مصر: هل اندثرت الحَدود والفوارق بين نظام الحُكْم وبعض المعارضة؟

الطاهر المعز.

تعليق على بيان أصدر الحزب الشيوعي المصري حول تأييد خطاب الرئيس السيسي والموقف من ليبيا

الخبر:

أصدر الحزب الشيوعي المصري بيانا بتاريخ 21 حزيران/يونيو 2020، بعنوان “نؤيد خطاب الرئيس بالمنطقة الغربية العسكرية دفاعاً عن الأمن القومي المصري” (النص الكامل أسفل هذه الفقرات).

التعليق:

تعرّضت ليبيا (الوطن والدّولة والشعب)، منذ شهر شباط/فبراير سنة 2011، إلى عدوان نفذته قوات حلف شمال الأطلسي، بدعم وتمويل من صهاينة العرب الحاكمين في الخليج، ومن الأنظمة الرجعية العربية، في حين كانت انتفاضة الشعب المصري مُستمرة، ضد حكم الكمبرادور بزعامة قيادات الجيش وفئات من البرجوازية الممثلة لمصالح القوى الإمبريالية في البلاد، أو المتعاونة معها.

أدّى إسقاط النظام في ليبيا، بفعل تدَخُّل عسكري خارجي، إلى تقسيم البلاد، وتشريد جزء هام من شعبها، وإطلاق العنان للمجموعات الإرهابية لتنهب الثكنات ولينتشر السلاح الخفيف والمتوسط في بلدان الجوار، وتكفلت المخابرات الأمريكية بإيصاله إلى سوريا والعراق، بتمويل سعودي وقَطَرِي وإماراتي.

أدّى انتشار السلاح الليبي لدى المجموعات الإرهابية إلى تهديد الأمن الدّاخلي والخارجي للبلدان المجاورة، تونس والجزائر وتشاد والنيجر والسودان ومصر، وكان وزير خارجية قَطَر قد هَدّد الجزائر مُباشرةً، خلال اجتماع الجامعة العربية، بسبب التحفّظ الذي أبداهُ النظام الجزائري، بشأن دَعْم الأنظمة العربية، وجامِعَتها للتدخل العسكري الأجنبي.

ساهم النظام المصري في القصف وفي الدّعم العسكري المُباشر لإحدى المليشيات، بزعامة “خليفة حفتر”، عميل المخابرات الأمريكية، وحامل الجنسية الأمريكية، الذي باع جيش بلاده، ولجأ إلى الولايات المتحدة، منذ ثمانيات القرن العشرين، وأعادته المخابرات الأمريكية، بعد الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي، ودعمته وسلحته حكومات مصر والسعودية والإمارات (بإشراف أمريكي)، ضد مليشيات رجعية أخرى، تُمثل تيار الإخوان المسلمين، بدعم تركي، وأوروبي، ليُصبح الصراع رجعيا- رجعيا، تركز في محيط حقول النفط والمصافي ومرافئ تصدير المَحْرُوقات، أدّى (الصراع) إلى تفتيت البلاد، وإلى إلغاء المكاسب العديدة التي تحققت، خلال أربعة عُقُود، وقَدّم الإعلام الإمبريالي والرجعي والصهيوني الإحتلالَ والعدوانَ، كعمل حضاري، ضد “النظام الدّكتاتوري”، وكأن الإمبريالية والرأسمالية أصبحت حركة تهدف  تحرير الشعوب ونشر الديمقراطية…

تمتلك مصر حُدُودًا طويلة مع ليبيا بأكثر من 1100 كيلومتر، وعند انتشار الفوضى المُسلّحة في ليبيا، دخل السلاح إلى مصر، وتضرر العاملون المصريون (كما غيرهم) فغادروا ليبيا، وأصبحت حياة من بَقِيَ منهم في خطر، واستخدمت المجموعات الإرهابية السلاح المنهوب من ثكنات ليبيا، ضد المُجَنَّدِين والمواطنين المصريين، ولذا يُمْكن تأكيد حصول أضرار جسيمة بأمن مصر، وشعبها، لكن هذا الضرر حاصل في سيناء أيضًا، التي لم تسترجعها مصر كاملة، إثر اتفاقيات “كمب ديفيد”، بل لا تزال المخابرات العسكرية الأمريكية تُشرف على شريط حدودي (داخل أراضي مصر) مع فلسطين المحتلة، مُجهز بوسائل المراقبة والإنذار، ولا يزال حضور الجيش والدّولة المصرية في سيناء يخضع لضوابط تُهدّد أمن مصر، وليس من باب الصّدفة أن ترتفع حدة العمليات المسلحة في سيناء (الخارجة جُزْئيا عن سيطرة الدولة وجيشها)، فيما تُلْقي الحكومات المصرية (حكومات حسني مبارك، كما عبد الفتاح السيسي) بالمسؤولية على “حماس” أو على “حزب الله”، بدل علاج الأسباب الحقيقية للإرهاب، ولم يشفع للنظام المصري مساهمته في العدوان على العراق (منذ 1991) ولا العدوان المُتكرّر على ليبيا منذ 1977 إلى الآن، ولا حصاره للشعب الفلسطيني في غزة، ولا بَيْع الغاز للصهاينة بأقل من سعر التكلفة، ولا المُشاركة في العدوان على اليمن وسوريا، وغيرها…

فَرّط النظام المصري في جزء من أراضيه للسعودية (جزيرتي صنافير وتيران، في البحر الأحمر) كجزء من مُخطط تطبيعي خياني يتجاوز مصر إلى السعودية والخليج، وفرّط في جزء آخر للسعودية أيضًا، ضمن مشروع محمد بن سلمان “مدينة نيوم” (على حدود السعودية ومصر والأردن)، كجزء من مشروع أكبر أعدّته له شركة “ماكنزي الأمريكية للإستشارات”، تحت عنوان “رؤية 2030″، الذي تَعثَّرَ بسبب انهيار أسعار النفط، ولم ينل النظام المصري ولا الشعب شيئًا، كمقابل لهذا التّفريط في جزء من الوطن وفي “الأمن القومي”.  

لم تُجازي الإمبريالية والصهيونية النظام المصري، منذ 1971 رغم الخدمات العديدة التي قدّمها لها، بل ما انفكت نسبة الدّيْن العام، والفقر ترتفع، ورافقها انخفاض قيمة العُملة المحلية (الجُنَيْه) وارتفاع أسعار المواد الأساسية، وارتفاع عدد المُهاجرين من مصر إلى أوروبا (حيث يُكافأ النظام المصري بعدم لجوء شرطة الدول الأوروبية إلى ترحيل مئات آلاف المصريين العاملين بدون إقامة قانونية) وإلى الخليج وبلدان أخرى، من بينها ليبيا، قبل عدوان 2011، وتفتيت البلاد والإستيلاء على ثرواتها.

لم تدعم الإمبريالية الأمريكية النظام المصري في خلافه مع الحبشة بشأن “سد النهضة” الذي سوف يُؤدّي إلى خفض حصة مصر (والسودان) من مياه النيل، ولم تدعم السعودية ولا الإمارات خزينة الدّولة، بل قامت بإيداع بعض الأموال في المصرف المركزي (بفائض)، لتستعيدها بعد أقل من عام، وبذلك خسر الشعب المصري سيادته على أراضيه، وخسر ثرواته (الغاز)، التي تمتع بها الصهاينة بثمن منخفض جدّا، بينما رفعت الحكومة دعم المحروقات والطاقة والغذاء، وغيرها، ولم تدعم الأُسَر الحاكمة في الخليج الحكومة المصرية مالِيّا، فاضطرت للإقتراض من صندوق النقد الدّولي (ومن دائنين آخرين) بشروط مُجْحِفَة تضرّر منها الشعب المصري، وفُقراؤه الذين ارتفع عددهم، وقَلّتْ مواردهم…

إن ما وَرد في الفقرات السّابقة لا يُمثِّلُ سوى بعض نماذج التفريط في السيادة، وفي الأمن الوطني، وحَرِيٌّ بالجيش المصري أن يُحرّر سيناء، لكي يتمكن من التحرك بحرية في جزء من أراضي مصر، وأن يسترجع الجُزُر التي قَدّمها النظام للسعودية، وأن يفرض إلغاء عُقود توريد الغاز الذي ينهبه الكيان الصهيوني من سواحل “حيفا” الفلسطينية، وأن يكف عن تأدية دور الوكيل للكيان الصهيوني، وعن حصار فلسطينيّي غزة، لكن الجيش المصري تحول، منذ حرب تشرين الأول/اكتوبر 1973، إلى مجموعة مُقاولات تُسيْطر على ما لا يقل عن 15% من الإقتصاد المصري، وإلى جيش تُدرّبُه وتُسلحه الولايات المتحدة، لتغيير عقيدته من جيش تحرير إلى جيش يقمع “العدو الدّاخلي”، وينهب ثروات البلاد التي يحكُمُها، بالتحالف مع البرجوازية الكُمْبرادورية (وكيلة المصالح الإمبريالية في البلاد)، يعتقل أي مُخالف وأي معارض، مهما كانت درجة مُعارضته…

إن ما يجري في ليبيا يُشكّل بالفعل تهديدًا للأمن الوطني (وليس “القومي”) المصري، ويُشكل تهديدا لأمن البلدان المجاورة، وفي مقدمتها تونس والجزائر، ولكن النظام المصري يُشارك في الأزمة، منذ 2011، ويدعم إحدى الأطراف، ويُقاتل إلى جانب إحدى المليشيات الرجعية، ضد مليشيات رجعية أخرى، يدعمها نظام الإخوان المسلمين في تركيا، ولذلك فإن اصطفاف “الحزب الشيوعي المصري” وراء الحكومة الرجعية والعَميلة، وتأييده لها “تأييدا كاملا”، يُثِير الريبة، في “شُيُوعية” هذا الحزب، ويُعسِّر مهمة البحث عن الحَدّ بين ما تُروجه المخابرات عبر وسائل الإعلام الرسمي، من جهة، ومن يدّعون “الشيوعية”، من جهة أخرى، لأن مهام الشيوعيين عديدة في مصر (كما في غيرها من البلدان العربية وغير العربية)، وتبدأ “حماية الوطن من أي أخطار خارجية”، بعدم رهْن البلاد والكف عن تكبيل الأجيال القادمة بالقُروض الخارجية المَشْرُوطة، وبوضع حد لتحالف النظام المصري مع الكيان الصهيوني، ضد الشعب الفلسطيني، ومع صهاينة الخليج ضد الشعوب العربية، ويمكن قبل ذلك المشاركة في حملة من أجل إغلاق سفارة الكيان الصهيوني في القاهرة، وتحرير سيناء، ووضع حدّ لنهب الثروات ومن هيمنة الشركات العابرة للقارات، وغير ذلك من المهام العديدة، ونعتقد أن مهام الشيوعيين تتمثل في بناء نظام يخدم مصالح الكادحين، ويُحقق العدالة الإجتماعية ويُوَفِّرُ الغذاء والمَسْكن والرعاية الصحية والتعليم والترفيه لكافة المواطنين، أما الدفاع عن الوطن فهو موكول للجميع، ولا تتمثل مهام قوات الدّفاع في العدوان على دول أخرى، داخل أراضيها، مهما كانت الخلافات، بل في الدّفاع عن الوطن والشعب، داخل حُدُود البلاد…

إن تأكيد حزب يُسمِّي نفسه “شيوعي”، على ثقته ب “الشرعية الدّولية”، والتعبير عن حيادية وعدالة مؤسسات الأمم المتحدة ك”مجلس الأمن”، قد يعكس الخوف من القمع، ومن يخاف القَمْعَ يُمكنه التّنحّي جانبًا، أو مغادرة صفوف المُعارضة، والإنضمام لصفوف النظام، جَهْرًا وعلانية (ومن يتهيّب صُعود الجبال – يعِشْ أَبَدَ الدّهر بين الحُفر… إذا طَمِحَتْ للحياة النُّفُوس – فلا بُدّ أن يستجيب القَدَر، بحسب أبي القاسم الشابي – تونس 1909 – 1934)، كما تعكس هذه التّأكيدات تَجاهُلاً لما سببته “الشرعية الدّولية” من مآسي للعديد من الشعوب، كالشعب الفلسطيني الذي سلبَتْهُ هذه “الشرعية الدّولية” وطنه ولا يزال ثُلثا أفراده لاجئين ومُشردين، ولا تُمثّل هذه المُؤسسات، ومن ضمنها صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، وغيرها، سوى انعكاس لموازين قوى، في ظل هيمنة الرأسمالية، في مرحلة الإمبريالية والعولمة، بزعامة الولايات المتحدة…

إن مثل هذا البيان الشوفيني، المُتذَيِّل لنظام الخليط الكمبرادوري (الجيش والبرجوازية الرثة، غير الوطنية)، في ظل حملة قمع غير مسبوقة، يجعل القارئ يتساءل عن مُحرر مثل هذا البيان، أهي المخابرات، أم مُستشارو الجنرال الرئيس، أما إذا كان “المكتب السياسي” للحزب “الشيوعي” المصري قد أصدر بالفعل هذا البيان، بدون ضُغُوط، عند ذلك يمكننا القول أنه “حِزْبٌ مُتخَوْزِق بمحض إرادته” وبدون إكراه، وهو ما يتطلب تغيير إسمه، كحد أدنى من النزاهة، فالشيوعية، بحسب ما بَلَغَنا تهدف بناء مجتمع يطلب من الجميع بذل ما في وسعهم، مُقابل حُصُولهم على ما يحتاجونه، وهذا ما لا يعمل على تحقيقه النظام المصري، في عهد عبد الفتاح السيسي، بل يزج بأي مُعارض له في السجون، بدون مُحاكمة…         

فيما يلي، النّص الحرفي للبيان:

نؤيد خطاب الرئيس بالمنطقة الغربية العسكرية دفاعًا عن الأمن القومي المصري

يؤكد الحزب الشيوعي المصري تأييده الكامل للموقف الوطني القوي والحازم الذي أعلنه الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم أمس 20 يونية 2020، خلال تفقده للقوات المسلحة المصرية بالمنطقة الغربية العسكرية،  رداً على المطامع والوجود العسكري التركي وجماعات المرتزقة وميليشيات الإرهاب التي تحتشد في ليبيا، مهددة بشكل مباشر الأمن القومي المصري والليبي والعربي.

 ويرى حزبنا أن استعراض الرئيس للقوات المسلحة المصرية في هذه المنطقة، والرسائل التي حملها خطابه، كانا ضروريين ومهمين لطمأنة الشعب المصري، الذي يثق في قدرة وجاهزية أبنائه في القوات المسلحة على حماية الوطن من أي أخطار خارجية، واستعدادهم التام للقيام بمهامهم في أي وقت وفي أي مكان تتطلبه تلك المهام، كما تضمنا رسائل مهمة للشعب الليبي، وللمجتمع الدولي، مؤكداً أن الجيش المصري قوى ومن أقوى جيوش المنطقة، ولكنه جيش رشيد يحمى ولا يهدد، يؤمن ولا يعتدي.

وكانت رسالة الرئيس واضحة لرجال القوات المسلحة وللعالم أجمع: كونوا مستعدين لتنفيذ أي مهام هنا داخل حدودنا أو إذا تطلب الأمر خارج حدودنا.

كما يؤيد حزبنا إعلان الرئيس السيسي إستعداد مصر الكامل لتقـديم الدعم للشعب الليبي، لمساعدته على تحقيق الأمن والإستقرار، وأن أي تدخل مباشر من الدولة المصرية باتت تتوفر له الشرعية الدولية سواء بحق الدفاع عن النفس أو بناء على السلطة الشرعية الوحيدة المنتخبة في ليبيا وهو مجلس النواب الليبى، وأن  تجاوز سرت والجفرة خط أحمر، ولن يدافع عن ليبيا إلا أهل ليبيا ونحن مستعدون بأن نساعدهم ونسـاندهم.

إن الرسائل القوية التي حملها خطاب الرئيس السيسي وتفقده للقوات العسكرية، هي موجهة لكل من تسول له نفسه محاولة الإضرار بأمن مصر القومي. كما أشار الرئيس إلى التعنت الأثيوبي في مفاوضات سد النهضة ، الذي أحالت مصر ملفه إلى مجلس الأمن، وقال الرئيس إن مصر كانت حريصة على السير في الطريق الدبلوماسي حتى نهايته.

ويؤكد الحزب الشيوعي المصري، أن الشيوعيين المصريين وقوى اليسار كانوا، وسيظلوا دائماً، في خندق الوطنية المصرية، وفي قلب معارك الوطن وخلف قواته المسلحة في مقاومة أي عدوان خارجي أو مخاطر تهدد الأمن القومي المصري، أو أي مخططات إرهابية.

 القاهرة في 21 يونيو 2020

المكتب السياسي للحزب الشيوعي المصري

 نشرة “كنعان” الإلكترونية .

‎2020-‎06-‎25