العراق: يتعاونون مع الولايات المتحدة ويدعونها لاحتلال بلادهم ويشاركون في تمكين الاطراف الخارجية من تمزيق اوطانهم ويدّعون المقاومة..!

حديث صريح في مفهوم المقاومة!

د. سعد ناجي جواد.

المقاومة اسم كبير وشريف بل ومقدس ويستحق التبجيل، استطاعت من خلالها حركات تاريخية محترمة ان تحقق الاستقلال والعزة والكرامة لبلدانها ولشعوبها. حتى الولايات المتحدة، الدولة الباغية الاكبر في عصرنا الحديث تفتخر بانها نالت استقلالها عن طريق مقاومة الاحتلال البريطاني. وهناك نماذج كثيرة اخرى مشرفة في العالم الثالث وفي الوطن العربي بالذات. لا بل ان التاريخ الحديث يخبرنا ان المقاومة الشعبية الجزائرية البطلة التي انهت الاحتلال الفرنسي الذي دام ثلاثة قرون كانت نموذجا سارت عليه ثورات ومقاومات كبيرة مثل المقاومة الفيتنامية وجنوب افريقيا كما صرح الرمز نلسون مانديلا.

الا انه من المؤسف ان هذه الكلمة بدات تستخدم بطريقة لابد وان ترسم على الشفاه ابتسامة اسف واسى وسخرية. خاصة عندما تطلق جزافا ولتغطية نشاطات لحركات فاسدة عنصرية او طائفية، تهتم بالسرقة وبالتصفية على الهوية اكبر من اهتمامها بمقارعة الوجود الاجنبي والنفوذ الاسرائيلي.

لا احد من العراقيين يكره ان يجد في بلده حركة مقاومة حقيقية تطرد كل تواجد اجنبي، وتدعم عملية محاربة الفساد، وتساهم في تطهير البلاد من السياسات الطائفية والعنصرية والمحاصصاتية وكل ما يودي الى تمزيق البلاد، من اجل بناء عراق جديد خال من كل هذه المظاهر التي اتى بها الاحتلال. والانكى انها، اي هذه السياسات، قد دُعِمَت وشُجِعَت، بل وفي احيان كثيرة تم اقتراحها من قبل قيادات الاحزاب والتنظيمات التي جاءت مع الدبابات الامريكية، والتي تدعي الان انها تمثل مقاومة للوجود الامريكي. كما انه مما لا يخفى على احد ان هذه الاحزاب ساهمت بشكل عملي واعلامي وبالتعاون مع القوات المحتلة في تشويه ومحاربة حركة المقاومة الحقيقية التي ظهرت بعد الاحتلال ونعتتها بالارهابية، والتي اجبرت الولايات المتحدة على اتخاذ قرار (الخروج المبكر والسريع)، بعد ان كبدتها حسب الاحصاءات الامريكية، اكثر من اربعة الاف قتيل واضعاف هذا العدد من الجرحى والمعوقين، ناهيك عن العدد الكبير من المصابين بامراض نفسية. (طبعا هناك احصائيات اخرى تتحدث عن سبعين الف قتيل من القوات المحتلة والمتعاونين معها).

نعم ان الاحتلال لم يجلب سوى الدمار وان مقاومته واجب وطني ومشروع بل ومقدس. ويجب ان تكون هناك مقاومة عراقية تطهر البلاد من اي تواجد اجنبي، ولكن الاهم ان لا تكون في خدمة اهداف اطراف اخرى. بكلمة اوضح لا يمكن ان نطلق اسم المقاومة على حركات تحاول ضرب التواجد الامريكي من اجل مصلحة ايرانية فقط، وقد تقبل بهذا التواجد اذا ما توصلت ايران الى اتفاق مع الولايات المتحدة، وبنفس المفهوم لا يمكن ان نعتبر العمليات التي تقوم بها عناصر مسلحة متعاونة مع القوات التركية او تسكت على اختراقاتها للاراضي العراقية، بانها حركات مقاوِمة، وبالتاكيد لا يمكن ان نعتبر اي حركة تتعكز على الدين الاسلامي الحنيف وتقتل وتذبح الابرياء وتحرق الاخضر واليابس باسم الدين بانها حركة مقاومة. ولا يمكن اعتبار من يدعو من اسرائيل او مع قيادات صهيونية في الخارج الى اسقاط نظام الحكم في بلده بانه مقاوم او يمثل مقاومة. وهذا التقييم يشمل كل حركة اينما وجدت في الوطن العربي تدعي انها مقاومة وهي في حقيقتها تخدم مصالح استعمارية وصهيونية بصورة مباشرة او غير مباشرة. لا بل ومن هذا المنطلق لا يمكن اعتبار الاطراف التي تتعاون مع العدو الصهيوني في كبح جماح الحركات المناهضة للاحتلال بانها حركات مقاومة حتى وان امتلكت تاريخا طويلا مشرفا من النضال ضد الاحتلال الاسرائيلي. ولا يمكن ان نعتبر من يحاولون تقسيم بلدهم وتسليم مصيره الى اسرائيل او تركيا ويقدمون خدمات مجانية لهما حركات مقاومة. وفي الخلاصة لا بد من القول وبدون اي تردد لا يمكن اعتبار اي حركة تستنجد بالاجنبي ضد بلدها حركة مقاومة.

اذا ما وضعنا جانبا مسالة التعاون بل والطلب من المحتل ان يغزو العراق، وهذه جريمة كبرى بحد ذاتها، هناك احداث تلت الاحتلال لا يمكن ان تنسى، كان ابطالها من قيادات الحركات التي تدعي المقاومة اليوم، منها على سبيل المثال وليس الحصر قيام قائد حزب يدعي المقاومة باهداء نسخة من سيف الامام علي عليه السلام، بكل ما يحتويه من رمزية نضالية كبيرة، وعلى الملا، الى وزير الدفاع الامريكي الذي قاد عملية احتلال وتدمير العراق. ولا يمكن ان ننسى تصريح سيء الصيت بول بريمر الذي قال فيه ان قرار حل الجيش العراقي وكل صنوف القوات المسلحة العراقية جاء باقتراح وتاييد كبير من اشخاص يمثلون قيادات للحركات التي تدعي المقاومة وقسم منهم لا يزال مشارك في الحكم اما شخصيا او عن طريق الحزب الذي تراسه. او حركات جندت مسلحيها للقيام بتطهيرات عرقية في بغداد وغيرها من المدن، تاركة الاحتلال يسرح ويمرح في البلاد. او قيادات طالبت العراق بدفع تعويضات بالمليارات الى ايران، او قيادات وقعت اتفاقية تسمح للقوات الامريكية باتخاذ قواعد عسكرية عراقية بناها العراقيون باموالهم وجهدهم وعرقهم قواعد للقوات الامريكية تنطلق منها الطائرات لضرب العراقيين، ولكنها لم تحرك ساكنا عندما اقدم تنظيم داعش الارهابي على احتلال ثلث الاراضي العراقية، او قيادات كانت تهرع لاستقبال الرؤوساء الاميركان الذين ياتون بالخفاء بالاحضان والتقبيل، وغير ذلك كثير. واذا ما ارادت هذه القيادات ان تصحح مسارها فان على من بقي منها على قيد الحياة ان تعتذر رسميا من الشعب العراقي وتصحح مسارها وتتبرا من خدمة اي طرف اجنبي يريد شرا بالعراق. واذا كانت القيادات التي ارتكبت هذه الاثام قد انتقلت الى العالم الاخر فان القيادات التي حلت محلها هي من يجب ان يقوم بالاعتذار وتصحح المسار. واذا ما اردت ان اكون اكثر صراحة فاسمح لنفسي ان اجادل القيادات الدينية الطائفية بلغتهم واقول لهم ان ادعائهم التمسك بمنهج آل البيت الاطهار وصحابة رسول الله (عليه افضل الصلاة والسلام) الكرام، وبقيمهم ومبادئهم التي تمثل ثورة مستمرة ضد الظلم، لم يعد من الممكن تصديق دعواهم التي لا تنسجم مع فسادهم المستشري وقتلهم للابرياء واستخدام اساليب تعذيب همجية مثل حرق الناس احياء وقطع رووس الابرياء. واقول للاخرين في كل مكان من الوطن العربي، والذين اصبح عددهم كبير جدا، ان ادعاءهم الوطنية ومحاربة المشاريع الاسرائيلية في الاعلام لا ينسجم مع ترسيخ العلاقات السرية وشبه العلنية مع الكيان الغاصب. ولا مع محاولات محاربة او العمل على تدمير حركات المقاومة الحقيقية كحزب الله وحماس والجهاد الاسلامي، التي اثبتت نجاعتها ضد اسرائيل واجبرتها على التفكير اكثر من مرة قبل شن اي عدوان جديد سواء على لبنان او غزة. الاهم من كل ماقيل اعلاه ان حركات المقاومة الشريفة والعظيمة التي تفتخر بها شعوبها وتدافع عنها وتحميها وتحصنها، كانت نموذجا في حرصها على ارواح ومصالح الشعوب التي مثلتها، والتصقت بهم وحمتهم ودافعت عنهم ولم تستغلهم او تسعى لتجهيلهم لاغراض منفعية او مصلحية، ولم تسرق خزائن بلدانها بعد ان توج نضالها بالنصر ولم تنشيء المكاتب الاقتصادية التي يتم من خلالها نهب موارد الدولة، ولم تعمل بعد نجاحها في مجال تهريب ثروات البلدان التي حررتها.

انا اعلم جيدا ان كلامي المباشر والصريح هذا سيغضب الكثيرين وخاصة المتعصبين تعصبا اعمى، ولكني والله يشهد لا اقصد من وراءه الا توضيح مسالة اصبحت المتاجرة بها امرا يوميا. واني سابقى مع كل مقاومة تعمل بجد من اجل دهر المشاريع الامريكية والثهيونية. لقد شكل الاحتلال بالنسبة للكثير من العراقيين والكاتب منهم، صدمة كبيرة. وخاصة لاولئك الذين عاشوا في ظل الحصار اللانساني وعانوا قساوته مع عوائلهم واطفالهم، وجاهدوا في سبيل ان يقنعوا النظام السابق بضرورة اجراء اصلاحات ديمقراطية لتجنيب البلاد المصير الكارثي الذي حل بعد الاحتلال، ولكن لم يكن هناك من يسمع. واتهم المنادون بهذه الامور انذاك بشتى التهم كان اصغرها هو الارتباط باجندات خارجية. وكانت النتيجة ان اجبر اصحاب هذه الاراء بعد الاحتلال على الهجرة خوفا على حياتهم وحياة عوائلهم، بعد ان اصبح واضحا ان من احتل العراق وتعاون معه كانوا مصممين على اسكات كل الاصوات الرافضة للاحتلال.

واخير وليس اخرا اكرر القول باني استطيع ان اجزم بان اغلبية العرب والعراقيين منهم يقفون مع كل مقاومة تضع محاربة الاحتلال الاسرائيلي والامريكي، وكذلك محاولات ايران وتركيا لاستغلال حالة الفوضى التي يخلقها التحالف الصهيوامريكي، على راس اهدافها. وكل مقاومة لا توجه سلاحها باتجاه انهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية ومحاربة كل تواجد اجنبي على اراضيها مهما كان نوعه وشكله لا يمكن ان تسمى مقاومة، رضي من رضي وزعل من زعل. وحمى الله كل مقاومة شريفة سواء كانت مسلحة او مدنية او مجتمعية تعمل من اجل عزة وكرامة الامة العربية والاسلامية بل والبشرية جمعاء.

كاتب واكاديمي عراقي

‎2020-‎07-‎01