في محاولة لفهم ما يجري في العراق: مآسي وعبر مؤلمة!


د. سعد ناجي جواد.
يؤكد بعض المؤرخين ان في تاريخ الامم حوادث بسيطة الا ان ما ينتج عنها يمكن ان يغير مسار اية امة من الامم سواء سلبا او ايجابا. في حالة العراق فان الاحداث ذات التاثير السلبي مع الاسف تبقى اكثر من غيرها. في ظل الظروف التي سببتها الجائحة البغيضة، التي جعلت كل منا وهو حبيس المنزل، يستعيد احداثا كثيرة سواء مع نفسه او مع اقرانه واصدقائه، وجدت نفسي استذكر حوادث ثلاث كلما جرى الحديث عن اسباب ما يحصل في العراق.
الحادثة الاولى حدثت بعد ست سنوات من الحرب العراقية-الايرانية البغيضة، هذه الحرب التي لم تكن مطلوبة ابدا وكان يمكن تفاديها بالقليل من الحكمة وضبط النفس، ولكن الطرفان سعيا لها باندفاع وغرور وعنجهية، كل طرف يعتقد انه يستطيع ان يحسمها لصالحه في مدة وجيزة، حتى التهمت نيرانها ارواح خيرة شباب البلدين وافرغت ميزانيتهما الكبيرتين. في تلك الفترة قدمت الى لندن بدعوة من جامعة انكليزية لالقاء بحث في مؤتمر علمي. واثناء تواجدي في لندن التقيت قريبا لي في مكتبه. ونحن نتجاذب اطراف الحديث، دخل علينا صديق له لا اعرفه. وعندما علم اني قادم من بغداد بدا يسالني بنبرة لم استسيغها عن الاحوال في العراق بعد (الهزائم التي مني بها الجيش العراقي واحتلال الفاو حسب قوله). استفزني اسلوبه، واستفزني اكثر عندما قال بان حزبه، حزب الدعوة، سوف يصلح الامور في القريب العاجل. وبدات احاول ان ارد عليه بهدوء. وبعد نقاش طويل حاول فيه ان يضرب على اوتار كثيرة منها الطائفية ومنها المصلحية، وبعد ان وجد عندي اذنا صماء، بادرني بسؤال مباشر قائلا (افهم من كلامك ان النظام البعثي مازال قويا وان نهايته غير وشيكة؟) فقلت له: على الرغم من كوني لست بعثيا الا ان هذه حقيقة ثابتة لحد الان. عندها التفت الى قريبي وقال له بغضب (والله حرام يا اخي نحن نعيش هنا كاتلنه الفگر (يقتلنا الفقر) والبعثيون يتمتعون بثروات العراق لوحدهم)، لم اعر هذه الجملة الكثير من الانتباه آنذاك، ولكني تذكرتها جيدا بعد الاحتلال، ولا ازال اتذكرها كلما تم الحديث عن الفساد في العراق، وبعد ان ظهر جشع وفساد وطائفية هذه النماذج، وكيف انهم افقروا البلد ونهبوه. لقد اثبتت الاحداث ان هدف هذه النماذج الوحيد كان هو الاستئثار بخيرات العراق، وكل ما كانوا يتحدثون عنه من حرص على البلد وشعبه، ويتباكون على (اوضاعه الماساوية التي سيعملون على تحسينها)، لم يكن سوى كذب ودجل.
الحادثة الثانية جرت في عام 1995، وبالضبط بعد هروب حسين كامل صهر الرئيس ويده اليمنى. هذه الحادثة التي هزته هزة عنيفة، واشعرته بضعف كبير في اول ايامها. كنت انا في ذلك الوقت واحدا من مجموعة مكونة من ثمانية اشخاص اعزاء (محامين واكاديمين واقتصاديين) كنا قد بادرنا في عام 1992 وبعد كارثة اجتياح الكويت والحرب المدمرة التي تلتها، بارسال مذكرة شخصية الى رئيس الجمهورية تمحور مضمونها حول نقطتين رئيستين: الاولى ان الاوضاع لم تعد تحتمل حكم حزب واحد وصحافة حكومية فقط، وان اخراج العراق من اوضاعه الصعبة لا يمكن ان يتم الا بتبني نهج ديمقراطي، وفسح المجال لاحزاب اخرى لكي تعمل في الساحة، وان تكون هناك اصلاحات ملموسة وهامش من الحرية في التعبير، والجانب الثاني تمثل في طلب الحصول على موافقة لاصدار جريدة يومية او اسبوعية مستقلة، او السماح لنا بانشاء منتدى ثقافي مستقل يحق له تنظيم محاضرات عامة. ويبدو ان الطريقة المهذبة والذكية والهادئة التي طرحت فيها تلك الافكار قد اعجبت الرجل، حيث قام بالايعاز بنشر المذكرة في الصحف اليومية التابعة للدولة. الامر الدي شجعنا الى كتابة مذكرات اخرى، على الرغم من عدم حصولنا على الموافقة لاصدار صحيفة. وكانت فرصة هرب حسين كامل والحالة النفسية التي مر بها الرئيس اكثر من مواتية لارسال مذكرة مباشرة اخرى له اكثر صراحة. وكان مضمون هذه المذكرة الاساس مبني على فكرة ان من يعتمد على هكذا نماذج فعليه ان يتوقع ويتحمل نتائج خياراته، وان معيار الاختيار يجب ان يكون مبنيا على النزاهة والكفاءة والوطنية وليس اي معيار اخر. وكررنا ضرورة اعتماد اصلاحات ديمقراطية واعدنا الطلب بالحصول على صحيفة مستقلة. وكما فعل مع المذكرات السابقة فلقد امر بنشرها في الصحف اليومية، وزاد على ذلك بان اوعز للمرحوم طارق عزيز بان يلتقي بنا. وهذا ما حصل. المهم في هذا الحادثة، ان الرجل، وبعد ان سمع منا احاديث صريحة كثيرة، وبعد ان وجد لدينا رفضا ثابتا لفكرة المشاركة في حكومة مستقبلية، اوضحنا له ان هدفنا هو تشجيع الحكومة على اجراء اصلاحات ديمقراطية ونوع من التعددية ومصالحة وطنية وحوارات مع احزاب المعارضة، وان نجعل من الصحيفة التي نرغب في الحصول عليها منبرا لمثل هكذا افكار، ومواضيع اخرى كانت تعتبر من المحرمات انذاك، وللشهادة فان الرجل تقبل كل ما قلناه بصدر رحب، وكان يحاور ويرد بهدوء على ما نطرحه. في نهاية اللقاء قال جملة لم نستسيغها انذاك، الا ان الاحياء منا لا يزالون يتذكرونها لحد هذا اليوم، جاء فيها ( انتم تطلبون منا ان نفتح حوارا مع المعارضة في الخارج. هذه ليست معارضة هذه مجموعة من السراق والعملاء لاطراف خارجية. انتم من نعتبركم المعارضة الوطنية الحقيقة. واتمنى ان تدركوا شيئا واحدا ان الاحزاب والحركات (الاسلامية) تحاول ان تتذرع بالديمقراطية لكي تصل الى الحكم، وبمجرد ان تصل الى مبتغاها سوف لن تتركه، وستقوم بالغاء الديمقراطية او تشوه محتواها، وستكون مستعدة لاحراق الاخضر واليابس في سبيل البقاء في الحكم، وستقوم بتصفية كل من يعارضها). ولا اعتقد ان هناك الان من يختلف مع هذه الحقائق اللهم الا المستفيدين من تسلط هذه الاحزاب.
اما الحادثة الثالثة والاخيرة التي اتذكرها دائما فتتمثل بتصريح شهير ادلت به سيئة الصيت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية الاسبق اثناء الحصار اللا انساني الذي فرض على العراق، والذي اودى بحياة ما يقارب من مليوني شخص حتى وقوع الاحتلال. كلنا يتذكر حديثها اللئيم عندما قالت بان ضرورة استمرار الحصار وتشديده تبرر موت اكثر من نصف مليون طفل عراقي، لكن التصريح الاخر والاهم من وجهة نظري المتواضعة هو الذي ادلت به عندما سئلت عن جدوى استمرار الحصار الظالم بعد ان ثبت ان العراق خال من اسلحة الدمار الشامل، فاجابت (نعم هذا صحيح، ولكن العقول ما تزال موجودة هناك)، ونفس القول كرره سياسيون وصحفيون اميركان وصهاينة، وصل الحد ببعضهم الى اقتراح ابادة هذا الجيل من العلماء والمبدعين كي لا تقوم للعراق اية قائمة بعد ذلك. وهذا لعمري ما نتج عن الاحتلال وما لا يزال يجري على قدم وساق، حتى اصبحت الفجوة العلمية والتكنولوجية بين العراق ودول العالم الاخرى من السعة بحيث انها تحتاج الى جيل كامل او اكثر لكي يتم ردمها بنجاح. مع ممارسات اخرى لا تخفى على اي لبيب.
بعد ذكر هذه العبر البسيطة هل هناك حاجة لكي يتساءل البعض عن الاسباب التي اوصلت العراق الى هذا المنحدر؟
كاتب واكاديمي عراقي
‎2020-‎06-‎04