نكسة الخامس من حزيران!

سلام موسى جعفر.
تحل علينا يوم غد ذكرى النكسة التي حلت بنا في العام 1967. وكالعادة ستبدأ على وسائل التواصل الاجتماعي حفلات الردح بجلد الذات والنواح، بتشجيع من الاعلام الصهيوني، على جانب مظلم صغير من ماضينا القريب. يراد من هذا النواح أن ننسى المنجزات العظيمة التي حققتها حركة التحرر الوطني العربية، بهدف إشعارنا بالعجز. ولأني ربما سأكون مشغولاً بعض الشيء يوم غد، ارتأيت الكتابة عن الموضوع الآن، بهدف تسليط الضوء على الوقائع، وكمساهمة متواضعة مني في الجهود المبذولة لإعادة تأسيس الوعي الوطني الصحيح.
لم تتعرض أمة من الأمم أو شعب من الشعوب لهذا الكم من (الجلد الذاتي)، بسبب نكسة عسكرية حدثت في تأريخها، كما تعرضت له بلداننا العربية. مع أن جميع الشعوب بلا استثناء تعرضت الى هزائم أمر وأشد من الهزيمة العسكرية التي لحقت بالجيوش العربية، وخصوصا بالجيش المصري في الخامس من حزيران 1967. وقائمة الدول التي منيت جيوشها بهزائم شنيعة تطول. ونحتاج الى مجلدات لعرضها. ولكني سأمر سريعا على بعض تلك الهزائم التي حدثت في التأريخ المعاصر لأمم تتشكل منها حاليا دول كبرى:
• هزيمة الجيش الفرنسي أمام الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الثانية. وقد حدثت بسرعة مذهلة. والأكثر عاراً بجبين الجيش الفرنسي ما حدث من تعاون عدد كبير من جنرالات الجيش المهزوم مع جيش الاحتلال. واعتمد تحرير بلادهم، فيما بعد، على المساعدة الدولية. ثم هزيمتها الشنيعة في فيتنام في العام 1954 في معركة (ديان بيان فو) على الرغم من دعم قوات الناتو، وقد خرج الجنرال الفرنسي الذي رافعاً الراية البيضاء امام المقاتلين الحفاة.
• هزيمة القوات الامريكية في بيرل هاربر امام الهجوم الياباني الصاعق. ثم هزيمتها الشنيعة في فيتنام.
• هزيمة الجيش السوفياتي أمام هجوم الجيش النازي المفاجئ في الحرب الثانية، حيث اضطر الى الانسحاب الى ضواحي موسكو.
لم تستسلم هذه الأمم، بل أعادت تنظيم جيوشها. هذا ما يحدث لكل الشعوب.
حرب حزيران ضد العرب كانت حرب أمريكية بأيدي إسرائيلية، هدفها الرئيس هو إسقاط نظام التحرر الوطني في مصر. هذا النظام الذي كان بحق يقض مضاجع أمريكا وقاعدتها إسرائيل والحكام الرجعيين في المنطقة. وقد جربت الإدارة الأمريكية كل السبل الممكنة لاحتواء النظام، أو اغتيال قائده. ولما فشلت، قررت أمريكا اسقاط نظام عبد الناصر، عبر الحاق هزيمة عسكرية بالجيش المصري.
النظام لم يسقط، كما خططت له أمريكا وإسرائيل، بسبب من دعم الشعب المصري له لمختلف الأسباب. وبدأت عملية فورية لإعادة بناء القوات المسلحة واستطاعت بسرعة قياسية تحقيق نجاحات مذهلة، مكنتها من خوض معارك مسلحة ضد التحرشات الإسرائيلية، والحقـت بالجيش الإسرائيلي (الذي لا يقهر) خسائر كبيرة (معركة المدفعية واغراق المدمرة إيلات) في نفس سنة الهزيمة. ثم تلتها حرب الاستنزاف التي توسل فيها العدو وقف اطلاق النار. ثم عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف. ليس هذا فحسب بل انطلقت حركة مقاومة فلسطينية شعبية مسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي. وكان من أبرز انتصاراتها في العام التالي للنكسة هي معركة الكرامة الخالدة عندما هزمت الجيش الاسرائيلي مستخدمة السلاح الابيض. ولم يتوقف الأمر على تحقيق انتصارات عسكرية على العدو الصهيوني بل تعدتها الى تحقيق انجازات سياسية واجتماعية، منها تبني منظمات وحركات سياسية ذات صبغة قومية للماركسية كنهج فكري تسترشد به. وأصبح يلاحظ ازدياد مشاركة المرأة العربية في العمل السياسي والعسكري أيضا.
لست هنا بصدد استعراض قائمة هزائم العدو. بل أريد التأكيد على أن هدف الحرب الامريكية، التي تمت بأيدي الأداة الإسرائيلية، لم يتحقق، بل بالعكس، فالنظام في مصر صار أكثر قرباً من شعبه وأكثر اعتمادا عليه بعد المظاهرات المليونية التي رفضت الهزيمة وأعادت القائد الى موقعه. كما ان مشروعات نظام التحرر الوطني الاجتماعية ومواقفه السياسية بالتصدي للإمبريالية والصهيونية قد تجذرت أكثر بعد الهزيمة العسكرية، كما ان علاقته بالاتحاد السوفياتي صارت أمتن.
لم تتحقق أهداف حرب حزيران إلا بعد وفاة عبد الناصر (العدو المر حسب تعبير غولدا مائير) حيث اتيحت الفرصة لاحتواء النظام.
وفي كل مرة تمر ذكرى الحرب تتصاعد حملات الجلد الذاتي ويشارك فيها جيل، تَشَبَعَ مسبقا بوعي مشوه، للدرجة التي صار يسخر حتى من الشهداء الابطال الذين دافعوا عن جيله. تكرار الجلد الذاتي في ذكرى الحرب يقع ضمن اهداف الحرب نفسها، وذلك بتكريس عدم الثقة بالنفس من أجل الاستسلام أمام المشروع الصهيوأمريكي وعدم مقاومته.
أن من يشارك في الكتابة عن حرب حزيران دون التطرق الى أهداف تلك الحرب، انما يشارك بتكريس روح الهزيمة، عن دراية أو عن جهل، وبالتالي يقوم بتحقيق أهداف العدوان الإسرائيلي.
المجد للشهداء العسكريين والمدنيين الذين سقطوا في معارك حزيران وفي المعارك التي تلتها. المجد للمقاومين الفلسطينيين والمتطوعين العرب الشهداء منهم والاحياء!
‎2020-‎06-‎05