رجل من ذاك الزمان!

تحسين المنذري.
هذا الرجل كان إسمه الاول في قائمة المحكومين بالاعدام من قبل المجلس العسكري العرفي الاول في الدعوى المرقمة 64/198 والخاصة بأبناء الكاظمية مقاومي إنقلاب شباط الاسود عام 1963.
إنه شقيقي عبد الوهاب عبد العزيز المنذري
إعتاد في صبيحة كل يوم أن يذهب باكرا لمحل عمله وهو مخزن المنذري لبيع البذور واللوازم الزراعية والذي تعود ملكيته لوالدي، وكذلك كان في صبيحة يوم الجمعة 8/شباط المشؤوم، وحينما عرف إن إنقلابا عسكريا يحدث، كان من أوائل المبادرين مع مجموعة من أقرانه الشبيبة لتنظيم تجمعا بالقرب من مركز شرطة الكاظمية، هاتفين بسقوط الانقلاب وبحياة الجمهورية . كان تجمعا هادرا تزداد اعداد الملتحقين به مع الوقت حتى وصل الشهيد سعيد متروك مع بندقية أطلق منها صلية بإتجاه المركز أدت الى شل عناصر الشرطة مما ساعد على إقتحام المركز من قبل هؤلاء الشبيبة العُزَّل .
طيلة حياته التي إمتدت لما بعد ذلك اليوم المشؤوم لم يحدثنا عبد الوهاب ( أبو آذار) عن دوره في تلك الصولة على المركز ولا عما فعله فيما بعد أثناء المقاومة، فكان إذا سألناه يبتسم ويصمت أو يحدثنا عن أدوار الاخرين من رفاقه، يقول صديقه ورفيقه (حميد غني الاسدي”جدو مجيد”) : حينما دخلت الى مركز الشرطة مع المقاومين وجدت الرفيق المنذري قد وصل قبلنا وكان يفاوض مأمور المركز على تسليم مشجب الاسلحة للمقاومين، وإستطاع بسلمية أن ينتزع منه المفاتيح ليوزع على المقاومين الاسلحة والاعتدة .
لقد كان شقيقي الراحل آنذاك بعمر الـ(25) عاما فكانت قوة الاندفاع أولا عاملاً مهماً في الاقتحام، بالاضافة لتمتعه بضخامة جسدية وقوة بدنية مما أهله على ما يبدو لتصدر المشهد، حتى صار ذاك النهار قائمقاما للكاظمية وأصدر بيانات بإسم وظيفته الجديدة ـ القصيرة منها الدعوة للاستمرار بالمقاومة والطلب الى أصحاب المخابز والافران لمزاولة عملهم وتلبية حاجيات الناس وغيرها من القرارات التي إقتضتها الضرورة آنذاك .
دامت المقاومة في مركز الشرطة لمدة نهار كامل حتى دخل الاوغاد على ظهر دبابات إنطلقت من معسكر التاجي القريب تحمل صور الزعيم قاسم كي يسهل دخولها الكاظمية، المدينة التي كانت ملتهبة مقاومة للانقلابيين الاوباش، حتى إقتربت القوات العفلقية من مركز الشرطة لتزداد المقاومة البطولية شراسة، تكبدت القوات المعتدية خلالها خسائر جسيمة لكن أعداد المقاومين بدأت تتناقص حتى بقي فقط كما يقول الرفيق “جدو مجيد” ثلاثة فقط هم عبد الوهاب وجدو مجيد وصديق للحزب إسمه عاشور جدوع، حاول الثلاثة الافلات من قبضة الاوباش وأرادوا العبور الى بناية محكمة الكاظمية التي تقع خلف مركز الشرطة، لغرض الانتقال الى مكان آخر لمواصلة المقاومة، لكن الوقت كان قد فات فقد تمكنت قوات الاوغاد من إلقاء القبض عليهم .
زجوا في المعتقلات البعثية وعانوا الامرين من التعذيب الجسدي والنفسي، وطالت مدة توقيفهم لسنة وأربعة أشهر، تنقلوا خلالها بين عدة معتقلات ومراكز توقيف، من معسكر الرشيد الى الكاظمية، وثم خلف السدة والرمادي والموقف العام حتى أصدر المجلس العرفي احكامه الجائرة بحقهم، كان عددهم أكثر من المائة بقليل وصدرت بحقهم أحكاما شتى كان نصيب أحد عشر مناضلا منهم بالاعدام، تصدر الاسماء أخي عبد الوهاب. لكن جهودا جبارة بذلت كالتحركات الجماهيرية وطرق أبواب المسؤولين الى التوسط لدى بعض السياسيين وإتصالات حتى بسفارات دول عربية وضغوطات من قبل كثير من المتعاطفين، أدت جميعها الى تأجيل تنفيذ الحكم في ليلة كانت تنوي السلطات إقتراف جريمتها لكن حجم التحركات الجماهيرية ونوعيتها أدت بالمقبور عبد السلام عارف الى التراجع في الدقائق الاخيرة حيث كان يستعد ثلاثة من المحكومين للصعود الى المقصلة حين وصل خبر التأجيل، وكان أخي عبد الوهاب أحد هؤلاء الثلاثة!! إستُبدل الحكم لاحقا الى السجن المؤبد ومن ثم أُطلق سراحهم بُعيد نكسة حزيران عام 1967 في محاولة من النظام القوماني الرجعي لامتصاص النقمة التي حصلت بسبب خيانة النظام ورهطه من الانظمة الرجعية لقضية فلسطين وتسليم أراضي فلسطين كلها الى الكيان الغاصب .
عاد للحياة العامة وزاول عمله من جديد وتزوج وأنجب ولم ينقطع نشاطه السياسي، وبالتأكيد لم يسلم من ملاحقات البعثيين الفاشست مع بدء الهجوم الشرس الجديد على الحزب الشيوعي في أواخر سبعينات القرن وما بعده من سنوات، كان حينها أخي عبد الوهاب موظفا في الشركة العامة للسيارات، في نفس الوقت الذي تصاعدت حدة الملاحقات وإستهدافه شخصيا، بحيث لم يستطع خلال قرابة الثلاث سنوات أن يبيت ليلتين متتاليتين في بيته، ساعده في ذلك طبيعة عمله الوظيفي فقد كان ضمن اللجنة الدائمة لجرد مخازن الشركة العامة للسيارات مما وفر له تخفي (رسمي) بحيث كان موفدا دائما الى كل محافظات العراق من الموصل الى البصرة ، يقضي في كل محافظة اياما أو اسابيع للقيام بعملية الجرد، ولم تهدأ عمليات الملاحقة والاستهداف الا بعد أن تم نقل ضابط أمن الحرية المدعو ( نقيب ثائر) الى مكان آخر وكأن العملية كانت عداءا شخصيا بين الاثنين. حافظ على نقاء نفسه وسلامة عائلته رغم كل الضغوطات وكل الظروف العصيبة التي مر بها. وبعد سقوط نظام العفالقة عام 2003 وعودة الحزب الى المدن التي غادرها مناضلوه مرغمين، نشط أبو آذار في منطقة سكناه ـ مدينة الحرية ـ صحبة رفاق له وأعادوا تشكيل تنظيم للحزب وإفتتحوا مقرا لهم، ولم يثنه السرطان الذي إستأصل إحدى كليتيه وبقي نزيلا ثقيلا دائما على مثانته ، فقد كان دائب الحركة، متابع نشيط للوضع السياسي ولمواقف الحزب، لكنه مع كل غصة نتيجة لموقف للحزب غير مقتنع به كان يشتد ألماً دون أن يبوح بذلك للعلن، بقي أمينا مدافعا عن حزبه، يتعامل بإحترام شديد مع كل رفيق في الحزب حديثا كان أو قديما من جيله أو أجيال لاحقة حتى بإختلافه مع البعض منهم، لأنه الحزب الذي أحب وآمن بأ فكاره كيف له أن ينبس ببنت شفة في السوء عنه، بفي ملتصقا حتى لحظات رحيلة في آخر كانون الثاني من عام 2012 ، حيث ترك إرثا نضاليا زاخرا ومواقفا بطولية لن تنسى، لكنه رحل بصمت!!

Bilden kan innehålla: 1 person
Bilden kan innehålla: text

2020-06-05