من فضائح الكورونا!

كاظم الموسوي.

فضحت جائحة كورونا/ فايروس كوفيد-19 امورا كثيرة. كانت اغلبها مخفية بقصد او باهمال او بينهما، وكشفت حجم التناقضات في تطوراتها، وسعة التباينات في أحاديث المختصين فيها، ومدى الفجوات في تصريحات المسؤولين السياسيين عنها.. وهي كلها تقع في اطار التوحش الرأسمالي وخطط الهيمنة الإمبريالية والاستعمار الغربي أساسا. عرفتها هذه البلدان وانتشرت فيها او عن طريقها إلى بلدان أخرى وتوسعت داخلها منتقلة من مصادرها  التي إذاعتها أو روجت لها  واختلفت عليها، تاريخيا والان امام انظار العالم، بالصورة والصوت، والارقام والاحصائيات، والأدلة  والإثباتات.

من بين الأمور الفاضحة، ما جاء في تصريحات شخصيات مسؤولة في اوروبا عن فشل ما كانوا يطمحون له من ادارة الاتحاد الاوروبي، وفي اسباب تشكله وتجمعه واتحاده، لا سيما في التضامن والتعاون والمساعدات في ظروف الازمات والجائحات، مثل الكورونا، وان تكون هذه القيم والأعراف اقوى وأشد حماية وتفانيا وتبرعا وتضحية لتمتين عرى الاتحاد وتقديم الدليل عليه، بينما عمليا ما حصل وشوهد كان من الفضائح الكبيرة والابتعاد غير المبرر عن الانسانية والاخلاق العامة وابسط الحقوق والواجبات الاعتيادية، لاي منظمة او تجمع اتحادي، محلي أو اقليمي او دولي.

كانت رسالة السيدة الايطالية، التي نشرت بصوتها وبكلماتها في اغلب وسائل الاتصال والإعلام، نموذجا واضحا وصريحا في خطابها المسؤولين الغربيين وفضح محاولات عزل بلدها وتركها لمصيرها وحيدة. في الوقت الذي انهال عليها الدعم والاسناد من بلدان من خارج الاتحاد الاوروبي، من الصين وكوبا وفيتنام وروسيا. فكيف تحول هذا الاتحاد ومعانيه العامة إلى وهم، وصار فضيحة كورونية امام المجتمع والراي العام المحلي والدولي؟.

اما الدولة العظمى، جارة كندا، فلم ترع خطر الكورونا وتماهلت ادارتها واستصغرت الجائحة وخلالها ارتفعت أعداد المصابين فيها الى ما يعادل ارقام كل بلدان اوروبا. وتحولت فجاة الى فضيحة أخرى بلا شك او ادعاء.. لم تتستر المزاعم والغطرسة وابتلت بكل أسباب الكورونا ومخاطرها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحتى الاخلاقية.اضافت لها تداعيات العنصرية وممارساتها أبعادا أخرى في فضيحة الكورونا وما فعلته واقعيا على الأرض.

وعرت الكورونا الانظمة الغربية، انظمة الدول الرأسمالية، الاغنى في العالم والتي تقود اقتصاديات العالم وسياساته في المؤتمرات والمنتديات والاجتماعات، وأثبتت هذه الانظمة انها عاجزة عن توفير الخدمات الصحية ووسائل الرعاية وادوات المعالجة وخبرات الطب والوقاية والاهتمامات الانسانية.. بل ان مسؤولين فيها اعلنوا ودعوا صراحة بتوديع اعزاء وخسارة اهل ودمار مجتمع.. فاين المزاعم والادعاءات التي تتشدق بها الأبواق الموالية عن حقوق الإنسان والديمقراطية والتنوع الحضاري والثقافي وعن العدالة والإنسانية اخيرا؟، ومن هي الدول المتقدمة والمتخلفة اذاً؟، وما هي المعايير في ظل الجائحة وانتشارها الواسع والسريع؟ وهذا ما عرف وظهر وصار معلوما ومفهوما.، أما ما اخفي أو ستر عن الانظار، الله وحده الاعلم.

ومثلها فضيحة اخرى في التفاصيل، عن الرواتب والمنح والجوائز والهبات والصفقات، بين من يخدم فعلا المجتمعات ومن يسليها او يلهيها لزمن ويتركها في أيدي وقوانين وإجراءات اخرى.. فما يحصل عليه العاملون في مجالات الصحة لا يمكن باي شكل من الاشكال مقارنته بما يحظى به الرياضيون والفنانون.. وقد احسن بعض الاخيرين بالتبرع وتقديم المساعدات للاولين في هذه الجائحة.. وهذه تقع ايضا ضمن إطار فضائح الكورونا، وهي التي لفتت الانتباه وسلطت الاضواء، رغم ادراك القيمة المادية والمعنوية لكل من القطاعات الاجتماعية ومواقعها في البناء الاجتماعي وعمران الدول. حيث نشر فيديو لباحثة اجتماعية من جنوب أوروبا تتحدث بالارقام عن ما يكسبه الرياضيون والفنانون في أوروبا والعاملون في الصحة، وتقول لو يضاعف ما بدر على الأطباء والمساعدين لكانت الخدمات والإعداد لها والتجهيزات والمعدات افضل واحسن مما يحوّل في العطاء والهبات لغيرهم.

 وتطرق الفضائح ابواب الصعيد الثقافي ايضا، كما في عودة التفكير في كثير من الطروحات التي غزت العالم، من “نهاية التاريخ” الى”صراع الحضارات”، وفشل الافكار  الاشتراكية والانتصار النهائي لللبرالية المنفلتة ومن ثم العولمة المتوحشة وغيرها… وغيرها من هذه الأمور. فصاحب مقولة نهاية التاريخ عاد وصحح رأيه وتخلى عن هذه الفكرة كما نشر واعلن، من ضرورة عودة دور الدولة في التخطيط والتنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإداري، كما عاد الحديث عن الاشتراكية والماركسية، التي كانت، أو حولت وعمل على أن تتحول الى سبة واتهامات، كما كانت في عهود سالفة. وقد تكون هذه فضيحة ثقافية، لكن لها ارتداداتها، فالدول التي توصف باوصاف تخالف واقعها ووقائعها وتتهم بشتى الاسماء التي تثير الاستنفار منها وحتى كراهيتها،  ظهرت هي الأكثر حرصا وقدرة في حماية شعوبها من الكورونا وضبط أخطارها واضرارها، وتقديم المساعدات والتعاون غير المحدود للبلدان التي انتشرت الكورونا فيها وبقيت وحدها تقاومه وتواصل العمل ضده. وفي الوقت نفسه كشفت هذه الدول عن هيبة سلطاتها وقدرات كبيرة في ضبط الامور والإجراءات والوقاية والحماية الصحية، فضلا عن جهودها في تحجيم الخطر والعمل على صناعة العلاجات والادوات والأدوية وما تحتاجه المستشفيات في هذه الظروف الصعبة. فأرسلت كوبا والصين وروسيا الأطباء والأدوية والخبرات الى أكثر الدول المتضررة في اركان الكرة الأرضية واعطت مثالا إنسانيا جديرا بالاحترام والتقدير. ولم تشك هذه الدول من أزمة الكورونا كما حدث في غيرها، ولم تخف إمكاناتها وطاقاتها لخدمة الإنسان وصراعه ضد المرض وتداعياته أو تطوراته. وكانت إداراتها جديرة بمواقعها وخططها في المواجهة الشاملة، ليس للفيروس وحسب، بل لما اضطرها من إجراءات اخرى، كما حصل في الاغلاق الكامل للمؤسسات العامة والخاصة، أو الابتعاد الاجتماعي أو غيرها، وتوفير البدائل الممكنة التي تعوض في المجالات الاخرى، كاستمرار التعليم من البيوت أو تيسير الحجر الصحي الناجح وغيرها من الخدمات الاجتماعية والإنسانية التي يستدل بها وتضرب الامثال عنها.

فضحت الكورونا ما ذكر وغيره الكثير وكشفت أن هناك كثيرا من الاوهام التي عشعشت وترسخت ولكنها تساقطت كأوراق الخريف، في بلدانها وأمام شعوبها، ولم تفدها هيمنتها الاستعمارية أو عولمتها المتوحشة ومخططاتها ومشاريعها العدوانية التي ما انفكت تعيدها وتسعى إلى العودة بها بأسماء أخرى.