أين خرقت السفيرة الأميركية القانون؟

فاطمة سلامة.

رُبما لم يعتد البعض في لبنان أن يخرج من يوقِف السفيرة الأميركية عند حدّها. لطالما حظي مندوبو البيت الأبيض في لبنان بهامش كبير من الحرية حتى ولو على حساب السلم الأهلي. يصول هؤلاء ويجولون، يُحرّضون السياسيين في الغرف المغلقة والصالونات. يستدعون من يشاؤون الى عوكر وكر التحريض. أكثر من ذلك، لا يجدون حرجاً في استغلال الإعلام اللبناني لمهاجمة مكون أساسي من المكونات الشعبية علناً وتحريض اللبنانيين عليه، كما فعلت السفيرة دوروثي شيا، والتي استغلّت المجد المُعطى لبلادها من قبل البعض لتقول ما يحلو لها من مزاعم مستوحاة من سيدها مايك بومبيو ورئيسها دونالد ترامب.

إلا أنّ المستغرب ليس في كلام شيا التي عوّدتنا إدارتها على أن تنضح بما فيها من كذب وافتراء. المستغرب في بعض اللبنانيين الذين مارسوا خفّة غير مسبوقة لجهة تصريحاتها، كما مارسوا ازدواجية مستغربة. أولئك دانوا واستنكروا وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها على قرار قاضي الأمور المستعجلة في صور محمد مازح بإسكات السفيرة الفتنة عبر منع استصراحها من قبل وسائل الإعلام اللبنانية لمدة عام. تسلّحوا بشماعة حرية الإعلام وجهلوا أو تناسوا أن هذه الحرية مقدّسة لكنها ليست مُطلقة، وتنتهي عندما يصبح السلم الأهلي في خطر. تسلّحوا بشماعة الحرية الإعلامية وتغاضوا عن خرق السفيرة المذكورة للقانون وخرقها للسيادة الوطنية. فأين خرقت السفيرة الأميركية القانون؟.

وزير الخارجية الأسبق عدنان منصور يعتبر في حديث لموقع “العهد” الإخباري أنّ اتفاقية فيينا نصّت على أنّ الدبلوماسييين بشكل عام بمن فيهم السفراء يتمتعون بالحصانات الثلاث: القضائية والسياسية والمالية. ولكنها نصّت في المادة 41 على عدم تدخل الدبلوماسي في الشؤون الداخلية للدولة. هذا الأمر بدا واضحا -برأي منصور- في تصريحات السفيرة الأميركية شيا. فصحيح أنه يُسمح للسفير الادلاء بتصريحات سياسية، ولكن لهذه التصريحات ضوابط وأصول ولياقات تحددها أطر العلاقات الدبلوماسية وأطر اتفاقية “فيينا”.

ويُشدّد منصور على أنّ التصريحات المتمادية للسفيرة الأميركية شكّلت نوعا من التدخل في الشؤون اللبنانية، فعندما تصف سفيرة ما شريحة كبيرة بالارهاب أو بالهيمنة على الدولة، فهذا الأمر غير مقبول وفيه خروج عن الأطر الدبلوماسية. لذلك، يُشدّد منصور على أنّ تجاوز أي سفير في أي دولة من دول العالم الاتفاقية الدولية والادلاء بتصريحات تُسيء الى الدولة والشعب والسيادة يستدعي من وزارة الخارجية التحرك فوراً لاستدعاء السفير ولفت نظره اذا كان الأمر بسيطاً. أما اذا كانت الأمور مستفحلة، فعلى وزارة الخارجية تزويد السفير بمذكرة شديدة اللهجة أو حتى اذا كانت الأمور قد بلغت مراحل متقدّمة، بإمكان وزارة الخارجية أن تعتبر السفير شخصاً غير مرغوب فيه. وفق منصور، فإنّ رد فعل الخارجية يتوقّف على درجة التصريحات وحدّتها.

منصور وانطلاقاً من خبرته الطويلة في العمل الدبلوماسي والتي دامت لأربعة عقود وكونه وزيراً سابقاً للخارجية، يشدّد على أنّه ومنذ اللحظة الأولى التي تدلي فها سفيرة تصريحاً يحرّض على شريحة كبيرة من اللبنانيين، كان المطلوب استدعاؤها لأنّها تسيء الى شريحة تمتلك حاضنة كبيرة في لبنان. إنها شريحة المقاومة التي دفعت الثمن غاليا من أجل تحرير الأرض، ودفعت الآلاف من الشهداء. هذه الشريحة لا يمكن التفريط بها، ولا يمكن إطلاق التصريحات العشوائية باتجاهها. وفق منصور “الأصول المتبعة في كل دول العالم تنص على استدعاء السفراء إذا ما تمادوا ولفت نظرهم لأن اتفاقية فيينا ترتبط بالدول الموقعة عليها”.

ويؤكّد منصور أن هناك ضوابط وعلى أي دبلوماسي أن يلتزم بقوانين البلد والأعراف والأصول الدبلوماسية، واذا كان لدى بلد ما مواقف سياسية معينة، فإنّ وزارة الخارجية هي من تدلي بها، أما السفير فلا يحق له أن يطلق تصريحات من داخل البلد تمس بسيادة الدولة وتؤجج النعرات داخل المجتمع اللبناني وتضر بنسيجه الوطني، كما فعلت شيا، يختم منصور.

‎2020-‎06-‎30