لماذا تستعجل “إسرائيل” التنقيب عن الغاز قرب حدود لبنان؟

 د. ليلى نقولا.

في ظل التصاعد المتزايد للأزمة الاقتصادية اللبنانية، والتصعيد الأمني والسياسي والدبلوماسي الذي يطغى على الساحة اللبنانية، برز خبر جديد عن قرار الحكومة “الإسرائيلية” بمنح تراخيص التنقيب عن الغاز في البلوك الذي يحاذي البلوك 9 اللبناني، والذي يمكن أن يشكّل مادة جديدة لتفجير الأوضاع في المنطقة في حال تمّ بالفعل الاعتداء على السيادة اللبنانية وسرقة الغاز اللبناني.

وقد أوردت وسائل الاعلام أن وزير الطاقة “الإسرائيلي” وقّع قرار فتح المناقصة في البلوك “ألون د” محددًا المهلة القصوى لتلقي العروض في الخامس من آب2020 ، وفضّ العروض وإعلان الفائز في 23 آب، وتقدم الكفالات في مهلة قصوى في 23 أيلول ليبدأ العمل في 26 تشرين الأول في الموقع المذكور.

فما الهدف من قيام إسرائيل بهذه الخطوة، ولماذا الاستعجال في ظل انهيار أسعار النفط العالمي؟

بداية، يجب القول أن الحديث عن ضرورة فتح جبهة للقتال على الحدود لحماية الغاز اللبناني أو أن إسرائيل تدفع الأمور إلى حرب يبدو مستبعدًا، بدليل الموقع الذي حددته “إسرائيل” للتنقيب في البحر الفلسطيني المحتل هو محاذٍ للحدود اللبنانية ولا يدخل ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان المتنازع عليها، والتي يريد الا “إسرائيلي” أن يقرصنها بمساعدة من الأميركيين.

لذلك، لا يبدو واضحًا أي رغبة “إسرائيلية” بحرب حاليًا، أولاً لأن “الإسرائيلي” يدرك أن إعلانه عن التنقيب في أراضٍ متنازع عليها لن يشجع الشركات على التقدم للمناقصة. وثانيًا، لأن التوتر العسكري قد يكون في مصلحة محور المقاومة في وقت تتعرض فيه كل من سوريا ولبنان وإيران لضغوط اقتصادية قصوى.

وعليه، وبما أن الحرب مستبعدة حاليًا، وانطلاقًا من كل الاحتمالات الواردة والتي تدفع “الإسرائيلي” للترخيص بالتنقيب عن الغاز في محيط محاذٍ للبنان، يمكن القول أن الموضوع قد يرتبط بأمرين:

الأول: زيادة الضغط على لبنان في ظل أزمة اقتصادية خانقة للقبول بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، وتطبيق “التصور” الأميركي الذي تحدث عنه مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر. وهنا من المهم لفت النظر إلى أن الاستعجال الأميركي والضغوط الحثيثة يمكن أن تكون مرتبطة بالوعود التي كان قد أعطاها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لنتنياهو بحلّ هذه القضية قبل انتهاء ولايته.

كان واضحًا من حديث شينكر الأسبوع الماضي، اعتباره أن الكرة في ملعب لبنان، وربط بين حلّ الأزمة المالية التي يواجهها لبنان، والتنقيب عن الغاز في البلوكين رقم 9 و10، واعتبر أن موافقة لبنان على “التصور” الأميركي لحلّ القضية يمكّن اللبنانيين من الاستفادة من الغاز في المتوسط ويمكّنه من حلّ أزمته الاقتصادية.

والتصور الأميركي الذي يتحدث عنه شينكر هو ما يسمى بترسيم الحدود البحرية بحسب “خط هوف”. هذا الخط هو عبارة عن تسوية اقترحها الموفد الأميركي فيدريك هوف، المكلّف بوساطة لحلّ النزاع الحدودي البحري بين الجانبين عام 2012، والذي اكتشف أن “إسرائيل” تحاول أن تقرصن الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة في الجنوب اللبناني، فاقترح “تسوية” تقضي بإعطاء “إسرائيل” 40 بالمئة من البلوك اللبناني رقم 9 (310 كلم2)، وأن يحصل لبنان على 60 % (860 كلم2). الأكيد أن الجانب اللبناني رفض الأمر وأصرّ على الحصول على كامل حقوقه في نفطه ومياهه.

الثاني: زيادة الضغوط الخارجية على لبنان تزامنًا مع الضغوط الداخلية التي تتجلى بارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة، وأزمة الرغيف، والتوترات الأمنية والسياسية وإقفال الطرق وإشغال القوى الأمنية وإنهاكها، والدفع نحو فتنة مذهبية سنية شيعية إلخ… ويبدو أن الهدف من هذه الضغوط هو ما أعلن عنه شينكر في مقابلته الإعلامية، وما حدده وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، بأن الأميركيين و”العالم” مستعد لمساعدة لبنان اقتصاديًا بشرط قيام حكومة “غير مرتهنة لحزب الله”، وبشرط ” إصلاح حقيقي وتغيير حقيقي وابتعاد جوهري عن حزب الله كسلطة حاكمة داخل لبنان”.

في المحصلة، كل ما يبدو من الصورة الإجمالية في المحيط الإقليمي اليوم، أن إسرائيل دخلت طرفًا في استراتيجية ممارسة “الضغوط القصوى” التي تعتمدها إدارة الرئيس ترامب في المنطقة، والهدف دفع لبنان لتقديم تنازلات سواءً في ملف ترسيم الحدود البحرية الذي يجب أن ينتهي قبل نهاية ولاية ترامب (تمامًا كما ضمّ الضفة)، والسير بمشروع “قيصر” لحصار سوريا، أو تعديل ميزان القوى السياسي اللبناني، بإخراج حزب الله من الحكومة والمجيء بحكومة “أميركية الهوى” توافق على ما سبق.

‎2020-‎07-‎01