بانتظار(الانسان/العقل) الذي لايموت؟


عبدالاميرالركابي.
يرد في القرآن قول ملفت نصه : “كل نفس ذائقة الموت”، وليس كل من ذاق شيئا تغلب عليه ماهو ذائقه، بمعنى ان من الممكن ان نذوق الموت ولانموت، وقد نمر به،او حتى نعيشه، على الأقل تلك اشاره لبست أحادية ارضوية صافيه، فهي قد تترك وان عجز المفسرون عن مقاربة كنهها، مسافة بين الموت واحتمالات المرور بالموت،او عبوره،بعد زوال مسبباته. هذا يعني أيضا، ان ليس ثمة مايمنع من تعدد اشكال، اومراحل مثل هذه النتيجه او النهاية، او مايبدو مقدرا ونهائيا.
وتبقى تلك واحده من اكثر المناحي الحيوية غموضا وبعدا عن الإحاطة، على الرغم من وطاة الموت وثقله الممتزج بقدر من الجبروت القاطع الذي لايرد، وهذا واضح في الحياة المجتمعية على امتدادها وطول مسارها، اذ لم يسبق ابدا ان عرفت ملامح اعتراض او ثورة ضد هذا القاهر القدري، ماعدا لمرة واحدة، وكتاكيد على خصوصية بنية ارض مابين النهرين الازدواجية التحولية، مادعى توينبي لان يقول بان حضارة مابين النهرين لو لم تكن قد اعطتنا سوى ” ملحمة كلكامش” لاستحقت منا كل تقدير واجلال”، ان معاندة الموت تقتضي افتراض مخرج، هو في الحالة المنوه عنها من مستيحلات المستحيلات، لولا ابتكار مسرب الخلود، بمعنى البقاء او الاستمراراللانهائي، حيث يمكن النظر للجماد، او النهر، او السماء، واي من الثوابت على الأرض او حولها، والاحالة اليها: شيء باق وثابت لايفنى ولايزول، يجري اسقاط حالته على الكائن الحي بعد استيلاد عنصر المشابهة اللغوية الدلالية.
لكن كلكامش يبدا أصلا مهزوما، وكانه وجد لكي لاتبقى منه سوى المحاولة، وامراة الحانه تستقبله عائدا لتصيح به “كلكامش ماتبحث عنه لن تجده ابدا” وليست هذه فرضية نهاية، فالملحمه لاتكون او ليست من نوع ابتناءات الكائن البشري المفتوحة النهايات، انما هي ولابد ان تبدا مغلقة ومستحيله، مع ترك احتمالية او شبح مخرج تترصده عادة أسباب إعدامه، مابين العشبه : عشية الخلود، والحية، ومن يومها اقفل هذا الباب، لم يطرا ابدا وعلى مدى الاف السنين مايستوجب، او مايحفز إعادة المحاولة، او تجديدها ضمن اشتراطات مختلفة، او مع احتمالات تعيد وضعها خارج النهايات المقفلة.
هذا وقد طرأ اكثر مايمكن من تكريس الهزيمه الكلكامشية بصيغة بنائية محكمه، خلودية ايهامية، تكرس الموت كبداية تصل لتحوله الى غاية وهدف من عالم وحياة أخرى، هو من دون شك اكثر اشكال احتواء معضلة الموت فعالية، حيث الهزيمة والحالة هذه مبررة بالاستطالة الأخرى، بالاخص اذا كانت القوة العليا قادرة على “ان تسوي بنانه”، واذن هي قاصدة وقادرة على ان تعيده لحالته الجسدية، بما يحول الموت الى محطة وحالة انتقال وعبور، من الصعب على الكائن البشري ان لايجبر نفسه على الاقتناع بها، محوا لوطاة الموت كمجهول قاهر، وكافق غامض وعدمي، من المستحيل تفسيره، هذا غير ماتلقية الرؤية السماوية من تحد يجعل من مسالة الوجود الحياتي، نوعا من اصطراع ضروري وقصدي الهي ارضويا، لتاكيد العالم، او الحياة الأخرى، وتبربرها بقدر مايمنحها من أسباب الموثوقية والصدق.
سيطول طبعا هذا الاطمئنان المعيب، لكي يجسد القدر الهائل من قوة الحاجة الى مهرب من قضية ثبت ابتداء انها من دون حل، ومحبطة كليا، مادام العقل واقعا تحت سطوة الجسد، وقتها يصير من البديهي النظر الى الموت الجسدي، على انه موت الكائن البشري، لاموته ضمن اشتراطات بعينها من تاريخ صيرورته، خصوصا اذا كان كما هو الحال، كل منظور العقل المتاح في حينه، مصاغا على نفس الوتيرة والايقاع، الامر الذي تعززة وتجعله نهائيا، حتى على صعيد الأفق والمتوقع، يوميات العيش، ومايتصل بادامه الجسدية من منتجية وشكل علاقات، وقتها لن يكون بمقدور الكائن الحي، حامل العقل وان ضمن الاشتراطات الحيوانية، ان لا يؤقلم ايمانيته بالتفريق الوجودي الأرضي السماوي، وبتقسيم الممكن الى عالمين، انما وحتى من دون الانتباه الى صلة التملص من الموتية الجسدية، بالانقلاب الحياتي الوجودي، أي كون الموت هو حتم ضمن شروط حياة الكائن الانسايوان حصرا.
وبما ان الثنائية غائبة تشخيصا ضمن كينونة البشر، اذن فلن يلوح في الأفق احتمال تفاعلية ازدواجية داخليه، ومع الطبيعية، لها انعكاس ما على تطور الثنائية، بحيث يصل الامر الى مايقرب من تغير في المواقع والادوار، لصالح العقل على حساب الجسد، وبالذات باعتبارذلك من نوع الصيرورة الطبيعية، من الحيوان، الى الحيوان المنتصب حامل العقل مع غلبة جسدية، ومن ثم وأخيرا، الانتقال الى بدء وسيادة الغلبة العقلية على الجسدية وظهوراولى ملامح “الانسان” المختلف حياتيا وشروطا اختلافا كليا.
فرضية مثل هذه قد يمكن تخيل افاقها ومايمكن ان ينتج عنها، لكن قبلا ينبغي الاقتراب من حوافها، مايعني القفز داخل الثابت بين عالمين ومحطتينن، بمايوجب حتما نسيان افراضات دارون عن “اكتمال العضو البشري وتوقفه عن النمو” وقد اخطأ فوضع العقل بين “الأعضاء” ومن جملتها مع اليد والاقدام، او غيبه فيها، بدل ان يفصله عنها لغيريته البنيويه، ومن ثم ان يذهب منطقيا لتصور “نشوئية عقلية”، بحيث يصل لحد القول بان العقل حين يوجد في الجسد الحيواني، فانه يكون في حالة تصيّر عبر، ومن خلال الجسد، الذي ينتهي دوره في النمو والتحول. الى ان يحل عالم المجتمعات، و تحل ساعة الانتقال عبرها الى مابعد مجتمعية، ومابعد جسدية حيوانية، أي النظر للمجتمعية كمرحلة تصيريّة عقلية اخيره، وسيلتها المجتمعية، باتجاه نمو العقل لحين تخلصه من وطاة الجسدية، والتحرر منها الى زمن تحكم العقل بالجسد.
هل يمكن تخيل شكل الحياة والوجود الإنساني بعد المجتمعية، ابان بدء تخلص العقل من وطاة وهيمنتة الجسد، يبدو لنا أولا انه سيكون من البديهي ذهاب العقل الى وضع استراتيجية لوجوده قائمه على التحرر النهائي من ربقة ماقد حكم عليه مؤقتا، ولاغراض تصيرية استقلالية، ان يحل فيه، ويقع تحت اشتراطاته، مثلما سيصبح التحكم بالاليات الجسدية امرا يوميا، وانشعالا تكتيكيا واجبا، وكل هذا ونحن بالطبع لن نكون وقتها مانحن عليه اليوم من حيث الطاقات العقلية، وقدرات الاجاطة، ومن ثم نوع العوالم الملائمه التي يتم التخطيط لبلوغها، وحينها وبمساعدة ماتوفر من خبرات الماضي ووسائله، وبالذات منها التكنولوجية، لن يكون الجسد بحاجة لاختصاص تدخلي خارجي من نوع المعارف والممارسات الطبيه، حيث يتوقع ان يتكفل العقل بذاته بالسيطرة والتحكم باليات الجسد، ومساراتها مكتشفا ماليس بالقدرة معرفته او تخيله الان، وبعد زمن مايعرف ب “السيطرة على الطبيعة”، ندخل “زمن السيطرة على الجسد”، ولكن مع الطموح لاعادة تشكيله، بما يبدل كليا الممكنات الضرورية للبقاء، مثل الغرائز واشباعها، او الحاجات الجسدية الحيوية المباشرة.
ولابد من تخيل عالم ليس بحاجة لوسائل مواصلات، أي انتاج القطارات، وربما الطائرات والسيارات التي يتوقع لها ان تدخل زمنا يجعلها كما هي حالة وسائل النقل الحيواني اليوم، والاغلب المتوقع ان لايكون للتلفون ضرورة، وكذا الملبوسات التي سيتغير شكلها ومصدرها ووظيفتها، وكما سيكون حال العلوم القائمه على احتساب الجاذبية، او الزمنية، والكتلوية الانشتاينية، او الكهرباء والطاقة، والهندسه المستعملة في البناءاءات والاعمار، والطرق، وصولا الى المدن نفسها ومن ثم الى المنزل، وبالطبع الى المقابر التي لن يكون لها من ضرورة تذكرفي حينه، او انها تعتبر من قبل ماهو على وشك الانمحاء، مع تراجع قوة الموت الجسدي.
ذلك ماسيكون اهم اهداف المرحله القادمه، مابعد المجتمعية، حيث تنامي الطاقة العقلية الخلاقة وتضاعف نطاقاتها وافقها، أي تعير الكائن البشري ومغادرته لحظة وزمن الجسدية والموت المرافق لها، بينما تحل ممكنات التحكم بالبقايا الجسدية، وحينها يكون كلكامش منشغلا بالبحث عن ” الحامل البديل”، أي ذلك الشكل او النوع مابعد الجسدي، القابل والملائم لحمل العقل بدل الجسد، سواء بالاستقلال المطلق ووعي الذات بالذات، او بابتكار وسائل توسطية انتقالية و ” تكنولوجية لاغية للتكنولوجيا” والاهم من كل هذا في رحلة كلكامش الثانية مابعد المجتمعية، هو البحث عن السكن السماوي الكوني، وسبل التعامل معه، واكتشاف ممكناته والياته، وقتها بالطبع ستكون وكالة ناسا، ومجهودات الذهاب الى، او الغزو الالي للاكوان العليا، قد غدت من بين الألعاب التي يتسلى بهااطفال ذلك الزمن ( اذا كان ثمة أطفال في حينه )وهم يتضاحكون من فهاهة العقل وصغر العقل الذي كان خلفها واوجدها.
يمكن الى حد ما، تخيل مستوى الطاقة العقلية المتولدة حينها ( الانسان يستعمل حاليا 10 بالمئة من طاقته العقلية المتوفرة له)، وحدود الاستيعابية المستقبلية مافوق الجسدية، الهائله الجبارة وهي تتنامى صعدا، بما يتلائم مع الإيقاع الكوني، وتناسبات الكون العليا مع ماهو بانتظاره أصلا من صعود عقلي ظل كامنا في الكوكب الأرضي، بما يشمل تجليات نوع الكون، او الاكوان العليا المرئية، واللامرئية، ما يمكن ان يطرح للتحري مسالة “الموت الجسدي” السابق الذي وقع على الانسايوان الموجود حاليا، والبقايا العقلية واحتمالاتها، أي اذا كانت قد بقي مايدل عليها في مكان ما من الكون، وإمكانات استعادتها بحسب الضرورة والحاجة كونيا، واذا كانت قد جرى احتسابها بالاصل، بما يتلائم مع الأغراض الكونية، أواذا كانت بناء عليه محفوظة بطريقة تسهل استعادتها، فكل ذلك مما يفوق القدرة التخيلية الحالية الدونية من منظور الانسايوان لوجودة وللاشياء والكون، وعلاقة الكائن الحي به، ومسارات وتشكلات تلك العلاقة.
يمكن التصور من ناحية أخرى، على تواضع وفقر إمكانات التوقع الحالية، ان الموت الجسدي للعقل، كما ظل يحدث عند موت الانسايوان الحالي، لن يعامل كما يعامل الانسايوان ماضية الحيواني اليوم، والامر خاضع من دون شك لمحركات وضرورات واحتياجات مجهولة بالنسبة لنا الان، لكن مانسميه توالي الحالات مع تغير اشتراطاتها، ونحكم على أساسه، يقول بان الامر لهذه الجهة لن يكون في الغالب هو نفسه من ناحية الصلة بالسابق المتحقق، فالانسان المتحول الى عقل على الارجح، سيكون مهتما بالجانب العقلي من طور تصيره الانسايواني السابق على ماقد آل اليه ولن يتركه او يتجاهله.
المهم في كل هذا هو انتهاء واختتام زمن الموت الجسدي، الذي هو بالأحرى ضرورة ولزوم ضمن اشتراطات طور من اطوار التصيرية الكونية المقررة على الكائن الحي، ومسارات وجوده، أي ان الموت مؤقت، وليس سوى ضروره انية “انسايوانية” لن تكون حاضرة خلال طور التصير الذي سيعقبها ويحل محلها طور “الانسان العقل الذي لايموت”.

2020-06-10