المرجع الديني الشيخ محمد مهدي الخالصي (دام ظله) في الذكرى المئوية لثورة العشرين: هذا ميثاقنا مع الله!

بسم الله الرحمن الرحيم
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (ابراهيم:5)
بيان المرجع الديني الشيخ محمد مهدي الخالصي (دام ظله) بمناسبة الذكرى المئوية لإعلان ثورة العشرين التحررية المسلحة ضد الاحتلال البريطاني في العراق

انها مناسبة للتذكير بيوم من أيام الله لإخراج امتنا من الظلمات المدلهمة إلى نور الله.
فبلدان العالم بأسره، والعالم الاسلامي على الخصوص؛ بلاد الحرمين وما حولها، فلسطين والعراق على الوجه الأخص، وما يكتنف الجميع من المشكلات والمآسي والحروب والعلل والأوبئة والآفات والمجاعات وانتشار الظلم والطغيان بسبب تسلط قوى الشر الخفية والانظمة الجائرة البغية والفساد المستشري بما كسبت أيدي الناس، وغياب قيم العدل والانصاف بين الشعوب ومكوناتها العرقية والعنصرية والطبقية، مقابل الضعف المهيمن على المؤسسات العامة الدولية والاقليمية المعنية بمعالجة هذه الظواهر السلبية للتخفيف من آثارها المدمرة؛ كل ذلك ينذر بمستقبل قاتم للبشرية والحضارة الانسانية وخطر يهدد البيئة على الكرة الارضية برمتها، مما يستدعي ان يقابل بنهضة جدية عامة ووقفة حكيمة مشتركة لإعادة النظر في الاسباب والعلل، والعمل الجدي المشترك للإنقاذ.
وان مما يحمل على قدر معقول من التفاؤل، ما في مخزون تاريخ البشرية من ومضات النور التي انقذت الأمم والشعوب في احقاب الظلمات والشرور، تلك الومضات التي كانت غالباً من رحمات الله تعالى بإرسال الرسل وما ارسلوا به من وحي السماء التي ارفدت ما انقدح في افكار وقلوب المصلحين الكبار من قيم الخير والحكمة مما لخصه القرآن الكريم بعبارة (أَيَّامِ اللهِ)، ومنها ثورات الامم ضد الشرور والطغيان وقد أمر بالتذكير بها، ومنها في تاريخنا الحديث ثورتنا التي نحن في ذكراها المئوية والمقاومة الفلسطينية المستدامة والحراك العالمي القائم ضد العنصرية والتبعيض الجائر بسبب اللون او الفقر واحتكار الثروة كما هو مشاهد في امريكا والعالم الغربي وفي فلسطين واليمن وسائر الشعوب في افريقيا وآسيا المهددة بالإبادة الجماعية بسبب طغيان القوة كما في الهند والصين، وبسبب الحقد العنصري والاستعلاء العرقي.
وفيما يتعلق بالعراق؛ بإعتباره مركزاً من مراكز الاشعاع الحضاري، في تاريخه المنعم بالجهد الانساني في مكافحة الفساد والظلام لابتغاء الصلاح والنور، ونحن في ذكرى مرور قرن على ملحمة من ملحمات هذا القطر وسكانه، وكيف قام بقيادة علمائه وصلحائه باستجماع طاقاته وجميع قواه الخيرة الكامنة عند جميع مكوناته على تعددها وتنوعها لمقابلة الاحتلال الاجنبي الغازي لوطنه والمستهدف لقيمه ودينه والطامع في ثرواته، وفي مقدمتها الثروة الانسانية والهوية الجامعة لوحدته وسيادته واستقلاله، وما حققه بقيامه المبارك بالرغم من طغيان قوة العدو وسلاحه ومكره لإثارة التناقضات لنسف وحدته، ولاستخلاص الدروس والعبر من تلك الملحمة لمعالجة الواقع المزري الذي فرضه الاحتلال الجديد ولدرء المفاسد التي سعى وما زال يسعى الاجنبي لنشرها لتفويض هذا الكيان المستعصي على الوهن والرضوخ.
وللتذكير والتدبر نلخص تلك النقاط المشرقة، وهي الثوابت التي أكدها ثوار العراق والتزم بها قادتهم العلماء، رافضين جميع المساومات وانصاف الحلول المعسولة، مصرّين على تحقيق سيادة الوطن وكرامته غير مبالين بمظالم العدو من النفي والتشريد حتى الشهادة، وأهم تلك الدروس المستفادة يمكن تلخصيها في النقاط التالية:
1) سيادة الوطن واستقلال قراره السياسي أساس وجوده، لا يقبل المساومة لأي سبب.
2) عدم تكافؤ القوى ليس عذراً للاستسلام للعدو او القبول بإملاءاته.
3) مقاومة القوى الغازية حق تقررها جميع الشرائع والمواثيق الدولية، فإذا تعذرت المقاومة المسلحة لأي سبب، فالمقاومة السلبية بمعنى رفض العدو وعدم القبول بالتعاون معه يكون هو الواجب الذي لا يمكن الحياد عنه حتى تحقيق الاستقلال الناجز بخروج آخر جندي وإزالة جميع آثار الإحتلال.
4) ان دماء الشعب وامواله وحقوقه وكرامته مما لا يعفي عليها الزمن ولا تسقط بالتقادم. وحق التعويض الكامل لا يمكن التنازل عنه لأي أحد، والمعتدي الغازي ومن اعانه أول من يُطالب بذلك.
5) اي تعاون او استسلام للأجنبي وإرادته تحت أي عنوان يسقط اعتبار مقترفه، ويعتبر جريمة تعرضه لأقسى العقوبات وفق محاكمة عادلة.
6) الهوية الإسلامية الجامعة للعراق هي الاسلام الضامن لوحدة الامّة والمحافظ لخصوصيات جميع مكوناته وحقوقهم على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم؛ كما فعل على مر التاريخ.
7) أي قرار او اتفاق أو عملية سياسية أو سلطة حكومية يفرضه الاجنبي في ظل قواته المحتلة يُعد باطلاً لا يجوز الاذعان له أو القبول به.
8) اي اجراء يؤدي إلى تقسيم العراق أو الاضرار بوحدة أراضيه باطل، ويُعد جريمة يعرض مرتكبه للمحاسبة والعقوبة.
9) الحفاظ على سيادة الوطن وحقوقه وثرواته وبناه التحتية واجب الجميع، وما تعرض من ذلك للأضرار بسبب الاحتلال او التعاون معه يستدعي المساءلة والتعويض الكامل.
10) لا حوار لاتفاق استراتيجي أو غير استراتيجي مع العدو في ظل القوات المحتلة، بل ويعتبر املاءً باطلاً، والحوار الاستراتيجي لتحقيق السيادة والاستقلال الكاملين لا يكون إلّا بشرط وجوب الجلاء لجميع القوات الاجنبية من الوطن.
11) التصدي لقوى الشعب المقاومة للإحتلال يعتبر ارهاباً، يستدعي الادانة ويبيح المقاومة.
(فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) البقرة:139.
(وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) آل عمران:139.
(فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) محمد:35.
(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة:256.
هذا ميثاقنا مع الله تعالى (..فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ..) البقرة:80.
صدق الله العظيم وإنا على ذلك من الشاهدين والشاكرين، والحمد لله رب العالمين.


الراجي عفو ربه الغني، محمد مهدي بن محمد الخالصي
9 ذو القعدة 1441هـ الموافق لـ 30 حزيران 2020م