نورد النص النموذجي لزكي خيري الماركسي وكيف يرى الى ثورة العشرين وطبيعتها واغراضها وماتحقق ولم يتحقق منها:” كانت ثورة “1920” اول ثورة وطنية عراقيه( طبعا هو يفترض ان العراق قد حقق وقتها تشكله الوطني اتباعا لماقرره الاستعمار الاستشراقي الإنكليزي) فمن حيث نطاقها شملت القطر العراقي من شماله الى جنوبه، بعربه واكراده واقلياته وبمختلف طبقاته الوطنية من الملاكين والشيوخ القبليين والبرجوازيين وجميع الكادحين، فكانت ثورة وطنيه، عامه، وكان هدفها المباشر التحرر من الاحتلال البريطاني والحكم الكولونيالي، وإقامة دولة وطنيه ديمقراطية وعصريه، وقد أقيمت فعلا الدولة العراقية المعاصرة دون ان تكون مستقلة تماما او ذات سيادة وطنيه كامله، ولم تتحقق الديمقراطيه او الحرية السياسية بالنسبة لاكثرية السكان الساحقة فقد احتكرتها الطبقات المالكه العليا، فلم يكن نجاح ثورة “1920” الثورة الوطنية الأولى في العراق نجاحا تاما او فاصلا” زكي خيري ـ تقديم كتاب / من تاريخ الحركة الثورية المعاصرة في العراق 1920 ـ 1958/ ج1 / الطبعة الثانية/ دار الرواد للطباعه ـ بغداد/ ص 3 .

‎2020-‎07-‎01