عن الاحتلال والاتفاقية السابقة…!
العار واتفاقية العار…
الموقف الوطني من الاحتلال…

أحمد الناصري.

كنا نقرأ ونعرف ما يدور في عقولهم ونفوسهم الضعيفة…

أبدء بسؤالين بسيطين وواضحين، لكن أساسين، من جملة أسئلة أساسية وتأسيسية كثيرة، عن الاحتلال والعملية السياسية الأمريكية، وعن المعاهدة، لمعرفة وتقرير ما جرى، وللإمساك بالنتائج الأخيرة وأسبابها. من هو من الأسماء أو من الأحزاب والحركات والمرجعيات الدينية والفكرية والسياسية، الموجودة في معزل المنطقة الخضراء، أو في أطرافها وحواشيها، أو من المشاركين والموافقين، (في وعلى العملية السياسية الأمريكية)، سواء في الداخل أو في الخارج، رفض ويرفض الاحتلال ونتائجه، ثم المعاهدة الأمريكية بشكل واضح وكامل، أو على الأقل يستطيع تعديلها، بما يضمن المصالح الوطنية؟ وهل هناك إمكانية حقيقية وأكيدة لضمان المصالح الوطنية أصلاً، في ظل الاحتلال الاستعماري لبلادنا؟ هذان السؤالان الأساسيان، يطيحان ويسقطان كل الدعاوى الفارغة حول فوائد أو شرعية المعاهدة في ظل الاحتلال.
لقد فرضت المعاهدة الاستعمارية على بلادنا، كما هي، نصاً وروحاً، وفق النسخة الأمريكية الأصلية الأولى، ووفق الشروط والتسلسل والتخطيط الأمريكي، وقبلها ووقعها مجلس وزراء الإدارة المحلية التابعة للاحتلال، في لحظة نادرة من لحظات الخنوع والاستخذاء، كما توقعنا وتابعنا وكتبنا منذ البداية، مثلما فرضت ومررت أمور كثيرة أخرى. وهكذا يذهب الموقعون والباصمون، بأرجلهم وأقلامهم، ببساطة وخفة ومهانة، قل نظيرها في التاريخ، الى اكتساب صفة العار الأبدي، بصورة تطوعية أو شبه تطوعية، ذلك العار الذي لا يشبه ولا يقارن بعار آخر سبقه، ولا يمحى ولا يزول.. هكذا يسجل البعض من الراغبين أسماءهم في سجل العار وفي القائمة السوداء الطويلة، بطريقة رخيصة ومبتذلة ومذلة، لمنافع طائفية وقومية ضيقة وحزبية سخيفة، ولخدمة إستراتيجية العدو الخارجي، وهم يدوسون فوق المصالح الوطنية الأولية. لا تنفع في هذه الحالة، التبريرات والشروح والمتون والتوضيحات، وقد سقطت وتوقفت دفعة واحدة، منذ الوهلة الأولى، فكل شيء واضح ومكشوف ومعروف ومفضوح، ولا يفيد التأخير أو التقديم، أو التشويش والتهويش، ولا تنفع المرافعات والدفوعات الهابطة من قبل بعض القابضين والمنافحين عن المعاهدة، ومحاولة خلط الأوراق، وقلب وتغيير الأسماء والمعاني، والتلاعب بالوقت والتسميات، وإبدال حروف الجر والعلة، والقيام بهجمات وإطلاق اتهامات استباقية جاهزة وبائرة للطرف الرافض للمعاهدة، والصمت على خيانة وخسة من يطالب بها، أو المطالبة بإجراء تعديلات شكلية تافهة، لا تغير من جوهر معاهدة أو اتفاقية العار والخنوع. فالعلة والمشكلة ليست هنا، وهي بكل تأكيد لا تكمن في كل هذه التفاصيل والشكليات، والثرثرة واللغو الفارغين في المؤتمرات وأمام الكاميرات، ولا في الآراء السقيمة والفجة التي قالها الجميع في الصف الآخر. المشكلة الرئيسية تكمن في الاحتلال وجوهره واستمراره من خلال المعاهدة أو بدونها. تلك هي المشكلة التي يواجهها شعبنا العراقي، والتي تواجهها الحركة الوطنية الجديدة، الرافضة والمقاومة للاحتلال.
لقد حددنا موقفنا الوطني الواضح والثابت من الحرب والاحتلال والاتفاقية المذلة المفروضة على شعبنا ووطننا، ومن كل الخطوات والجرائم التي مارسها وأرتكبها الاحتلال في بلادنا، والمشاكل العميقة والرهيبة التي خلقها.
بالنسبة للمعاهدة فقد رفضناها رفضاً تاماً وقاطعاً، مع التعديلات أو بدونها، باعتبارها معاهدة غير قانونية، وغير طبيعية، بين بلد محتل وآخر يرزح تحت الاحتلال، وفاقد للاستقلال والسيادة الوطنية، ويراد منها تكريس وتشريع وتنظيم لوجود الاحتلال طويل الأمد على أرضنا الوطنية، وهي الوجه الجديد والحالة الجديدة لوجود واستمرار الاحتلال. وتوقعنا منذ البداية مراحل وخطوات فرضها وتوقيعها في النهاية، كما هي، وكما أرادها المحتل، بفكرتها ونسختها الأصلية. وأن موضوع التجاذبات والتعديلات التي طالبت بها الإدارة المحلية التابعة للاحتلال، هي من باب العروض الشكلية والمزايدات الإعلامية الرخيصة، لا قيمة حقيقية لها، ولا تعني أحداً غير الطرف الأمريكي والطرف التابع له. بالمناسبة لدي سؤال رئيسي، أرميه بوجه الإدارة المحلية وازلامها وأحزابها الطائفية والقومية ووسائل إعلامها الرخيصة، على شكل تحدي، أن يعرضوا وينشروا الفروق والتعديلات التي جرت بين النسخة الأولى والنسخة الأخيرة، التي طرحها وفرضها المحتل عليهم؟ أعرف الجواب، أنه لاشيء مهم وذو قيمة على الإطلاق. وما قيمة المطالبات والجدل والتأخير، ما دام جوهر النسخة الأصلية قد فرض كما يريده المحتل؟؟ وليكشفوا لنا ملاحظات وآراء كل طرف، لنعرف مواقف أحزاب وشخصيات طائفية ومرجعيات دينية من هذه القضية الحساسة والخطيرة؟ لكن ماذا بيد العملاء الصغار غير الخضوع والخنوع والقبول في النهاية وكما توقعنا؟
نحن لا نريد أن نناقش المعاهدة من حيث قبولها أو عدمه، فهي مرفوضة جملةً وتفصيلاً، باعتبارها مولود الاحتلال المسخ وانتهى. لذلك لا ننجر أو نسقط في مناقشة بنودها وتفاصيلها أو نبحث عن سلبياتها ونواقصها، وهو ما يريده الطرف الآخر. فهي جريمة جديدة وخطيرة بحق الوطن، وفق المنظور الوطني. لكن يبقى من حقنا الثابت والدائم، فضح الاتفاقية وأطرافها وأغراضها، والمستوى المشين في عرضها وتداولها، ولغة الترويج لها ومحاولة فرضها، من قبل المحتل الأمريكي أو الأطراف المتعاونة معه والخاضعة له، خاصة الأحزاب الكردية، وطريقة تعاملها المبتذل والمهين، مع المعاهدة، حيث لم تبد أي موقف أو ملاحظة ولو بسيطة أو صغيرة، لتوفير شروط أو مصلحة داخلية أو محلية، ولا أقول وطنية أو قومية، بدل المزايدة السلبية والتدافع والتهافت المعروض، والقبول بالنص الأمريكي، كما هو، من دون أدنى تعديل أو اعتراض أو مناقشة، وهو ما لم يحصل في أحط وأقذر التجارب المماثلة حول العالم!
لقد لحق العار الأبدي، بكل من أيد الحرب والاحتلال، أو سكت أو أتخذ موقفاً نصفياً متردداً من محنة الوطن الجديدة القاسية، من السياسيين والمثقفين، الذين أصيبوا بلوثة التواطؤ والقصور، ومارسوا الخنوع والخداع الذاتي والجماعي، وحالوا نشر الوهم والتدليس، وخلط الأفكار والمفاهيم بطريقة مفتعلة، من خلال الارتباط بجهات ومؤسسات أكاديمية وسياسية ومخابراتية، تعاقدت معهم ودفعت لهم أجوراً كبيرة ورصدت لهم أمولاً طائلة، في عواصم وأماكن وأساليب معروفة، وفق خطط ومراحل عديدة، حسب تطورات المشروع الأمريكي. لذلك فنحن لا نتعجب من المواقف الجديدة المتهافتة من المعاهدة، ومحاولة تصديرها وتسويقها، أو من أي خطوة ومشروع يطرحهما الاحتلال. كما كانت المواقف من الحرب والاحتلال ومجلس الحكم وما سمي (بالعملية السياسية الأمريكية)، والدستور والانتخابات والفدرالية الانقسامية وصحوات المرتزقة وفرق الموت والسجون والفساد والفشل الاقتصادي والخدماتي، وديمقراطية الدم والتخلف والطائفية والمرجعيات الدينية. حيث إننا نواجه إدارة الاحتلال المطلقة لبلادنا، بكافة المجالات والميادين، في ظل سقوط وانهيار الدولة الوطنية، وضعف وعجز السلطات التشريعية والتنفيذية، ومنع الرأي العام من ممارسة حقوقه بواسطة الحجر الطائفي والمصادرة القومية الضيقة، وخراب وتشوه القضاء، وخضوعه المباشر للاحتلال، وللسلطات التنفيذية المحلية، التي تتدخل بكل شيء، وبأساليب قسرية متخلفة. إن كل شيء بدء مع قبول الحرب ونتائج الحرب والاحتلال، والمشاركة في العملية السياسية الأمريكية، في ظل انعدام السيادة والاستقلال الوطني، وفرض المعاهدة العسكرية للسيطرة طويلة الأمد على بلادنا.
إن مأساتنا كبيرة وشاملة، لها تداعياتها ومضاعفاتها المستمرة، وهي ليست حدثاً ثانوياً أو عابراً، من خلال مقاربة ودراسة النتائج الرهيبة. لذلك فالموقف مما جرى يمثل معياراً قيمياً دقيقاً ومؤشراً على نوع الوعي، الوطني أو المزيف، والموقف الذي يتخذه الفرد العادي أو المثقف. ومن هنا، فمن العار أن تقف الى جانب العدو أو تصمت عن مأساة وطنية من هذا النوع والحجم.
الأزمات والتغيرات السياسية والاقتصادية والمالية الأمريكية والعالمية عميقة وكثيرة، وهي ستنعكس على الوضع العراقي وعلى الوضع العربي، بالترابط والتفاعل مع الموقف الداخلي الوطني المتصاعد، لإيقاف العدوان والإرهاب الأمريكي الشرس على بلادنا، بطرد الاحتلال ومعالجة آثاره وآثامه، بما في ذلك المعاهدة الاستعمارية واستعادة الثروات الوطنية المنهوبة، لكن ذلك الانعكاس لا يكون تلقائياً أو ميكانيكيا، ولا يكون بسيطاً أو حتمياً.
كنا نقرأ ونعرف ما يدور في عقولهم ونفوسهم الضعيفة والمريضة، وكنا نقدر ونتابع ما جرى وما سيجري، وما وقع وما سيقع. وذلك جزء من فضيحتهم ومحنتهم المستعصية مع الناس ومع الوطن والمصير والمآل والتاريخ.

2020-06-12