أعيد نشر سلسلة آراء ومواقف وتجارب…
دعوة للحوار والنقد والمراجعات في ضوء كارثة الوطن وخراب حياة الناس…
الحلقة السابعة…

أحمد الناصري.
7- سلام عادل التكوين التدريجي السليم والنهاية التراجيدية… قراءة جديدة في سيرته وأسرار تصفيته…
القسم الأولّ!
وصلتني نسخة من كتاب الصديق الدكتور عبد الحسين شعبان (سلام عادل الدال والمدلول وما يمكث وما يزول) بانوراما وثائقية للحركة الشيوعية. وقد قرأت الكتاب عدة مرات، ثم دققت به بقصد تسجيل الملاحظات للكتابة عنه. (كنت قد اطلعت على الحلقات المنشورة عن موضوع الكتاب في الصحف والمواقع الإلكترونية)، وتناقشت مطولاً مع الصديق الدكتور شعبان، حول الأفكار والمصادر والاستنتاجات، وكل ما يتعلق بالشهيد والتجربة والكتاب.
كلمات بدل التقديم…
مثل وردة نادرة متفتحة، مليئة بالعطر والشذي والطاقة، بدا وتكون سلام عادل ثم مات. مثل نجم ساطع مر وخطف في سماء صافية، مر سلام عادل، وترك أثر مثل جرح غائر قديم، لا يندمل، ولا يمحى. مثل بطل أسطوري يتكون بسرعة وبشكل صحيح، ليواجه مصيره و(قدره)، هكذا كان حسين أحمد الرضي (سلام عادل)، الشاب المثقف الذكي والحيوي، الذي خاص النضال الوطني الشاق والصعب، وقتل بطريقة مأساوية عنيفة، في صراع سياسي خاطئ ومدمر، وهو لم يكمل الأربعين سنة (سن النضج والبدايات القوية في الفكر والسياسة والحياة).
هنا، لا يمكن الكتابة عن سلام عادل بدون حالة وكمية عواطف وانفعالات عالية، ترافقها نسبة ورائحة حزن مر أسود (ذلك الحزن القاتل الذي لا يمكن السيطرة عليه)، كبيرة وطاغية على المشهد والخسارة، وضياع الاحتمال الآخر، في أن ينجو من هذه النهاية وهذا المصير. لكن دائماً لابد من العقل والدراسة والنقد والمراجعات والكشف والتسجيل، وهذه المهمة الرئيسية والحقيقية في حال الكتابة الجادة عن الشهيد (أبو إيمان)، وعن كل الشخصيات والتجارب الناجحة والفاشلة.
عن الكتاب، الباحث والبحث والمصادر…
الكاتب والكتاب، وفرا وحققا شروط البحث الأساسية المطلوبة، حيث قام الكاتب باستقصاء نادر من مصادر أصلية ومباشرة تتعلق بسيرة سلام عادل وبداياته وتكوينه ومواهبه، مع تركيز استثنائي على نهايته ومصرعه المأساوي على أيدي جلادي قصر النهاية، ومن خلال شهادتهم واقوالهم، وهذا شيء مطلوب ومهم رغم ندرته (حيث لم يتكلم ويستنطق أحد من جلادي قصر النهاية والأمن العام بعد 68 إلى 2003، وحصول احتلال بلادنا، وتوفر جميع الوثائق والمعلومات وشهادات الضحايا المطلوبة للبحث والتحقيق).
نعود إلى الكتاب وأبوابه وفصوله، وأهم الاستنتاجات حول مرحلة قررت مصير الوطن (ثورة 58 صعودها وسقوطها)، وأثرت بشكل مباشر على منطقتنا، وعلى كل ما يحصل اليوم كتسلسل متصل، وكنتائج لتلك المقدمات الكثيرة.
يحتوي الكتاب على 324 صفحة من الحجم المتوسط، بثمانية أقسام. القسم الثامن منه يحتوي على وثائق نادرة، لكنها مهملة ومتروكة، لم يسلط عليها الضوء الكافي، ولم تدرس وتراجع من جديد، رغم أهميتها الراهنة، لأسباب كثيرة سنأتي عليها لاحقاً. لكن هنا فالوثائق تكشف قدرة وتفكير ومواقف سلام عادل من قضايا رئيسية كثيرة ومهمة، منها القضايا الوطنية الداخلية، وعلاقتها وصلتها العربية، وحول قضية فلسطين (تصحيح لموقف خاطئ ظهر بعد اعدام فهد)، والتحرر الوطني والموقف من الاستعمار والقضية الكردية، والرد على مفاهيم برجوازية قومية وتصفوية (ستظهر لاحقاً على شكل حزب شيوعي قومي كردي، بمساعدة عناصر قيادية متنفذة عايشت سلام عادل).
ربما من المفيد التذكير والإشارة هنا إلى التعاون الايجابي المهم بين الشهيد سلام عادل والفقيد عامر عبد الله، في كتابة وصياغة هذه الوثائق في مرحلة ما قبل 58 والثورة. ويحتوي القسم الثامن، نبذة عن المؤلف – سيرة تمرّد ومغامرة قلم (الحركة الثقافية في انطلياس).
إن دراسة ومراجعة سيرة سلام عادل، تكشف صفاته وتكوينه ومواهبه ومواقفه وتطوره الطبيعي، لكن السريع والمتميز. من هناك تبدأ تلك الرحلة والتجربة الشخصية والعامة، ثم نهايتها.
مما ورد في القسم الأول (سلام عادل على طريق الشيوعية) في النشأة والاختيار، فأسمه حسين أحمد الرضي، مواليد 1922، (هناك من يقول إنه ولد في 1924)، تخرج من دار المعلمين الابتدائية في بغداد (الأعظمية) عام 1944، وعمل معلماً في مدينة الديوانية. كان رياضياً ورساماً ومخرجاً مسرحياً ومتذوقاً للشعر. وخلال وجوده في معهد المعلمين اقترب من تنظيميات الحزب الشيوعي العراقي، ثم انتمى ألية عام 1944 على يد محمد حسين فرج الله في الديوانية.
عمل سلام عادل في بداية انضمامه للحزب، بين الخلايا والناس، تلك الخلايا (التنظيم الأساسي) وصلتها وعلاقتها بالناس (الجماهير) والشارع والوضع السياسي اليومي المتحرك، والموقف من السلطة ومواجهتها، وأساليب العمل الفكري والجماهيري، والتدرج والتطور في الوعي والموقف. وكلما كانت الحركة السياسية نشيطة ومتابعة، تستند إلى سياسة وطنية صحيحة، فإن ذلك يعلم كثيراً وسريعاً. ولما كانت المعارك والنضالات الوطنية والطبقية في المدن والأرياف في أوجها، فقد خاضها سلام عادل بنشاط وحماس كبيرين. فكان درس المواجهة بين سلام عادل وبهجت العطية، مدير الشرطة السياسية، ورفض سلام عادل للآراء والتهديدات التي أطلقها بهجت العطية، ثم فصل سلام عادل من التعليم (شملت حملة الفصل 100 معلم)، ولجوؤه للعمل في بيع المشويات على ناصية الشارع، كمثال للآخرين أولاً، وتحدي كبير وحاسم، بل انتصار في معركة مصادرة حق العمل والحرمان منه والتجويع والعوز لشاب في مقتبل العمر، بقرار تعسفي وانتقامي.
وألقي القبض على سلام عادل في 19 كانون الثاني عام 1949، بعد أحداث وثبة كانون عام 48، وحكم لمدة ثلاث سنوات وسنتين تحت الاقامة الجبرية، وكان قد قضى الحكم في سجن نقرة السلمان الصحراوي الشهير، ثم هرب من الإقامة الجبرية في الرمادي في اليوم الثاني، وعاد إلى الحزب، وتزوج من الرفيقة ثمينة ناجي (أم إيمان)، وانتدب إلى البصرة كي يقود المنطقة الجنوبية.
هنا لابد من التوقف عند حدث ومنعطف خطير وجلل، حصل للحزب، أثر على وضعه ومستقبله بشكل كبير وواضح، وأحدث فراغاً، حاول سلام عادل فيما بعد ترميمه ومعالجته إلى حد ما، إلا وهو اعدام الرفاق فهد وحازم وصارم والرفيق المنسي والمهمل دون سبب موضوعي حقيقي، وهو الشهيد البطل ساسون دلال. كان الإعدام بقرار عدواني جائر من قبل السلطة الملكية الرجعية، ربما بأوامر ونصائح من المخابرات البريطانية، التي كانت تقدر دور فهد الاستثنائي في استمرار عمل الحزب وقوته. لتستمر الملاحقات الشاملة والقمع المنظم، ووقوع ست محاولات لتشكيل لجان مركزية (مراكز بديلة موقتة لقيادة العمل بمبادرات للرفاق)، وحصلت خيانات كثيرة، كان أخطرها خيانة مالك سيف ورفيق جالاك وهاشم الطعان وغيرهم. والذي اوقف هذه الاعتقالات والانهيارات المتلاحقة، هو بهاء الدين نوري (باسم)، الذي استطاع أن يستمر في العمل حتى عام 1953 حيث جرى اعتقاله، فعاد حميد عثمان وكريم أحمد.
هذه الفترة القلقة والصعبة، مع قلة الكادر وخبرته البسيطة وضعفه، وسط الملاحقات البوليسية المستمرة، انعكست بشكل واضح على الوضع الفكري والتنظيمي والسياسي للحزب، وظهرت مواقف خاطئة وتكتلات وانشقاقات، أبرزها انشقاق راية الشغيلة، الذي بدا بخلافات مع قيادة بهاء الدين نوري قبيل اعتقاله وعزله لمجموعة كبيرة من تنظيمات السجون، والأخطاء والممارسات التنظيمية والسياسية والفكرية لحميد عثمان، كل هذا كان اللحظة المناسبة لعمل سلام عادل في سبيل تصحيح الوضع وإعادة بناء الحزب، وكي تبرز إمكانياته وجهده الحقيقي ودوره القادم.
جرى التخلص من أخطاء حميد عثمان بإجباره على التنازل من قيادة الحزب التي اصبحت بيد سلام عادل، هنا حصل الانعطاف الرئيسي والتحول في وضع سلام عادل، بين الانتماء والتكوين الأول واستلام قيادة الحزب قبيل ثورة 58 والمشاركة الفعالة والجادة في التحضير لها ودعمها.
شارك سلام عادل في مؤتمر الأحزاب الشيوعية لدول الكومنولث المنعقد في لندن عام 1954.
وبين أعوام 1955 و1958، انجز سلام عادل مهمة إعادة توحيد وبناء الحزب، الذي تطلب عملاً تنظيمياً وفكرياً وسياسياً كبيراً ومتميزاً، لتجاوز وتذويب الخلافات واقناع جميع الأطراف بأهمية الوحدة على أسس سياسة وفكرية جديدة.
أثمر التعاون مع عامر عبد الله وجمال الحيدري، نتائج كبيرة في رسم سياسة الحزب الوطنية والعربية (القومية).
ركز على الإعداد والتحضير للكونفرنس الثاني ووثائقه المهمة (سنقوم بقراءة مستقلة للوثائق في القسم الثاني من هذه الكتابة)، وانجز مهمة التوحيد وإعادة البناء، بعد فترة مضطربة، طويلة وصعبة، امتدت من إعدام الرفيق فهد حتى استلام سلام عادل قيادة الحزب.
تعرض سلام عادل للعقوبات الحزبية البيروقراطية، لقمع ومنع آراءه، من قبل مالك سيف (الخائن المعروف لاحقاً). كما حصل مع موقفه الواضح من القضية الفلسطينية ضد الآراء الخاطئة والمشوشة التي تسربت إلى الحزب بعد اعتقال واعدام الرفيق فهد. كما حاسبه وعاقبه حميد عثمان. كذلك تعرض للآراء والدعاية المغرضة الضيقة والتشكيك بقدراته من قبل بعض عناصر الجمعيات الطلابية في بريطانيا وفرنسا، بعد مشاركته في اجتماع الأحزاب الشيوعية لدول الكومنولث في لندن، حسب ما يذكر نوري عبد الرزاق في حوار مع الدكتور عبد الحسين شعبان.
عمل الشهيد سلام عادل في مدينة الديوانية، وأصبح مسؤول المنطقة الجنوبية، بعد هروبه من إقامة الرمادي الإجبارية، ثم مسؤول عن منطقة بغداد، مما سمح له بالتدرب والتعلم والاطلاع، ومعرفة المدن والناس، في هذا التنقل والتنوع الكبيرين.
ثورة 14 تموز 1985
تشكل ثورة 58 منعطفاً كبير وحاسماً، وتحولاً نوعياً في وضع ومستقبل البلاد والدولة والمجتمع والحزب والحركات السياسية والثقافية، ووضع الكادحين والمهمشين، في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وآفاق المستقبل والبرامج والشعارات الوطنية المطلوبة في تلك المرحلة الجديدة والصعبة من التحول السياسي، ثم القدرة والإمكانية الحقيقية لفهم الوضع والواقع الجديدين لطرح سياسة صحيحة، ووضع ومواقف الأطراف والقوى الأخرى والصراعات المبكرة الجديدة، وتأثيرها على مسار الثورة ومستقبلها، والتداخل مع نشاط (الثورة المضادة)، ودور الخارج الإقليمي والبعيد، ضمن الصراع الدولي، واشكاله واشكالاته، بعد الحرب العالمية الثانية ونتائجها، والنظام العالمي الجديد، والصعود الأمريكي، والحرب الباردة ومناطق النفوذ آنذاك!
لقد ولدت الصعوبات الجدية والنواقص الكبيرة مع الثورة وفي أسسها، من حيث تركيبة ومستوى النظام السياسي الجديد، وما سيطرحه من مهام سياسية ديمقراطية لأسس الدولة والحياة السياسية والبرامج والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والقضية الكردية وحال المرأة والريف والفقراء، في صلبها قضايا النفط والصناعة والزراعة والتعليم والخدمات وتطوير المدن والحياة العامة.
الحزب وسلام عادل ساهما بشكل مباشر في الإعداد والتحضير للثورة، ثم دعمها لضمان نجاح تنفيذها. وقد أرسل سلام عادل برقية تأييد ودعم للثورة صبيحة يوم 14 تموز، من مكتب بريد الأعظمية.
هناك أسئلة كثيرة تثيرها وتستدعيها تجربة الثورة ونهايتها الكارثية المرعبة، وعلاقة ذلك بوضع وحال الوطن الحالي، من حيث مصيره وحجم الكارثة. فقد انتهت وفشلت ثورات وطنية وشعبية واشتراكية كثيرة (كل أو معظم ثورات القرن العشرين، ونعيش الربع الأول من هذا القرن بشكل مشوه ومشوش وبائس). لقد توقفت وتآكلت ثورة الجزائر التي قدمت مليون شهيد، وأتت بقيادة تقليدية محدودة الأفق، انتهت بفساد شامل وانعزلت وتوقفت بشكل نهائي. كذلك ثورات مصر وتونس، والمخاطر التي تحدق بالتجربة السودانية المهددة بالسرقة والانتهاء، في صراع مكشوف وشرس. هنا نحن بحاجة إلى فهم التطور الاجتماعي الحضاري القانوني للمجتمع والدولة!
يضع الكاتب مجموعة من الجهات اعاقت عمل ونشاط سلام عادل، من باب الخلاف أو الصراع معه.
اول هذه المجموعات والمشاكل هي داخلية، من داخل قيادة الحزب، التي كان أبرزها كتلة الأربعة المعروفة، التي وقفت ضد سلام عادل، لأسباب كثيرة فكرية وسياسية و(شخصية) أيضاً، تتعلق بطموحات بعض الرفاق الشخصية. ثم موقف السوفييت من سلام عادل، و(عدم ارتياحهم له)، والتفكير بتبديله بسكرتير آخر، قريب منهم ومضمون لديهم! كذلك موقف عبد الكريم قاسم الذي كان يتوجس منه ومن مواقفه ونواياه، ودور ومواقف الحركة القومية الكردية، التي انتهت إلى قيادة تمرد أيلول 1961، لدوافع وأسباب كثيرة داخلية واقليمية في الموقف من الثورة. طبعا لن ننسى الجبهة القومية الرجعية الواسعة، وهي بالطرف المعادي الآخر، وقد نفذت جريمة تصفية سلام عادل، بطريقة وحشية معروفة، كتعبير عن موقفهم الانتقامي من رموز الثورة والمرحلة.
نحتاج إلى دراسة الإمكانيات والوضع الحقيقي، الفكري والتطبيقي لسلام عادل، دراسة علمية وثائقية، دون عواطف او تأثيرات واعتبارات غير فكرية وسياسية محددة، منها استشهاده البطولي التراجيدي (الحركة الشيوعية في بلادنا ومنطقتنا هناك مئات وآلاف الشهداء الأبطال، منهم روزا لوكسمبورغ وفهد وشهدي عطية وفرج الله الحلو وعبد الخالق محجوب ومهدي عامل وحسين مروة وجورج حاوي وغيرهم). فالنقد والمراجعات الموضوعية، شيء آخر يبحث عن وفي الحقيقة!
السؤال الرئيسي (المهمة الرئيسية في النقد والمراجعات)، الذي يحتاج إلى بحث ودراسة، وهي قليلة أو معدومة، هل كانت تجربة سلام عادل ومواقفه بعد الثورة صحيحة ومتطورة وكفؤة؟ أم كانت هناك أخطاء ونواقص كبيرة ورئيسية، ساهمت في ضعف مواقف الحزب من الثورة وقاسم والجماهير، استغلتها قوى وعناصر الثورة المضادة؟
نجاح الانقلاب الفاشي وتصفية سلام عادل…
أنها جريمة وحشية بشعة، مثلت جذور العقل (القومي) الفاشي. هكذا كانت أساليب جريمة تصفية الرفيق سلام عادل ورفاقه. فقد جرى اعتقال الرفيق سلام عادل بعد انهيار ووشاية الخائن هادي هاشم الأعظمي، الذي سلم نفسه للحرس القومي، وتطوع كي يكون دليلهم إلى البيوت الحزبية التي يتواجد فيها سلام عادل ورفاقه، ووقعت عملية وكارثة الاعتقال.
لم يجر بحث حقيقي في طريقة تصفية الشهيد من قبل الحزب (الرسمي) المعني بالقضية، رغم مرور عقود طويلة وتوفر الوثائق والشهود من المعتقلين والجلادين القتلة، والعلاقة اللاحقة ببعضهم. ربما هذا أول وأهم بحث استقصائي واسع ومقاربات وتدقيق بين الروايات، القوية والضعيفة، من خلال أسئلة مباشرة لبعض الجلادين المسؤولين عن الجريمة مباشرة، من قادة الحرس القومي الفاشي ومركز أقبيته الرهيبة في قصر النهاية، حيث تمت عملية تعذيب وتصفية الشهيد. وقد رد على الرواية التي نقلها آراخاجادور، والطلقة الأخيرة التي أطلقها على صالح السعدي على الشهيد، بعد تصادم ونقاش عنيف بينهما. كذلك مشاركة أو عدم مشاركة بعض الجلادين في تعذيبه (بسبب عدم تواجدهم بالمكان أثناء اعتقاله) وثم قتله، بينما هناك شهادات تؤكد مشاركة من ينفي تلك المشاركة، ومنهم محسن الشيخ راضي، مسؤول قصر النهاية. وهذا طبعا لا يعفيهم من الجريمة أو الجرائم العامة التي حصلت بعد الانقلاب الفاشي، كحزب وسلطة وأشخاص. ويمكن تأكيد وجود عناصر فاشية متوحشة موغلة بالجريمة والتعذيب والقتل، تشكلت منها لجنة التعذيب في قصر النهاية والعناصر الرئيسية الموجهة لها.
لم يكشف المجرمون والمرتكبون أدوارهم في جريمة قتل سلام عادل ورفاقه، في أجواء الانتقام والهيستيريا والقتل العام، لأننا بلا تقاليد قانونية وحقوقية وثقافية وإنسانية، تتعلق بالاعتراف والاعتذار والعفو والمصالحة الحقيقية وليس الشكلية، ضمن العدالة الانتقالية وحل المشاكل والخلافات المتراكمة والمتروكة، ثم تكريس ذلك بقانون.
إن تلك الحلول والطموحات هي جزء من منظومة سياسية اجتماعية ثقافية قانونية يسعى ويتطلع لها المجتمع والدولة، وتلك مهمة كبيرة بعيدة المدى.
خلاصة مكثفة…
كانت تجربة سلام عادل وإمكانياته وتكوينه ونشاطه، تجربة شخصية وعامة، ضمن تجارب كثيرة ومهمة، وظروف موضوعية محددة في تجربة الشيوعيين العراقيين، كاد سلام عادل فيها أن يسد الفراغ والخسارة التي حصلت بعد إعدام الرفيق فهد، ويعوض عن تلك الخسارة والغياب، ويؤسس لتجربة وطنية وشيوعية وسياسية مهمة وجديدة، بدأت بتعاون رفاقي داخلي كبير، ثم تعرقلت وتلكأت بسبب الخلاف الحزبي الداخلي الكبير بعد ثورة 58.
يشير الباحث إلى نقطة حساسة ومؤلمة، وهي نسيان وتناسي دراسة تجربة سلام عادل والكتابة عنه وتسجيل تاريخ الحزب والوثائق والأعمال والمواقف التي طرحها الشهيد. ويعزي الباحث الأسباب إلى عودة المجموعة التي اختلفت معه إلى قيادة وإدارة الحزب، والسيطرة عليه من جديد، ثم التحالف مع قتلة سلام عادل ورفاقه، الذين عادوا إلى السلطة عام 68، وفتحوا بوابات ودهاليز قصر النهاية المرعبة، بإشراف صدام حسين وناظم كزار.
إن سيطرة الجناح اليميني الانتهازي على مقدرات الحزب بعد مذبحة ومحنة 63، ادى إلى التخبط الفكري والسياسي، فأطلق خط آب عام 64 مباشرة وبسرعة، ثم خطة العمل الحاسم عام 65، وما صاحبها من تخبط وتشوش وتخلخل داخلي كبير وواسع، ادى على انشقاق عام 67. أنها أزمة صعود وقيادة عزيز محمد للحزب وآثارها المدمرة عليه وعلى إمكانياته وعموم وضعه بكل تفاصيله.
هناك نقطة جديرة بالملاحظة والمراجعة والدراسة، وهي تصلح لعنوان ومادة رئيسية مهمة، حول بروز بقايا الافكار والمواقف السليمة التي ظهرت في الكونفرنس الثالث عام 67، والمؤتمر الثاني عام 70، كآخر محاولة للمقاومة والوجود للرأي الطبيعي والسليم في الحزب. وقد حصلت تحت تأثير وعمل بقايا العناصر المخلصة والجيدة في الحزب، التي نجت من مذابح 63، ومحاولة احتواء المعارضة الداخلية المتصاعدة. وقد جرت عملية تصفية أغلب تلك العناصر والتخلص منها على يد الفاشية الجديدة، بين أعوام 69 و72. السؤال الخطير والغامض، كيف عرفهم وشخصّهم ثم وصل أليهم العدو وقام بتصفيتهم المبكرة؟ أنها أسئلة ملحة وخطيرة وحساسة، ظلت معلقة ولم يجر البحث بها وعنها.
من هناك بدا الطريق مفتوحاً وميسراً للسيطرة على مقدرات الحزب، من قبل هذه المجموعة القيادية المعروفة، وتوجيهه في الطرق والمسالك والسياسات التي تريدها، كامتداد للموقف الخاطئ في ال 58 وخط آب التصفوي، وقد فرضت تلك القيادة صفقة التحالف الخاطئة مع الفاشية الجديدة والبعث وصدام عام 73، بنصائح ورغبة (أوامر الرفاق السوفييت)، وتكرس ذلك النهج المدمر في المؤتمر الثالث حزيران عام 76، وفشل وانهيار تلك السياسة والشعارات وهزيمتها الكاملة بخسائر كبيرة ونتائج وخيمة، من دون أي استعداد للمواجهة وحماية الحزب ورفاقه، وهروب غير منظم ولا مخطط نحو كردستان والتجمع المسلح ومحرقة الجبل لمن تبقى من الرفاق الناجين من مطاردة ومصائد الفاشية المحكمة. ليكون المؤتمر الرابع عام 85، الذي صدع وألغى بقايا الوحدة الحزبية والحياة والعلاقات الرفاقية الداخلية. وبذلك انطوى عقد الثمانينات، عقد الخيبة والخسائر الفادحة في بشتآشان والجبل والداخل، ثم الاستمرار بهذا النهج وتصعيده في التسعينيات، والمؤتمر الخامس الذي اعتبروه مؤتمر الديمقراطية والتجديد (حقق أحد مخاوف سلام عادل في وجود تكتل قومي كردي منشق، أنتهى بتشكيل حزب قومي كردي يقف على يمين حزب البارزاني)، من خلال التنازل والرخاوة الفكرية والسياسية، وبداية التعامل مع العامل الخارجي، الذي بدأ يتحول إلى عامل رئيسي مقرر، بعد كارثة الكويت وفشل الانتفاضة الوطنية، كآخر محاولة للإنقاذ الوطني الداخلي، ودخول الحزب في مؤتمر الجلبي، الذي تديره المخابرات الأمريكية، وبداية فكرة المحاصصة والتوزيع الطائفي، الذي ظهر صريحاً وواضحاً في مؤتمر صلاح الدين عام 92!
هذه المقدمات الفكرية السياسية، القديمة والجديدة، ورخاوة وتخلف وضعف القيادات الحزبية، ورطتها بالانزلاق التاريخي بالموقف من الاحتلال، وقبول المشاركة بمجلس الحكم، الطائفي التقسيمي، الذي فرضه الاحتلال كصيغة سياسة لفرض اكمال تنفيذ مشروع التدمير، وعلاقته بالوضع منطقتنا. فجاء الشرح والتبرير البائس والمتهاوي الذي طرحه وتبناه المؤتمر الثامن والتاسع والاستمرار في المشاركة بالعملية السياسية الطائفية، رغم نتائجها الكارثية، ورغم بعض الأصوات المعترضة والمعارضة لهذه السياسة ولو جزئياً، او البدء من معارضة تحالف سائرون، لأسباب ودوافع مختلفة.
إن كل أو أغلب ما حذر منه سلام عادل (وقبله الرفيق فهد) قد تحقق لكن بدرجات خطيرة ونهائية، أخطرها الخلل في الموقف الوطني من قضايا التحرر والاستقلال، وعلاقته بالوضع العربي والقضية الفلسطينية والقضية الكردية والنزعات القومية الضيقة، ووضع الحزب الداخلي، واهمية العمل الفكري والتنظيمي والجماهيري السليم وأساليبه الجديدة والمتطورة.
• ملاحظة أخيرة… إن الإدارة الحزبية الحالية والسابقة، لم تهتم بفكر ومواقف سلام عادل وتجربته، ولم تكتب عنه. وهي لا تشارك بالدعاية والحوار لأحد عندما يكتب عنه، في مفارقة عجيبة، بل ربما توجه بالإهمال وعدم الاهتمام بالعمل، رغم أنه موضوع مشترك عام وليس شخصي..

2020-06-05