ماذا يحدث في بغداد هذه الايام؟ وهل بدات المواجهة الحقيقية بين حكومة السيد الكاظمي والفصائل المسلحة ومنظومة الفساد؟

د. سعد ناجي جواد.

منذ مساء الخميس 25 حزيران/يونيو بدات تصل من بغداد اخبار يعبر عنها العراقيون بانها مفرحة مقلقة، مع التشديد على الصفة الثانية. البداية كانت في الاعلان عن عملية جريئة ومباغتة تمكنت فيها قوات مكافحة الارهاب من مداهمة مقر لاحد فصائل الحشد الشعبي المتهمه باطلاق الصواريخ على المنطقة الخضراء، والقاء القبض على مجموعة من قياداته مع اشخاص اجانب (ايرانيين). مع مداهمات اخرى، والقاء القبض على افراد اخرين من نفس الفصيل. كما تم الاعلان عن مصادرة منصات للصواريخ الجاهزة للاطلاق. ويبدو ان الطريقة المتقنة التي تم فيها التخطيط والتنفيذ لهذه العملية قد افقدت الفصيل ودفاعاته كل قدرة على الرد. ولم تتوقف الامور عند هذا الحد، بل ان القائد العام للقوات المسلحة-رئيس الوزراء، وبمجرد ما ظهرت اخبار عن استعداد مسلحين من مليشيات مختلفة لمهاجمة او دخول المنطقة الخضراء، (ويقال ان السفارة الامريكية ابلغته بما قد يحدث، نقلا عن صور لاقمار صناعية ورصد لمكالمات صدرت من او تلقتها هواتف في المنطقة الخضراء)، سارع الى تحريك قوة عسكرية مدرعة من منطقة المطار طوقت المنطقة الخضراء وافشلت عملية اختراقها من مجاميع مسلحة انتشرت في الشوارع، وهناك من قال ان مناوشات جرت عند مدخل المنطقة الخضراء من ناحية الجسر المعلق انتهت بالقاء القبض على عدد من المهاجمين، ولكن لم يؤكد اي مصدر لحد الان هذه الاخبار.

خطوة مهمة ومعدة بصورة جيدة سبقت تنفيذ عملية المداهمة تمثلت بدعوة رئيس الوزراء لمجموعة من الاعلاميين ليخبرهم بان الايام القادمة ستشهد تطورات مهمة، وان الاعلام مطالب بان يدعم هذه الخطوات ولايتاثر بالاشاعات التي قد تثار والتي يراد منها التشكيك بجدية القرارات وضرورتها في مجال محاربة الفساد على حد قوله. ثم توالت اخبار عن قرارات تحدثت عن تغيرات لقيادات متنفذة واقالات وتعيينات جديدة لمراكز حساسة في الدولة لم يتم التاكد من قسم منها مثل مستشارية الامن الوطني ورئاسة جهاز الامن الوطني وتعين رئيسا جديدا لهيأة المنافذ الحدودية، هذه المنافذ التي عرفت بانها تسرق سنويا من واردات العراق الجمركية ما يقترب من نصف واردات النفط. وقرارت صدرت تتضمن اقالات لمدراء هيئات نُشِرَ الكثير عن الفساد المستشري فيها مثل الوقف الشيعي وسلطة الطيران المدني والاعلام والاتصالات وغيرها. طبعا لا يمكن الجزم بان المعينين الجدد سيكونون افضل وانزه من سابقيهم، ولا احد يعلم ما هي الاجراءات التي ستتخذ بحق المقالين، وربما سيلجا السيد الكاظمي الى تاجيل محاسبة المقالين لحد ما يتمكن من اتمام تغيراته وثباتها، ولكن الاكيد ان هذه الاجراءات كان لها وقعا مزلزلا وسط الفصائل المسلحة والاحزاب المعتمدة عليها، وانها بالتاكيد سوف لن تروق لحماة الفاسدين ورؤوسهم. وكان هذا الامر واضحا في رد فعل قيادات بعض الكتل النيابية الداعمة لهذه الفصائل التي انتقدت الاعتقالات، واعلنوا عن قيامهم بوساطات (لحل الاشكال)، ثم في انتشار مجاميع مسلحة متحدية قرار رئيس الوزراء، الامر الذي يظهر بوضوح زيف الادعاء بان الحشد الشعبي يخضع لسلطة رئيس الوزراء، ثم اعلنت بعض الفصائل ان المعتقلين قد تم اطلاق سراحهم. ثم ظهر ان هذا الخبر غير صحيح. كما ظهر ان السيد الكاظمي مصر على تشذيب النفوذ المتزايد لفصائل الحشد، حيث اصدر قرارا بتشكيل لجنة تحقيقية من الاستخبارات والامن والمخابرات للتحقيق مع المعتقلين. واذا ما ثبت السيد الكاظمي في موقفه هذا واستطاع ان يجري تحقيقا ومحاكمة شفافتين للمعتقلين ينتج عنها عقوبات رادعة، فانه سيحقق نصرا معنويا مهما سيساعده كثيرا في الخطوة القادمة التي يبدو انه يعد العدة لها وهي، كما اشيع ليلة امس، ستتمثل بارسال قوات عسكرية للسيطرة على كل المنافذ الحدودية، من شمال العراق الى جنوبه ومن شرقه الى غربه. واذا ما صح هذا الخبر فان المواجهة ستكون اكبر واوسع وتتطلب دعما كبيرا له من اطراف متعددة، ربما يكون الدعم الشعبي والاعلامي اهمها، لان الاطراف المستفيدة من هذه المنافذ كثيرة واصبحت لها ارتباطات قوية خارجية وداخلية مع ما تجنيه منها من مبالغ فلكية، ولا يمكن لاحد ان يتصور ان المستفيدين من ذلك سيستسلمون بسهولة.

ويبدو ان السيد رئيس الوزراء مدرك جدا لخطورة ما اقدم او سيقدم عليه، حيث انه قال بصراحة للاعلاميين الذين التقاهم انه سيعول عليهم في فضح حملات التشويه التي ستصدر بحقه، كما لم يستبعد عملية اقصاءه بل وحتى اغتياله، ولكنه اضاف انه اذا أُجبِرَ على الخروج فانه سيخرج ويده نظيفة.

هناك من يقول ان السيد الكاظمي لم يكن ليجرأ على اتخاذ مثل هذه القرارات الحاسمة لولا التخطيط والدعم الامريكي لها. وان الولايات المتحدة لا تفعل ذلك حبا بالعراقيين الذين دمرت بلادهم وتسببت في قتل وتشريد الملايين من ابناءها، وانما عملها هذا يدخل ضمن مخططاتها لمحاربة النفوذ الايراني في العراق الذي كانت هي السبب الاساس في امتداده فيه. وهذه اقوال صحيحة جدا، ولكن الصحيح ايضا ان ايران وكل الاحزاب والمليشيات التابعة لها والمؤتمرة بأمرها لم تألو جهدا في استثارة الراي العام العراقي ضدها بما ارتكبتها من اعمال قتل وخطف وتغييب وتهجير وسرقات كبرى لثروات العراق. علما ان هذه الافعال لا تقتصر على الاطراف الموالية او المدعومة من قبل إيران فقط، وانما من قبل كل الاحزاب المشاركة في العملية السياسية منذ بداية الاحتلال وحتى يومنا هذا والمدعومة من الولايات المتحدة واطراف خارجية اخرى. وهذه الحالة المزرية والمتفشية هي التي دفعت المتظاهرين في ساحة التحرير وساحات الاعتصام الاخرى، والذين اعترضوا سابقا على ترشيح مصطفى الكاظمي لرئاسة الوزارة، الى الخروج في مسيرات تايد له ولقراراته ومطالبته بالمزيد. فهل سيستطيع رئيس الوزراء من الصمود في هذه المواجهة غير السهلة؟ وهل ستعيد ايران النظر والتفكير بسياستها في العراق وبما قام ويقوم به مواليها من اساءات لسمعتها في البلاد قبل الاساءات الكبيرة للشعب العراقي؟ وهل ستدعم الولايات المتحدة السيد رئيس الوزراء حتى وان طالت قراراته جهات فاسدة محمية من قبلها؟ وهل ان السيد رئيس الوزراء جاد حقيقة في محاربة الفساد ام انه، وهذا ما لا يتمناه العراقيون، يريد فقط ان ينفذ مطلبا امريكيا محددا؟ هذه كلها اسئلة لا يمكن الاجابة عنها الان. وبالتاكيد فان الفصائل المسلحة سوف لن تقبل بما جرى دون ان تحاول ان ترد الاعتبار لنفسها وبصورة مسلحة وعنيفة.

ومع كل ما قيل فان ما جرى يؤكد ان هناك خطوة قد بدات في طريق طويل وصعب لمحاربة الفساد، وان هذه الخطوة اذا ما اريد لها ان تنجح، واذا ما اريد للدولة ان تستعيد هيبتها، فإنها يجب ان تأتي بنتائج ملموسة وواضحة، ولا تنتهي بالتستر على الفاسدين واخلاء سبيلهم بجلسات قضائية سريعة (ترد الاعتبار لهم) لكي يسرقوا اكثر كما حدث في السابق.

هناك تجارب دولية كثيرة تقول ان من يريد ان يُصلح الامور عليه ان لا يخش هذا الفساد المستشري ومنظومته المدعومة بسلاح المليشيات المنفلت، وان هذه الظاهرة رغم ما يظهر من صعوبة زائفة في القضاء عليها، فانها والمافيات الناتجة عنها اضعف من ان تتحدى حكومة تصر او تريد ان تظهر بانها قوية وعازمة على اصلاح الاوضاع بصدق. وان هذا الفساد يشبه احجار الدومينو المستندة بعضها على بعض، بمجرد ان تسقط منها قطعة تتساقط القطع الباقية على التوالي. ان غالبية العراقيين يتمنون ان لا ينتج عن هذه المواجهات اراقة اضافية للدماء، وان لا تقتصر على التابعين، ويتمنون اكثر ان تقوم الدولة بمحاسبة رؤوس الفساد الذين غرروا بالبسطاء واستخدموهم لمصالحهم، وهذا الحل يمكن ان يحمي ارواح ودماء الكثيرين من المخدوعين.

كما ان هناك حقيقة يعرفها ابناء العراق جيدا، وخاصة اولئك الذين عاصروا العهد الجمهوري منذ بدايته، تقول ان كل التجارب التي مثلت تغولا لاطراف مسلحة مختلفة على حساب سمعة وهيبة الدولة انتهت على يد القوات المسلحة العراقية الوطنية. من المؤكد ان المواجهة ستكون صعبة، ولكن التجارب العسكرية المماثلة تخبرنا ان القوات المسلحة والامنية، اذا ما تم اعدادها وتدريبها وتنظيمها بصورة جيدة، تكون قادرة على انهاء اي وجود مسلح منفلت داخل الدولة.

بعد سبعة عشر عاماً من التدمير والفساد لا يمكن لإحد ان يتصور ان يكون الاصلاح سهلا، هذا اذا ما افترضنا جدلاً وبحسن نية ان هناك رغبة حقيقية في الاصلاح. لا احد يعرف النوايا الا خالق البشر ولكن اذا ما فشل السيد الكاظمي في هذه المواجهة فهذا سيعني نهايته السياسية بل وحتى الشخصية. اما غالبية العراقيين فستظل تتفاعل بتفاؤل وتدعم كل خطوة تفضي الى تشذيب ثم القضاء على الفساد المستشري والسياسات الطائفية والعرقية والمحاصصات الحزبية التي دمرت بلادهم منذ الاحتلال ولحد اليوم. وعسى، بلا لابد وان تتحقق امنياتهم على يد ابنائهم المخلصين في يوم ما.

 ‎2020-‎06-‎29