ذكريات من زمن الفدائيين…..5!

أبو علاء منصور.
انفصام….
بعد انعقاد مؤتمر مدريد عام 1991 وربما قبل ذلك بقليل، بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تسمح لكوادر مناضلة من الداخل -من مختلف الفصائل- بالسفر إلى خارج فلسطين والاجتماع بالقيادة الفلسطينية. شيء رائع أن يتنسم المناضلون هواء الحرية، وأن يلتقي الداخل بالخارج. فالغالبية العظمى من القادمين من الداخل، أسرى قدامى ومن قادة انتفاضة الحجارة. كنتُ فرحاً بلقاء اخواني المناضلين، ففيهم رائحة الوطن والانتفاضة والمقاومة السرية. قبل ذلك تعرّفتُ على غالبيتهم عبر الرسائل التنظيمية السرية باعتباري من المسؤولين عن تنظيم فتح في الأرض المحتلة. كانت اللقاءات حميمية وعاطفية بصورة لا تكاد تُصدق، وحرصتُ دائماً على مرافقتهم إلى تونس لمقابلة أبو عمار والقيادة عموماً.
في إحدى الزيارات إلى تونس وكان ذلك بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، التقينا فاروق القدومي -أبو اللطف- فاختار القادمون من الداخل رفيقاً لهم للنطق باسمهم، فخاطب الشاب أبو اللطف بحماس:
_ كنا نحلم أن نرى وزير خارجيتنا -أبو اللطف- يقف بجوار شمعون بيرز وزير خارجية إسرائيل، ويوقع معه اتفاق أوسلو في واشنطن.
رد أبو اللطف حزيناً:
_ لم يراود ذهني مثل هذا الحلم في يوم من الأيام، وإن مرّ على خيالي، فكان كابوساً. لطالما حلمتُ بفرح لا يوصف بتحرير الوطن، كنتُ أراه حلماً محققاً.
أدى البعد بين الداخل والخارج الى خلق صورة عاطفية متبادلة، مشوشة ومشوهة في كثير من الاحيان. وتسبب اتفاق أوسلو باضطراب وانفصام فكري لدى كثير من المناضلين، فلم يعد بعضهم يميز الصحيح من الخطأ، ربما على هذه الخلفية وضع البعض الزهور في فوهات بنادق جنود الاحتلال في رام الله. أمراض تصيب النخب، أما الشعب فأبعد نظراً ولديه مناعة.
في مرة أخرى، كنا نتناول طعام الغداء في منزل عباس زكي في عمان -مناسف- جاء أبو عمار من مطار الملكة علياء مباشرة، للاجتماع بالقادمين من الداخل فقال معلقاً على الغداء:
_ مش حرام عليكم أهلكم مش ملاقيين الخبز في الانتفاضة -في الداخل- وأنتم تأكلون مناسف؟!
رد أحد القادة:
_ والله معك حق يا أخ أبو عمار.
استفز الرد منذر ارشيد فقال للرجل:
_ والله إنك ما بتستحي! صار لك ساعة بتوكل وبتقول المنسف زاكي، ولما حضر أبو عمار انطلق لسانك بالنفاق! عيب!
وفي الذكرى الأولى لاستشهاد أبو إياد وأبو الهول وأبو محمد العمري، أقيمت ندوة فكرية في أحد مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية بتونس وكنتُ حاضراً. تحدث أبو اللطف عن مناقب الشهداء وتعقيدات المرحلة، فنهض أحد الحضور وقال بحماس:
_ أظن أن الوعي القيادي الفلسطيني كان غائباً يوم اتخذ قرار تقسيم فلسطين عام 1947، لو وافقت القيادة الفلسطينية على ذلك القرار، لأصبح لدينا دولة فلسطينية منذ زمن، واختصرت القيادة على شعبنا عقوداً من التضحيات والآلام.
رد أبو اللطف مستفزاً وبحزم:
_ لقد كان الوعي الفلسطيني حاضراً وكاملاً، وكان هناك قيادة فلسطينية مناضلة. يومها كنتُ في العاشرة من عمري، وكنا نجوب شوارع نابلس هاتفين: (سيف الدين الحج أمين). من قال أنه لو قبلت القيادة بمشروع التقسيم لحصلنا على دولة؟ هذا وهم يتداوله البعض في مراحل الهزيمة، نتاج هزيمة.
قصدتُ من رواية هذه الحوادث أن أقول: زمن الفدائيين ليس كله فدائيين، وفي عصر اللافدائيين هناك فدائيون. الجهتان موجودتان دائماً، والهزائم كما الانتصارات تصيب الرؤوس بالدوار وربما تتسبب بالانفصام.
مع تحيات أبو علاء منصور

2020-06-12