ذكريات مُرّة من حرب حزيران عام 1967!
أبو علاء منصور.
فجر يوم الإثنين، الخامس من حزيران من عام 1967، ختم والدي الصلاة وراح يتمتم كعادته: يا ميسر لا تعسر، يا رب تكفينا شر المخبأ بالغيب وأولاد الحرام.
امتطى ظهر الحمار وسرنا خلفه تلفح وجوهنا نسمة باردة.
كان مضى على وصولنا إلى حقل الحصاد -حريقة جمعة- ساعتين.
كنا نتناول طعام الإفطار -خبزاً وزيتوناً وبصلاً- حين تناهى إلى سمعنا صوت أبو محمود من السفح المقابل:
_ أبو محمد، يا أبو محمد، وقعت الحرب.
_ ماذا تقول؟ لم أسمع جيداً.
_ الجيوش العربية تقتحم مواقع العدو. هذا ما سمعته من راديو صوت العرب الآن.
بدا والدي فرحاً لكنه راح يتمتم:
_ في أجواء تأجج المشاعر، على المرء أن يفكر بحذر وببرود أعصاب.
يبدو أن تجربة الوالد في ثورة عام 1936 وحرب العام 1948 أكسبته حساً واقعياً.
بدا قلقاً وهو يردد:
_ ما الذي أعددناه للحرب؟ العليق وقت الغارة لا يُجدي كما يقول المثل الشعبي.
حزمنا أمتعتنا بسرعة وعدنا…..
تحت ضغط الانفعال والمفاجأة، بدا أن القرية انقلبت رأساً على عقب….
انشغلت النسوة بتأمين الماء والطعام، وانهمك الرجال بحفر الكهوف.
كانت نساء الجنود أكثر الناس توتراً.
يتراكضن مذعورات لإخفاء آثار أزواجهن العسكرية،
والتخلص من بقايا أمتعتهم تحسباً لأي طارئ،
إحداهن -امرأة بسيطة- تخلصت حتى من الصابون الذي جلبه زوجها من الكنتين.
سمعتُ والدي يتساءل:
_ نحن في الخط الأمامي ولا صوت للرصاص والمدافع! أين الحرب؟!
بدا شارداً! كأنه يُنقب عن أسباب يطمئن بها نفسه.
مع مرور الوقت بدأت محطات الإذاعة تبث أنباء متناقضة عن سير المعارك….
اختفت بهجة الفرحة الأولى وحلّ القلق والخوف،
في ساعات ما بعد الظهر هدأت حركة الناس، لكنهم ازدادوا توتراً.
تحلق الرجال حول جهاز راديو عند باب المغارة الملجأ،
وراحوا يتابعون الأخبار عبر إذاعة صوت العرب.
_ أليست قريتنا على الجبهة كما قال أبو محمد؟ أين الحرب؟
هذا ما قاله أحد الرجال فرد آخر:
_ لا لزوم لمثل هذا الكلام الآن، هل أنت خبير عسكري؟
_ لكن أليس لنا عقول نفكر بها؟
_ لنترك الأمر لذوي الشأن.
_ لكن ذوو الشأن تركونا كقطيع أغنام.
حسم رجل كبير السن الجدل:
_ طولوا بالكم يا جماعة، اللّي في القدر ستطوله المغرفة.
وسط حالة التوتر والانفعال شقّت طائرتان حربيتان السماء غرباً.
بث صوتهما رعباً وجدد الجدل….
قال رجل موجهاً الكلام لمن بدأ الحديث:
_ ألم أقل لك انتظر؟ ها هي الطائرات العراقية في طريقها لقصف تل أبيب.
_ مع ذلك لنا عقول.
قال شخص ثالث بحماسة شديدة:
_ لون الطائرات مائل للسواد؟ إنها عراقية بالفعل.
أطلقت سيدة زغرودة.
قال رجل غاضباً مما أذاعه راديو إسرائيل عن تدمير الطيران المصري:
_ هذه حرب نفسية، لا تستمعوا إلى ما يقوله الأعداء.
قضى الناس ليلتهم متخبطين….
في حدود الساعة العاشرة صباحاً،
عبرت “مرج السوس” المقابل للقرية شمالاً دبابتان باتجاه الغرب.
جدد مرورهما الجدل بذات القدر الذي أحدثته طائرتا الأمس فقال رجل وهو يتفحصهما:
_ دبابات عراقية، لونها مائل للسواد، إنها بداية الغيث.
دقائق وفوجئ الناس بتقدم الدبابتين صوب القرية، وإطلاقهما قذيفتان في الهواء.
مكبرات صوت تعلن بلكنة أجنبية:
_ التزموا منازلكم، تابعوا تعليمات جيش الدفاع الإسرائيلي.
عجزت الألسن عن النطق! لا مجال للجدل والتخمين. إنهم اليهود.
توقفت الدبابتان وسط القرية وهبط منهما جنود يتحدثون بلغة عربية مكسرة.
جاء العدو من الشرق وليس من الغرب كما توقع الناس!
وكانت الطائرتان عائدتان من قصف الجيش الأردني!
وسط حالة الذهول، تقدم والدي وبعض الرجال لمخاطبة الجنود.
ما الذي قالوه؟ لا أدري.
بدا الجنود ببزاتهم العسكرية وخوذاتهم وأسلحتهم ضخاماً، لا يشبهون البشر.
الخوف يصنع صوراً فظيعة.
أثار رفع بعض الأسر رايات بيضاء على الأسطح جدلاً بين متفهم ومستنكر،
فيما واصلت الدبابتان طريقهما صوب قرية كفر نعمة.
حُسمت الكارثة في يومين أو ثلاثة، وفي بعض المناطق استغرقت ساعات فقط.
لكن الإسرائيليون أرادوا تسميتها (حرب الأيام الستة) لغرض في نفوسهم.
قال والدي معلقاً على نتيجة الحرب:
_ قاتل الجنود ببسالة حيثما أتيح لهم ذلك. الجيوش والشعوب ضحايا عدم جدية المسؤولين.
بعد عقود كتب أبراهام بورغ -الرئيس السابق للكنيست الإسرائيلي- عن موشيه ديان وزير الدفاع الإسرائيلي وبطل تلك الحرب: انتصر ديان على عرب لم يقاتلوا.
ضللت الشعارات الناس فأفقدتهم صوابهم، وبدا أن النصر لا جدال فيه.
قاتل العرب فرادى فيما يفترض أنهم جمعاً، ولم تُشرك الشعوب في المعركة.
في الأردن أفرج عن نشطاء السياسيين من السجن قبل أيام من اندلاع الحرب،
ولم يكن مسموحاً باقتناء السلاح والتدرب عليه في القرى الأمامية.
وتبعثر جنود الصاعقة من جيش التحرير الفلسطيني في الجبال والأودية،
فتصيدتهم طائرات العدو وقد وصلوا متأخرين إلى الجبهة في الضفة الغربية.
وأنا أخط مسودة هذا الكتاب مرّ بخيالي ما سمعته من صديقي العراقي باهر:
_ في إحدى محطات الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، تراجع الجيش العراقي أمام الجيش الإيراني، فتفتق الذهن عن فكرة تشكيل الجيش الشعبي كرديف للجيش النظامي! انتشرت الفرق الحزبية في مراكز المدن، وراحت تقبض على من تجده في طريقها من الرجال، وتلقي بهم في شاحنات تقلهم إلى جبهات القتال! كان مايوز -شرطي متقاعد من البصرة- أحد ضحايا تلك الحملات. كان عائداً من عمل إضافي بعدما لم يعد راتبه التقاعدي يكفي للصرف على عائلته. حين وصل إلى المنزل، سأل زوجته عن العشاء فردت: تِمَّن -أرز-. أضافت وقد لاحظت تبرمه: انزل واحضر لنا ضمة فجل من السوق. هبط فالتقطته فرقة حزبية وشحنته إلى الجبهة! بأي نفسية سيقاتل؟ هرب فالتقطته فرق الإعدام المنتشرة خلف الجبهة! أعدم بتهمة الفرار. أصبح مايوز مثلاً يتردد على الألسنة: (فجّيلة السودة يا مايوز)
ضرب باهر مثلاً آخر:
_ شاركتُ في الحرب الإيرانية العراقية أربع سنوات، خدمتُ كجندي احتياط على مدفع مضاد للطائرات من عيار 57 ملم. ذات يوم زارنا قائد الفرقة وأمر بنقل المدفع، وقفتُ وقلتُ بحماسة: سيدي، الموقع الذي تقترحه يقع في قلب الوادي، نحن على أبواب فصل الشتاء وقد يجرفه السيل). صرخ مغروراً: (انجب\inchab). خرستُ! ماذا أقول؟ جاء المطر مبكراً فأغرق المدفع.
وأنا أستمع لباهر تذكرتُ ما رد به وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان على ضابط برتبة ملازم وجه إليه انتقاداً في إحدى المحاضرات: (ما قلته ليس مهماً بالقدر الذي تظن، لكن تجرؤك على انتقاد وزير الدفاع مهم).
هم يبنون قادة ونحن نصنع تابعين!
قال الصديق أحمد غنيم معلقاً على حرب حزيران:
_ على عكس حرب العام 1948، لم يؤلف الإسرائيليون أغان وأناشيد تمجد القتال في حرب العام 1967، ولم يتحدثوا عن بطولات. هذا يعني أن انتصارهم في تلك الحرب لم يكن حقيقياً، لكنهم رسموا له صورة انتصار وروجوها للعالم. أما على صعيدهم الداخلي، فنأوا عن سوق رواية مضللة.
قال الأسير المحرر من سجون الاحتلال -موسى أبو كبر- راوياً حكايته مع تلك الحرب:
_ حين اندلعت حرب حزيران كنتُ جندياً في جيش التحرير الفلسطيني في العراق. في طريقنا إلى الأردن للمشاركة في القتال، طغى علينا الانفعال ونحن نستمع لأحمد سعيد يردد في إذاعة صوت العرب: (وقعت إسرائيل في الفخ، طائراتها تتساقط كالذباب). كان يتلفظ بذلك والطيران الإسرائيلي يُغير على رتل آلياتنا. كاد يتسبب انفعالنا بحادث مروري مروع ونحن نصرخ بالسائق أن يُسرع. كنا نريد ألآّ يفوتنا شرف المشاركة في معركة النصر. وعلى طول الطريق من مدينة المفرق وحتى الأغوار، استقبلتنا الجماهير بالهتاف والزغاريد والقهوة. لكن فرحتنا لم تطل، فقد انفض غبار التضليل عن حقيقة صادمة! لقد هُزمنا.
في أجواء هزيمة حزيران 1967، عم اليأس وأصبح الناس نهباً للشائعات،
تضخمت في الرؤوس صور مجازر دير ياسين وكفر قاسم وقبيا وغيرها.
ولما كانت الذكريات ساخنة، فقد تخوفوا من مصير مشابه.
بدت الهجرة خياراً سيما للاّجئين الذين اكتووا بنيران نكبة عام 1948.
ولما كان البعض لا يملك أجرة الطريق،
فقد أدى الفقر دوراً ثورياً منع كثيرون من الهجرة.
وسط الجو المحموم خاطب مختار قريتنا الناس الحائرة:
_ اثبتوا في بيوتكم، اتعظوا مما أصاب اللاجئين في مخيمات الشتات.
في أجواء الهزيمة لم يجد الكلام استجابة، خشي الناس على أنفسهم ومصالحهم،
وفي بيئة طغى فيها الجهل والانكسار، أضحى الرحيل مخرجاً.
واستغل الإسرائيليون كل ما هو ضعيف في النفوس لتسهيل الطريق.
محنة أعاد فيها الخيال المهزوم إنتاج ما تردد على الألسنة قبل أشهر.
قيل إن ابن القرية “جواد المهبول”، ظل يهذي مرعوباً:
_ اجوا اليهود، اجوا اليهود.
في ذلك الحين تعامل أهل القرية مع ما قاله جواد باعتباره جزء من هبله،
وفي أجواء الهزيمة أضحت هذه نبوأة.
توفي جواد قبل الحرب بشهرين! ما الذي كان سيقوله لو شهد الكارثة.
مع تحيات أبو علاء منصور
من كتابي (عبور النهر)
‎2020-‎06-‎05