في ذكرى اغتيال جورج حاوي!

أحمد الناصري.

جورج حاوي، القائد الشيوعي البارز والمتميز، القائد اليساري البارع، القائد الوطني الديمقراطي، قائد كبير في حركة التحرر الوطني العربية، وشخصية باهرة ونادرة، إنه كتيبة عمل متراصة، فهو جورج حاوي المفكر السياسي والمثقف والحزبي والعسكري، جورج حاوي المسلم والمسيحي والدرزي والعلوي، جورج حاوي اللبناني الفلسطيني العربي والأممي العالمي. جورج حاوي الطاقة الديناميكية الخلاقة، جورج حاوي المحاور الكبير والمناور والمبادر والمغامر والعقل النقدي التحليلي والتجديدي، جورج حاوي الإنسان الصريح والجسور في زمن الذل والتدليس السياسي والأخلاقي العارم، جورج حاوي خزان الذاكرة المتقدة ، وصاحب الأسرار والوثائق، جورج حاوي الإنسان، لقد استهدفوا كل هذه الصفات فيك، في هذه اللحظة الحزينة.
في هذا الصباح البيروتي الطويل والكئيب، وحسب التوقيت السياسي اللبناني الخاص والحزين، التحق جورج حاوي بقافلة الشهداء الطويلة، قافلة الخاصة من البشر، فرج الله الحلو وفهد وسلام عادل وكمال جنبلاط وغسان كنفاني وناجي العلي والشيخ الجليل حسين مروه والعقل الجميل مهدي عامل والسيد عباس الموسوي والحالم الجريء سمير قصير، وكل الأسماء الجليلة في قافلة الدم والحرية والموقف والبحث عن المستقبل في آخر النفق العربي المديد، من شهداء الحركة الوطنية اللبنانية، من شهداء فلسطين، وشهداء العراق، وشهداء الجزيرة والخليج، ومن جميع فصائل حركة التحرر الوطني العربية اليسارية والقومية والإسلامية.
نفس الأصابع القذرة، التي تخرب في الظلام، تلك الأصابع التي قتلت قبل أسابيع قليلة، الشاب الجميل، والحالم الكبير، الكاتب والصحفي اليساري سمير قصير، زرعت (آسف هذه كلمة غير دقيقة، وفي غير موضعها الدقيق، فهي لا تزرع زهرة، ولا تزرع شجرة)، إنما (وضعت أو ثبتت أو نصبت أو…..) عبوة ناسفة شديدة التركيز والتدمير والقوة، كي تنسف جسد جورج حاوي الصلب، كي تهشم عظامه القوية، وكي تطيح بأفكاره الجميلة العالية، وتشطب ذاكرته المزعجة.
لقد سقط جسدك أمام القاتل، وأمام الكاميرات الحديثة، كان جسدك محايداً صامتاً مقتولاً، لكن أفكارك وذكراك وأحلامك تسلقت على حائط الوطن،فارتفعت وحلقت راية ماثلة، في موقع خاص، وتعلقت في أصابع الناس، وتغلغلت في عروق وشوارع المدينة العجيبة بيروت، بينما توارى القاتل، مهزوماً، ملعوناً، منبوذاً ما دام هناك تاريخ يسير حثيثاً إلى الأمام.
سقط اليوم جسد جورج حاوي، ذلك اليساري المعتق والصريح، والشخصية المثيرة للجدل، صاحب التمردات المتلاحقة والمتصلة، فقد تمرد في صباه على تعاليم الكنيسة، منتقلاً إلى استخدام العقل النقدي الثوري، وتمرد على ضيق الطائفية السياسية منتقلاً إلى ساحة الوطن الواسع، وتمرد قليلاً أو كثيراً على التعاليم والمساطر والتقاليد السوفيتية، وتمرد على الماركسية التقليدية منتقلاً إلى الماركسية النقدية والمنهج النقدي. وهو أول من أسس الورشات الفكرية داخل الأحزاب الشيوعية العربية، وأطلق الحوارات والصراعات الفكرية، وكان (مشاغباً) في الاجتماعات الوطنية والعربية والعالمية، ولم يكن من القادة الكسالى والخاملين، تمرد على حزبه وتحول إلى اليسار الوطني الديمقراطي، مثلما فعل بعده بسنوات العم رياض الترك، في تجربة نقدية أخرى، خاض النضال السياسي والمطلبي والفكري والمسلح، وشارك مع الثوري العالمي الحالم تشي جيفارا في حملات بناء مدن للكادحين هناك، تمسك بالحلم الوطني ودافع عنه بالسلاح، ووقف إلى جانب المقاومة الفلسطينية، وهو من رفع وتمسك بالمشروع اللبناني الجديد ، وطرح المشروع العربي الديمقراطي، وكان (يتطلع إلى المستقبل دون السقوط في أوحال الماضي) على حد تعبيره.
مارس النقد والنقد الذاتي الشامل والشجاع، بعقل مفتوح ومتجدد، ولم يتستر على الأخطاء الصغيرة والكبيرة والتاريخية التي مر بها، وراجع العمل السابق بمراجعات تفصيلية عميقة، ولخص منها التجارب والدروس. تحترم وتحب الخلاف معه، عمل كل ذلك، وأنجز ما أنجر من واجبات وأعمال كثيرة.
والراحل جورج حاوي وحزبه الشيوعي اللبناني، هو من أطلق المقاومة المسلحة، ضد جيش الاحتلال الصهيوني للبنان، إلى جانب الأطراف الوطنية اللبنانية الأخرى، وقاد هذه المقاومة منذ عام 82 حتى نهاية التسعينات، وهو لا يدري أو لا يكترث بذلك القاتل العتل الذي يخطط (بغباء وحقد استثنائي) ليقتله و (التوقيع واضح) حسب تعبيره الواضح أيضاً!
سكرتيران ثوريان من الشهداء لكل حزب شيوعي من هذين الحزبين، فهد وسلام عادل من العراق، وفرج الله الحلو وجورج حاوي من لبنان، هذا جزء من محنة اليسار وخسائره الكبيرة ومواجهاته الدامية مع أعداء التقدم والحياة.
كان وجهك مطمئناً، في مقابلاتك الأخيرة، وبدت ملامحك أصغر من تعبك، وشعرك الذي فضضته الحياة، لكن عبوة وحشية مزقت جسدك، وسقطت في مشهد رهيب.
ستبقى أعداد القتلى تتزايد في شوارعنا العربية، بالرصاص الملعلع، وكواتم الصوت، وبنصب العبوات والفخاخ الناسفة شديدة التدمير، وسجون الاستبداد الوحشي في زمن الشحوب العربي، والهجوم الداخلي والخارجي الكاسح الذي نتعرض له، حيث يغطي الذباب والبثور جلد مدننا العربية الجائعة، فقد كانت خسارتنا جسمية بفقدان الرجل الجسور جورج حاوي، وهي خسارة جسيمة لكل لبنان وكل الشعوب العربية.
فلترقد بسلام وهدوء رفيقنا جورج حاوي، بعد مسيرة شاقة وطويلة، حافلة بالعمل والنشاط، لم تترك فيها لحظة واحدة تفر من بين يديك، وكأنك كتيبة ثورية تغيرية.
للمجد الخالد جورج حاوي، وتعازينا لعائلتك ولشعبك ووطنك ومدينتك وحزبك الشيوعي اليساري الجميل، وللحركة الشيوعية واليسارية الديمقراطية العربية.

2020-06-21