أخطاء “القرآن”والصبيانوية العلمويه/1!

عبدالاميرالركابي.
يتصاغر العقل ازاء ذاته كما هو واقع في المنطقة الشرق متوسطية لدرجة مزرية، والامر هنا يظهر متعلقا بالاستيعابية، وبالنطاق او الحدود التي يمكن للعقل بلوغها او التشوف باتجاهها، في وقت يكون هو في ادنى حالات وممكنات الصعود الضروري، ناهيك عن خضوعه لهذا السبب للاطر المستعارة التوهمية، وماينتج عنه من صبيانوبة علموية متشاوفة عن جهل، ومانتحدث عنه هنا هو علاقة العقل بالمجال الحضاري الثقافي الابراهيمي بذاته ابان طور، او مرحلة استثنائية من مراحل الانتقال الكبرى الاستئنافية بدل الاستعادية، السلفية منها والقومية.
ولنأت للتقريب بمثال مستمد من سياقات علاقة العقل بالواقع كما تجلت وتتجلي في المجال الجغرافي المجتمعي الذي نحن بصدد التعرض له، ولنحاول الرجوع الى الفترة السابقة على المحمدية والقرن السابع الميلادي، حين اعلن وقتها عن قمة تجلي وانتهاء مفاعيل “النبوة الالهامية الحدسية”، وصارت من يومه في بؤرة وقلب التاريخ وخارج التاريخ والفعل قيه، بمعنى دخول المنطقة واشكال تجلي تعبيرها الذاتي طورا اخر مختلف، مقارنه بالطور النبوي المستمر من إبراهيم الى محمد، والذي نشا في غمرة الدورة التاريخية الأولى النهرية الرافدينية النيلية، وصار من قبيل الممارسة المطابقة النامة عن الكينونة في الزمن الفاصل بين دورتين تاريخيتين أي ابان زمن الانقطاع الملازم لبنية تاريخ هذه المنطقة وكمعبر عن الذاتية التاريخية والمعبر عن نزوعها الصعودي ابان زمن اللاحضور.
وقتها كانت الطاقة العقلية والتعبيرية عن الذات قد غدت متوافقه مع الاشتراطات المكان /زمنيه، الذاتية والكونيه للمجال الممتد من مابين النهرين، الى وادي النيل، بينما تكرس التعبير النبوي الالهامي الحدسي باعتباره الوسيلة االملائمه والمناسبة للحظة المنوه عنها، ومع تتابع المحطات النبوية الجزئية، أوالرسالية القرائية الكبرى ( الموسوية، العيسوية، المحمدية)، فان نمط وصيغة وعي الواقع، واللحظة، حدسا، كما اشترطته البنية، كان قد صار من قبيل الوسيلة المتطابقه مع كينونتها مكانيا / مجتمعيا وزمانيا، وابتداء من إبراهيم الى محمد، لم يكن مطروحا على صعيد الوعي، أي شكل من اشكال البوح عن الذات سواه، وهذا ينطبق على العموم وفي الجوهر،و بغض النظر عن التفاصيل والاشتراطات المكانية التاريخية،ونوع الظروف المحفزه الانية في حينه.
ونحن نتحدث عن بنية تعبيرية تكاملت مع الزمن، وضمن طبيعتها ونوع سيرورتها، سواء كوسيلة ابلاغ، او نمط اعلان ومصدر تبليغ، وعلاقة بالمصدر الأعلى المعتمد كأساس الرؤية، ناهيك عن نوع الفعل، بمعنى مايمكن ان يسمى بحسب المفهوم المتعارف عليه اليوم “ايديلوجيا”، هي بالاصل والاساس نتاج بنية وكينونة مجتمعية قاعدتها الازدواجية، واشتراطات اللادولة والمجتمعية المتعذرة التجسد ارضويا، مع كل مايمكن ان تتميز به من ملامح ومكونات لاارضوية، بالمقارنة باشكال التعبير والكيانية الارضوية الأحادية المقابلة، بما قد انتج شكلين من المقاربة، أي جعل التعبير الذاتي هنا ازدواجيا، السماوي منه الأكثر فعالية لحاجته للتجسد بلا مقابل فياس مادي ملموس، بمقابل اشكال الرؤية والمفهوم الارضوي الأحادي البديهي غير المضطرلمجهودات خارقة لاجل تكريس ذاته كنموذج.
في هذا السياق التاريخي ونوع التصيرية المواكبة، تقع المحمدية ضمن لحظة خارقة واستثنائية على الصعد التالية المادية قبل الايمانية:
ـ كونها حررت المنطقة من وطاة احتلالين امبراطوريين، استمرارهما كان سيلحق المنطقة بهما، أي بالوثنية الغربية، والزرادشتيه الفارسية، على حساب الابراهيمة، وماهي صادرة ونامة عنه كينونة وبنية، أي لامنطقة حضارية وتاريخية شرق متوسطية تاريخيا بدون الابراهيمية المحمدية الجزيرية.
ـ بعث وأعاد استئناف مع صعود ملائم للدورة ألاولى التاسيسية،من ضمن اليات متوالية زمنية تاريخية، على صعيد المجتمعات البشرية، والظاهرة المجتمعية بعد التاسيس الرافديني الأول، ومقابلة النيلي، مااعاد بالطور العباسي القرمطي الانتظاري، للحضور الرافديني الامبراطوري الازدواجي الكوني، بعد البابلي الاكدي، مكانه على مستوى المعمورة، اثر تحرير الفتح الجزيري للاليات البنيوية المعطله لاسباب بنيوية تاريخية، وبفعل وطأة الاحتلال الفارسي، وحلول الدورة التاريخيه التصيرية الثانية، التي سيكون من اثارها وقوة مفعولها تحريك النهوض البرجوازي التجاري الغربي الأوربي، وتسريع تراجع الطور الاقطاعي لصالح البرجوازي الالي.
ـ حدوث هذا الزلزال التاريخي اعجازيا على يد موضع هو الأدنى بنيويا ومكانا، في الاقصى الصحراوي المختنق بالاحتلال الفارسي الر وماني، لافي الموضعين النهريين الأعلى تكوينا بنيويا من ناحية الافتراض، وحسب بداهة المقارنه “ماديا ظاهريا”، مايضع الحدث الجزيري حتما بخانة الاعجاز الذي بلامثيل اطلاقا على مستوى التاريخ البشري، لمجموعة من مائة الف بدوي من الحفاة خرجةا من صحرائهم ليفتحوا عالما يمتد من الصين والهند، الى قلب اوربا خلال اقصر مدة يمكن تصورها، بعد ان ازالوا من الوجود امبراطوريتين من اعتى وارسخ امبراطوريات التاريخ.
ـ ليس هذا وحسب، فالفتح المشار اليه مايزال قائما الى اليوم، والحق مدى جغرافيا هائلا بصورة دائمه بالابراهيمية، رؤية الشرق المتوسطي، لتكمل الدائرة عالميا بعد اوربا الأسبق المشموله بالمسيحية، وصولا الى أمريكا اليوم، يوم تم غزوها من قبل البيوريتانيين بشعار “سنبني مدينه على جبل” الابراهيمي الشرق متوسطي، ولتكتمل “الإمبراطورية العظمى” الابراهيمة حضورا على مستوى المعمورة، وتستمر الى اليوم، لاكما اشتراكية ماركس ولنين التي غابت عن الحياة خلال اقل من قرن ونصف، بينما اكثر من مليار ونصف من المسلمين مازالوا يدينون بدين البدو الحفاة، والامبراطورية الازدواجية الرافدينية، وبغداد التي اقامت المركز الكوسموبوليتي للشعوب الشرقية، وظلت عاصمة لنظام الريع التجاري الكوني لخمسة قرون، صهرت ابانها شعوبا وقوميات لاتحصى ضمن منظومة اقتصادو مفهومية، الى ان غدت تعبر عن ذواتها بدين الصحراء وامبراطورية الازدواج.
ـ تيدو المحمدية تحققا كسناريو محكم من الصعب مقارنته باية حالة او مثال. يبدا بالعقيدة ومحاولة وضعها موضع التداول مكيا، وسط صراعية مع القبيلة، الأساس المجتمعي، والخلية المجتمعية التاريخية التي لم تعرف من قبل اطلاقا مايتجاوزها، او يخلخل حضورها ودورها الحاسم، ضمن، وتحت احكام اقتصاد الغزو الجزيري، والاحترابية/ الحياتية التي ترضع مع حليب الأمهات، ماجعل المجتمع الجزيري قنبلة احترابية، لاقبل لاية قوة بها في زمنها، وجعل من نقل المجتمع من القبيلية الى العقيدية عملا جبارا، اعجازيا هائلا، تحقق على يد النبي محمد منفردا خلال عشرين عاما، قلب خلالها القبلية واخضعها للعقيدية، ليصنع مجتمعا عقيديا احترابيا استثنائيا، مستدا الى التازم القبيلي الأقصى المتولد عن الحصار والخنق الفارسي بالدرجة الأولى، ومعه الروماني.
كل هذا قد حدث ب ” كتاب” مليء بالاخطاء اللغوية كما يقرر علماء “فطاحل” يثيرون السخرية والتندر الايماني العلموي، الواقع في قعر الجهالة المنطقية والعقلية، بينما هم يحكمون على النص لامن حيث ” فعاليته” التاريخية الكبرى، بل من ناحية بنيته، من دون ان يخطر لهم على سبيل المثال اذا كان مايرونه “خطأ” هو عين الحقيقة الخافية التي تقع خارج قدرتهم على الإحاطة، بما في ذلك وقائع بسيطة من نوع:
ـ كون اللغة العربية نشات بالقران، وانها لم تكن قبلة كيانا لغويا مكتملاـ بل أداة تفاهم شفاهي ـ، لم تعرف قبل القرآن أي “نص” نثري، ماقد جعل الإمكانات التقنية الكتابية مادون لغوية، او تنتمي لحقبة الشفاهية، وهكذا يكون القرآن كنص قد أدى بالإضافة لدوره العملي الانقلابي الاعجازي الهائل مقارنه بمؤلفات ماركس ولنين الحديثة المعاصرة “العلمية”كمثال، مع الفارق المهول بين روسيا واوربا مقارنه بالجزيرة الصحراوية وزمنها، وماقد حققه النص الأول واستمر يؤديه الى اللحظة الراهنه، مقارنة بماانتهى اليه التنظير “العلمي” وترديدات الببغاوات له.
لم تصبح اللغة العربية لغة مكتوبه الا في البصرة والكوفة، في المكان الذي اكتشف الكتابة اول مرة في التاريخ وعلمها للبشرية، هنالك صارت تقنن نحوا وبلاغة وعروضا ورسما، بالتداخل والتفاعل مع النص التوسطي القراني، بين طورين ومرحلتين لغويتين. الامر الذي يوجب على العقل الحي ان يضع باعتباره مسارات هذا التشكل الحيوي، وتفاصيله، وطرق تحققه وتجليه وتعرجاته، بدل التناولات الغبيه السطحية، المفعمه بروح الجهالة “العلموية” لفظا.
اقرا أحيانا ـ أذا قرات ـ سفاهات متنطعين يهرفون معددين مايعتبرونه “أخطاء”، بعد فصلها عن لحظتها، زمنها واشتراطاتها، وفعلها، بشريا وجوديا ، وتاريخيا، واسباغ ماليس منها ولايتفق لا مع اشتراطاتها او ظرفها ودلالات حصولها، ولا مع ماكان قد تولد عنها، وكانت الحافز الذي منه تاتى مايعد اليوم صوابية وكمالا، فاتذكر ان محمد كان “اميا” شفاهيا وان امته الجزيرية اميه مثله وشفاهية ماقبل لغوية ، جاء هو ليمنحها الذاتية ووعي الكينونة كمجتمع لادولة احادي احترابي مختنق، لغته ماتزال شعرية دون كتابية، معه وبه حققت الكمال والكونية، فيعود بي الخيال الى نفس أولئك الحفاة الذين فتحوا العالم بسيوف صدئة، وقرآن مادون كتابي، ماتزال الشفاهية تسيل من جنباته، ومن بين قرائح اهله ومن دونوه بعد ان كاد يضيع*.
ـ يتبع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• القران من دون شك معجزة محمدية لرجل امي في مجتممع امي شفاهي، اكمل صيرورة لغة وهو موضوع باشتراطات ماقبل لغة، ليظل مصدر ايمانية لالف واربعمائة عام، كان وراء دورة تاريخية كبرى فاصلة أوصلت العالم الى العصر الراهن، اعتورت وجوده وتصيره ضمن عملية تشكل دعوته، معاجز متكررة على مستوى الايمانية والاشتراطات المجتمعية وانقلاباتها، مايجعل منه اهم منعطف تاريخي واقعي وعملي شامل وكلي الحضور والفعل، مع مايحتويه من “أخطاء”، تقرأ على انها احدى دالات اعجازيته الفذة بعد التيقن من الوحي بالجنان لرجل امي شفاهي، أوالوحي غير الممكن باللسان بسبب التباين المتوقع مع المحيط الذي هو منه، بعد اللجوء الى العقل الفاعل، لا المدعي الببغائي الخامل.

2020-06-12