التروتسكية والصهيونية (1) نقض المشكلة اليهودية لتروتسكي!

أحمد صبري السيد علي.

التروتسكية والصهيونية

(1)

نقض المشكلة اليهودية لتروتسكي

      مقدمة :

   في أحد نصوصه المعبرة بوضوح عن الدجل الذي تمارسه بعض القوى السياسية عبر استخدام شعارات إستقطابية للجماهير دون محتوى حقيقي لها ودون ممارسة واقعية لها، يقول لينين في كتابه (الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي) : ” إن كاوتسكي يسير على سياسة بورجوازية صغيرة نموذجية، على سياسة ضيقة الأفق مبتذلة، حين يتخيل … أن إعلان شعار ما يغير شيئاً في القضية . فكل تاريخ الديمقراطية البورجوازية يفضح هذا الوهم : فالديمقراطيون البورجوازيون قد وضعوا دائما ويضعون دائما كل أنواع الشعارات المطلوبة، لكي يخدعوا الشعب . فالمهم هو التثبت من صدقهم، والمقابلة بين الأعمال والأقوال، وعدم الاكتفاء منهم بالعبارات المثالية والتدجيلية، بل التفتيش عن محتواها الطبقي الحقيقي “[1].

 

   إن هذا النص للينين لا ينطبق فقط على كاوتسكي أو الديمقراطيون البورجوازيون، بل أن بعض الشخصيات والأحزاب التي تدعي الماركسية بل والماركسية اللينينية يمكن أن يطبق عليها هذه القاعدة كذلك نظرا لممارساتها التدجيلية الواضحة، ولعل أكثرها وضوحاً هي شخصية ليون تروتسكي والأحزاب والمنظمات التروتسكية وخاصة في موقفها من الصهيونية وتناغم مواقفها الواضح مع الأهداف الغربية والصهيونية في المنطقة.

   على أن هذا المقال وهو الأول في مجموعة مقالات حول التروتسكية سوف يقتصر على توضيح مدى الدجل الذي مارسه تروتسكي في رؤيته حول المشكلة اليهودية عبر نقد بعض النصوص له ومقارنتها بالرؤى الصهيونية .

   في حوار له مع مراسلي الصحافة اليهودية تمت ترجمته ونشره بواسطة سعيد العليمي يقول تروتسكي : ” على ذلك لابد أن نفترض حقيقة أن الأمة اليهودية سوف تبقى لحقبة كاملة مقبلة . فلا يمكن للأمة الآن أن توجد عادة دون إقليم مشترك وتنبثق الصهيونية من هذه الفكرة بالذات . ولكن الوقائع التي نراها في كل يوم يمر بنا تبين لنا أن الصهيونية غير قادرة على حل المسألة اليهودية . يتخذ الصراع بين اليهود والعرب في فلسطين طابعا دراميا ومنذرا بالخطر أكثر فأكثر. وأنا لا اعتقد على الإطلاق أن المسألة اليهودية يمكن أن تحل ضمن إطار الرأسمالية العفنة وفى ظل سيطرة الامبريالية البريطانية “[2].

   إن المهم فيما يقوله تروتسكي أنه يرى اليهود كأمة وليست مجرد ديانة يعتنقها أفراد من كل الأمم، ومثل هذا التعبير عن المسألة اليهودية تكرر في كل النصوص الأربعة التي ترجمها سعيد العليمي في محاولة منه للدفاع عن شخصية تروتسكي، بمعنى أن هذا التعبير لا يمكن اعتباره هفوة كلامية غير مقصودة، فيقول في نص آخر حول الحلول الاشتراكية للمسألة اليهودية : ” لا يمكن أن يكون هناك شك في أن الشروط المادية لوجود الشعب اليهودي بوصفه أمة مستقلة يمكن أن تتحقق فقط من خلال ثورة بروليتارية “[3] .

   ويبقى التساؤل حول الأسباب التي دفعت ليون تروتسكي لاعتبار اليهود كأمة منفصلة عن باقي الأمم التي كانوا يعيشون على أراضيها كمواطنين، فرغم تعدد التعريفات لهذا المصطلح إلا أنها تتفق في أنه يطلق على جماعة بشرية تكونت تاريخيا ولها لغة مشتركة وأرض مشتركة[4]، وهو ما لا يتوفر – علمياً وتاريخياً – بالنسبة لليهود الذين لا يجتمعون إلا في الدين، ومن المؤكد أن تروتسكي لم ينظر إلى اليهود من هذه الزاوية المعتمدة على التعريفات الدينية وإلا لما استخدم مصطلح الأمة في وصفهم[5] .

   إن عبارات تروتسكي تشير إلى أن رؤيته لليهود تعتمد على كونهم عرق وقومية مستقلة وبالتالي فقد ربط وجود الأمة اليهودية بوجود الإقليم المشترك، وهو بهذه الرؤية يتفق تماماً مع الرؤية الصهيونية التي عبر عنها الكاتب اليهودي الصهيوني النمساوي نيثان برينباوم في المؤتمر الصهيوني الأول ببازل سنة 1897 والذي كان يرى بأن العرق والقومية والشعب شيء واحد وبالتالي فقد تم اعتبار اليهود كجماعة عرقية بدلا من الدين اليهودي وأصبحت الصهيونية هي الدعوة القومية لليهود[6] .

   ويؤكد تروتسكي في نص ثان على هذه الفكرة : ” الشروط المادية لوجود الشعب اليهودي بوصفه أمة مستقلة يمكن أن تتحقق فقط من خلال ثورة بروليتارية ” فيما يعني – لو كانت الترجمة دقيقة – أن اليهود ليسوا أمة بالفعل وإنما سيكون على الثورة البروليتارية أن تقوم بتحقيق الشروط المادية للشعب اليهودي بوصفة أمة مستقلة، ولا يمكن تفسير هذا النص إلا في إطار محاولة تروتسكي رهن هذه الثورة التي من المفترض أن تكون أممية لمصلحة الطموحات اليهودية في التشكل كأمة مستقلة عبر توفير الأرض الفلسطينية لها وهو ما يشير إليه في باقي النص : ” ولا يوجد شيء فوق كوكبنا يعزز فكرة أن لأحد حقا في الأرض أكثر من احد آخر “[7]. وبناء على ما يقوله تروتسكي فكل من العرب الفلسطينيين واليهود الوافدين من كل أركان العالم يمتلكون حقوقا متساوية في الأرض الفلسطينية بغض النظر عن حقوق الشعب المقيم فيها بالفعل والمرتبط بها من نواح متعددة اقتصادية واجتماعية وثقافية .

   إن المثير للاستغراب أن التروتسكيين – من خلال التعامل الشخصي معهم – هم الأكثر استخداما لمصطلح الأممية إلى درجة الاندفاع في الرفض للوطن والقومية، وهو موقف مأخوذ من رؤية تروتسكي بكل تأكيد، لكن هذا الموقف ينهار فجأة عندما يتعلق الأمر باليهود وهنا يرى تروتسكي بل ويحرض على ضرورة دعم اختلاق أمة يهودية مستقلة دون مسوغ تاريخي أو وطني وكل ما يربط بين أفرادها – بشكل واقعي – هو اعتناقهم لذات الدين .

   في نص تال يضع ليون تروتسكي الحل الاشتراكي للمسألة اليهودية : ” إن تأسيس قاعدة إقليمية للشعب اليهودي في فلسطين أو في أي بلد آخر يمكن تصوره فقط مترافقا مع هجرات جماهير بشرية كبيرة . والاشتراكية المنتصرة وحدها هي التي يمكن أن تأخذ على عاتقها مثل هذه المهام . ويمكن أن نتوقع أن هذا قد يتحقق إما على أساس التفهم المتبادل، أو بمساعدة نوع من المحاكم الأممية البروليتارية التي ينبغي أن تتولى النظر في هذه المسألة وتحلها “[8].

   إذن فالحل الذي يطرحه ليون تروتسكي يعتمد على السماح بالهجرات اليهودية إلى فلسطين أو أي مكان آخر بصورة كبيرة وقيام الثورة الاشتراكية المنتصرة – بحسب تصوره – بدعم هذه الهجرات عبر محاكم أممية، ويوضح تروتسكي الصورة أكثر لمراسلي الصحافة اليهودية في نص آخر بقوله : ” حالما تسود الاشتراكية على كوكبنا أو على الأقل على أقسامه الهامة ، سوف يكون لديها موارد لا يمكن تخيلها في كل المجالات. وقد شهد التاريخ الإنساني حقبة الهجرات العظمى على أساس البربرية. سوف تفتح الاشتراكية إمكانية لهجرات عظمى على أساس التقنية والثقافة الأكثر تطورا. ولا حاجة للقول بأن الأمر هنا لا يتعلق بتهجير إجباري، أي، بخلق جيتوهات جديدة لقوميات معينة، ولكن بتهجير مقبول بحرية، أو بالأحرى بتهجير طلبته قوميات معينة أو أقساما من قوميات. واليهود المشتتون الذين يريدون أن يتجمعوا في نفس المجتمع سوف يجدون موضعا واسعا وغنيا تحت الشمس. ونفس الإمكانية سوف تتاح للعرب ولكل الأمم المبعثرة الأخرى. سوف تصبح الجغرافيا القومية قسما من الاقتصاد المخطط. هذا هو المنظور التاريخي العظيم الذي أتصوره. يعنى العمل من اجل الاشتراكية الأممية العمل أيضا من اجل حل المسألة اليهودية “[9].

   وإذا ما تجاوزنا عن أن وصف العرب كأمة مبعثرة هو دجل تاريخي في الواقع فالعالم العربي مترابط جغرافيا ومتحد من نواح التاريخ والثقافة المشتركة ، فإن وصف أبناء الدين اليهودي بكونهم مشتتون وسيكون لديهم الحق في التجمع بموضع تحت الشمس يعتمد على قبول ضمني بالدعاوى الدينية اليهودية عموماً والغير مؤيدة من التاريخ والعلم، وهو ما يمكن أن نستشفه من إصراره في هذه النصوص على وصف المعادين لليهود بالمعادين للسامية في إشارة إلى الدعاوى التوراتية بانتماء كل اليهود لبني إسرائيل المنحدرين بدورهم من سلالة سام أحد أبناء النبي نوح : ” منذ عام 1925 وخصوصا منذ 1926 سارت الديماجوجية المعادية للسامية ، المموهة جيدا ، وغير القابلة للهجوم عليها ، يدا بيد مع المحاكمات الرمزية ضد مدبري المذابح المعروفين … لقد جرى امتصاص قسما هاما من البورجوازية الصغيرة اليهودية من قبل جهاز الدولة الهائل ، والصناعة ، والتجارة ، والتعاونيات ، الخ وقبل كل شيء في المراتب الوسطى والدنيا . تولد هذه الحقيقة حالة من الشعور بمعاداة السامية يتلاعب بها القادة بمهارة بارعة حتى يؤطروا ويوجهوا ناحية اليهود خاصة السخط القائم ضد البيروقراطية “[10] .

   وبالرغم من أن البعض قد يضع هذا الاستخدام غير العلمي – من شخص يصنف كاشتراكي علمي – لمصطلح العداء للسامية في إطار استخدام المصطلح الشائع بتلك الفترة، وهو تبرير مقبول لو لم يترافق مع مجمل التصورات التي عرضها تروتسكي حول المسألة اليهودية .

   في النصوص المنشورة بواسطة سعيد العليمي يربط تروتسكي بين الصهيونية والرأسمالية : ” إن الطريق المسدود الذي يجد اليهود الألمان أنفسهم فيه وكذلك الطريق المسدود الذي تقابله الصهيونية مرتبط بشكل لا انفصام فيه بالطريق المسدود الذي تواجهه الرأسمالية العالمية ككل. حينما يدرك العمال اليهود بوضوح فقط هذه العلاقة الداخلية سوف يتحصنون ضد التشاؤم واليأس “[11] .

   ومن المؤكد أن لا خلاف مع تروتسكي في الربط بين الصهيونية والرأسمالية ، لكن مراجعة رؤيته حول المشكلة اليهودية تشير إلى أنها لا تختلف كثيراً عن التصورات الصهيونية وتحقق لليهود نفس الأهداف الصهيونية في فلسطين، فاليهود لدى تروتسكي شعب وأمة وعرق مستقل تجتمع في الدين والنسب إلى بني إسرائيل المنحدرين من سلالة سام بن نوح، يحق لهم تأسيس كيان في فلسطين ويجب على الثورة الاشتراكية الأممية أن تحقق لهم هذه الرغبة بالتفاهم مع العرب الذي لا يملكون أي حق مستقل في الأرض الفلسطينية، بل ويضيف تروتسكي اتهاماً للعرب الثائرين ضد الاعتداءات الصهيونية على أراضيهم في فلسطين سنة 1929 بأنهم رجعيون ومدبري مذابح لليهود : ” لسوء الحظ لست مطلعا بما يكفى على الوقائع لأغامر بإبداء رأى محدد. وإنني ادرس المسألة في الوقت الراهن. حينئذ سوف يكون من الأسهل أن نرى بأي نسبة وبأي درجة كانت هذه العناصر مثل دعاة التحرر الوطني (المناهضون للامبرياليين) والمحمديون الرجعيون ومدبري المذابح المعادون للسامية موجودة . ظاهريا يبدو لي أن كل هذه العناصر كانت موجودة “[12] . ومن الملفت أن هذه الأوصاف السلبية خص بها العرب المعتدى عليهم فقط بينما لم يوجه لليهود الوافدين والمعتدين أي وصف شائن .

عن موقع بهزاد

2020-07-01