رحلوا بأحلامهم……!

أبو علاء منصور.
بدا صفير السفن المختلط بعتمة الليل وصراخ النوارس لحنًا جنائزيًا ونحن نستقبل رفاقنا الخارجين من “حصار بيروت” في ميناء طرطوس، يكاد يقف شعر رأسي كلما مرّ بخيالي ذلك المشهد الرهيب. ضجيج الميناء وصمت الأفواه لوحة بكاء مرير. نحن فرحون بسلامة رفاقنا، لكنّ الثورة هُزمتْ.
قال خليل الوزير -أبو جهاد- لكبير مرافقيه ماهر الزغيَّر حين التقيناه في منزله بدمشق بعد يومين:
– جهزوا السيارات يا ماهر.
– إلى أين يا أخ؟
– إلى البقاع.
لم يفقد أبو جهاد البوصلة.
ما زال دويُّ المدافع يَصُمُّ آذان المقاتلين المنسحبين إلى البقاع تاركين خلفهم ذكرياتهم، أحّبتهم وصُحبة شهدائهم. كان علي أبو طوق صورة لنحلة رسمها خيال روائي مبدع. ماكينة لا تكلّ عن العمل، أبٌ حاني وأخٌ كبير. بدا وضع الفدائيين النفسي قاسيًا وقد استشهد رفاق لهم، لكنّ القتال الاستشهادي في قلعة الشقيف كان مبعث فخر. هناك قاتل الشهيد راسم وعلي اليمني ورفاقهما حتى استشهدوا.
بدت صدمة سقوط الجنوب اللبناني أسىً في وجوه الفدائيين، غيظًا وغضبًا على “القادة” الذين فرّوا من المعركة تاركين قوّاتهم خلفهم. ربما يُسجّل التاريخ أنّ تخاذل هؤلاء “القادة” كان سببًا أساسيًا لتجرؤ شارون على مواصلة عدوانه حتى حصار بيروت، وأنّهم تسببوا بخروج الثورة من لبنان، وكانوا سببًا رئيسًا لمأساة انشقاق “حركة فتح” بعد ذلك.
تموضع الشبّان في بلدات ثعلباية، شديتا، تعنايل، سعد نايل، والقرى المجاورة، وكان لأبناء تنظيم “فتح” من المناضلين اللبنانيين دورًا أساسيًا في تأمين احتياجاتهم، هذا ما فعله رضوان الشحيمي من سعد نايل، وربيع ومحمد ملاعبي من بيصور وآخرون كُثر. في ذلك الصيف الحار نضجت ثمار بساتين سهل البقاع من التفاح، المشمش، الإجاص، والكاكا وليس هناك من سوق، أمّا في مزارع الدواجن فالفرخة بليرة لبنانية! مأساة للمزارعين.
ذات ليلة شوَّشت أفكارنا أنوار أرتال آليات تهبط شرقًا باتجاه مدينة شتورا. ما الذي يجري؟ هل هي آليات إسرائيلية أم سورية؟ في الصباح عرفنا أنّها دبابات سورية منسحبة. اتخذ أبو الفتح – مسؤول العمليات في كتيبة الجرمق – قرارًا بسحب قواته شمالًا! مشهد أليم ورتل سياراتنا يشق طريقه نحو مدينة بعلبك. نساء ورجال يودعوننا بعيون دامعة دون أن يبادلوننا الكلام، أمّا المقاتلون العابسون فلا يستطيعون التطلّع في الوجوه. تطاولت امرأة من خلف سور ومسحتْ دمعها، وتطلّع شاب بأسى. ماذا لو كنّا منتصرين؟ سيُطلق الرصاص وتُلعلع الزغاريد.
أيام وعدنا إلى مواقعنا. بدا المشهد مأساويًا ونحن نتجه بالسيارة إلى المنطقة الجنوبية الشرقية من البقاع في اليوم التالي، على امتداد كيلومترات من بلدة بر الياس حتى بيادر العدس، دبابات ومدافع وآليات سورية متفحمة.
التقط مقاتلو كتيبة الجرمق أنفاسهم، وبدأوا ورشة تدريب ضخمة. في هذا المعمعان استشهد نادر شقيق الشيخ صالح الديك. أيام وخيّم جوٌ مأساوي حين خسرت الكتيبة متطوعًا تونسيًا، أصابت رصاصة رفيقٍ له إحدى عينيه ففقد بصره. في بلده تونس أقام الفدائي الضرير عبد العزيز بن محمد بن الشيخ جمعية لنصرة فلسطين.
خرج مقاتلو الثورة من بيروت فتَيَتَّم الفلسطيني والوطني اللبناني، لكنّ جذور الثورة عميقة في الوجدان، استأنفت المقاومة الوطنية اللبنانية عملياتها العسكرية، وولد “حزب الله”.
مع تحيات أبو علاء منصور
28\6\2020