البيان التحولي:العصر الكوارثي للارض/4أ !


عبدالامير الركابي .
 لكل رؤية في التاريخ والياته واغراضه النهائية، خلاصة مستقبلية، ترى وتوصل القادم بما راته من مسارات الماضي والمعاش الحاضر اتفاقا مع ما اكتشفته وتوصلت اليه من مضمر،هو في حالتنا المضمر الغائب الأكبر، الذي يخبيء بين طياته اعظم اسرار الوجود ومآيؤول اليه، وهي تبلغ اليوم منعطفا تحققيا ابتدائيا اوليا، يؤسس لصورة العالم المعاش من هنا فصاعدا.
والأكيد انه من غيرالمحبب باي قدركان، الإعلان عن نهاية أنماط الحياة وتدبيراتها المتلائمه مع التوافقية الابتدائية المتاحة مع البيئة والطبيعة، مع الاخذ بالاعتبار والحسبان، ان مايراد التنويه به واظهاره هنا والان، هو قطعا من باب التنبؤات الكوارثبة المرفوضة قطعا، والتي سيقاومها العقل الخاضع للغريزة، تحت وطاة البداهة من ناحية، والمصالح وهي الأهم والأكثر حضورا، كما استنادا لتراكمات الايمانات المتوارثة، فالقوى التي اليها والى وجودها يعود السبب في استنفاد الحياة لممكناتها الراهنه، أي الراسمال الغربي الربحي، ستظل تقاوم رافضة الاعتراف بالحقيقة المتصلة بوجودها، وبالدور الذي لعبته وكان مناطا بها تكوينا وتصيّرا تاريخيا.
فاذا قلنا بان الكوكب الأرضي لن يعود بعد اليوم صالحا للحياة، وان الكائنات الحية وعلى راسها الكائن البشري ستكون من هنا فصاعدا معرضة للفناء، ومحكوم عليها ب”العيش على حافته”، فاننا لانفعل وقتها سوى تطبيق نمط التصور القائم على فكرة مؤقتيه السكن الحياتي الأرضي، والبشري أساسا، مع مايقتضيه من اخذ الأرض ككائن حي، وكعنصر أساس مشارك في التفاعليه التصيرية الناظمة للوجود، والمتفقة مع الإيقاع الكوني، وتصمصم الغائية العليا، بما يضع هذا العنصر الحيوي بخانه عوامل الفعالية ومسبباتها الانتهائية الاساسيه، حيث يتداخل تكوين المجتمعيات والانتاجوية المجتمعية، وماتنتهي اليه بالتماشي مع توزعات انماطها وممكناتها الانقلابيه، مابين أحادية انشطارية طبقية التكوين، ومجتمعية ازدواجية الانشطار وتحولية بنيويا، مع الافتقار للعنصر التحولي المادي.
ان تاريخ الانتقال الى الالة والإنتاج المصتعي، هو كما سبق التنوية تاريخ انتهاء التوافقية المنتجية بين الانسان والطبيعة احاديا، وبالذات طبقيا، حيث اعلى واكثر اشكال الدينامية الحيوية الأحادية، يقابلة الاختلال التاريخي الريعي في الموضع الازدواجي المجتمعي الرافديني الاصل، الامر الذي لم يسبق له ان لوحظ، بالاخص، بظل سيادة مفاهيم الفبركة الكيانية والمجتمعية المسلطة من الغرب خلال القرن المنصرم، عدا عن تأخر عمل اليات الاختلال الانتاجوي في العراق تحديدا، الى عام 1968 مع قيام حكم الريع النفطي متلازما مع الفبركة العقائدية والنواة القرابيه، بالمقارنة بالطور الأول من نظام الفبركة والدولة من اعلى، 1921/1958 حين استمرت مع تفاقم احتدام اليات الازدواج المجتمعي وقاعدته الإنتاجية الزراعية، واليات الامبرطورية الكيانية المختنقه في ذروة تجليها، وتاجج عمل الياتها الناجمه عن وطاة الفبركة على مستوى الدولة المقحمه من خارج النصاب المجتمعي على وجه الخصوص.
مع عام 1968، وتحديدا بعد 1972 مع تاميم النفط انقلبت كليا وتماما قواعد الاصطراع الطبيعي التكويني التاريخي الرافديني بينما تظافرت وطاة الفبركة الغربية والريع القاتل للاساس الاصطراعي مع قلب العملية الإنتاجية بما قد امنه من أسباب استقلال الدولة عن المجتمع، وتحولها الى “رب عمل ومشغل اكبر” غير خاضع ولا متاثر بالدرجة الأولى كما المعتاد بقوانين الإنتاج التاريخي الازدواجية، ماقد انذر بقتل المجتمع الأسفل واوحى بتصفيته لولا دخول العراق زمن الكوارثية و “العيش على حافة الفناء الثاني” المبتدء من أواخر السبعينات، وعلى وجه التحديد منذ الثمانينات عند بدء الحرب العراقية الإيرانية، يوم دخل العراق زمنا من الكوارثية المستمرة التي تحولت الى قانون مستمرلم يتوقف فعله الى الوقت الراهن، تضمن حزمة متوالية من الحروب الكبرى الكونية، والحروب الاهلية الداخلية، والحصار،مع تضرر ركائز وأسباب المجتمعية والكيانية الازدواجية، بما يكاد يذكر بالانقطاعية الأولى اللاحقة على الدورة الافتتاحية السومرية البابلية الابراهيمية، بعد سقوط بابل على يد الإمبراطورية الفارسية، حين تفوقت وقتها أسباب الانقطاع على الاليات الازدواجية المبكرة ولم تعد للعمل وتنبعث الا بتدخل الفتح الجزيري في لاالقرن السابع وبدء الدورة الثانية.
وتختلف السياقات بالمقارنة بين حالتي الخروج من الانقطاع الاول مقارنة بالثاني، بكون التشكل الراهن قد نجم عن فعل الاليات والأسباب الداخليه، كما كان عليه الحال ابان الدورة الأولى، وبعد عام 1258 ودخول هولاكو واحتلاله بغداد وانهيار البنية الإمبراطورية الازدواجية الثالثة والوحيدة في الدورة الثانيه،بعد الاكدية والبابلية قمتا الازدواج الامبراطوري في الدورة الاولى، عاد التشكل الوطني الى الحياة في دورة ثالثه بدات مع القرن السادس عشر، من ارض سومر التاريخية، صعدا الى اليوم بالارتكاز الى العوامل الذاتية، وقد كتب له ان يتعرض لاخطر اشتراطات واحتمالات المحق، من قبل القوة الصاعدة تواقتا معه، في الطرف الغربي الأوربي من المتوسط، وثورته وصعوده الالي الراسمالي الحديث، المتحول الى ظاهرة ونموذج مهيمن على المعمورة رؤية ومفاهيم وحضورا مباشرا.
وفي حين أصيب الغرب ولحقت به هزيمة منكرة على صعيد الكينونه والنموذح واجهها ابان المرحلة الأولى من حضوره الى ارض الرافدين، ماقد اضطر لفبركه كيانية وصيغة دوله مناقضه لحقيقته، وللمكان الذي ركبت فوقه من خارج النصاب المجتمعي، وبالتضاد مع عملية التشكل التاريخي، ماقد استثار اعنف واعلى زخم مجتمعي وتاريخي مضاد، تجلى بحالة استبدال مارسه مجتمع اللادولة الأسفل، مستعملا أدوات من نفس طبيعة المشروع الغربي وبالاستناد لموضوعاته ونموذجه، ابقى الدولة المفبركه في حالة استحالة، انتهت بثورة كبرى ثانية، هي تكرار متقدم لثورة حزيران 1920 التحولية الحديثة الأولى، الحاضرة بطبعتها المناقضة لكل اشكال الدول، وبالذات منها وتحديديا، تلك التي أقيمت من قبل الإنكليز عام 1921 الامر الذي عاد وتجدد خلال ثورة تموز 1958 زخما وحضورا، يفتقر الى التعبير عن الذات، مع انه عاد ليضع الغرب بصيغته الثنائية القطبيه هذه المرة، ومايتولد عنه من نظام دولي امام ضروره استيلاد وإعادة صياغة فبركة متقدمه مابعد استعمارية كولونياليه.(1)
يتواقت التدبير الثاني الأعنف والامضى التدميري بحق البنية التحولية الازدواجية، مع بدايات افتقاد النموذج الغربي الحديث لمقومات استمراره مع تراكم التناقضات داخل العملية الإنتاجية الراسمالية، وتراجع دور الاله، والتازم المجتمعي المتفاقم، وازدياد تفارقها عن المنظور المطابق بعد تراجع فعالية ترسانة المفاهيم الأحادية، الامر الذي ادخل العالم برمته حالة من تفارقيية شاملة بين الواقع المعاش، والادراك العقلي المطابق، وجعل من التفارق التاريخي العقلي المجتعي، قضيه داهمة، بينما البشرية تذهب تباعا الى اللامجتمعية، والى غلبة أسباب الكوارثية الإنتاجية كمقدمة لطورجديد واخير.
من اهم مايلفت النظر في الظاهرة المنوه عنها، توافق دخول الموضعين الانشطاريين الطبقي الالي الراسمالي، والازدواجي المجتمعي التحولي، مقدمات اللامجتمعية، وانتفاء اسباب التشكل الكياني بعد الرضوض الموجعة التي أصيب بها الحيز اللامجتمعي الأسفل الرافديني بفعل واثر التدبيرية الثانية الريعية العقيدية القرابيه، وقلبها لاسس عمل الاليات المجتمعية، وما انتهى اليه التدبير المذكور بعد الغزو الأمريكي وسحق الدولة الريعية وتصفيتها، مااحل الفراغ، وعدم إمكانية التبلور على النطاق الأعلى في عراق الجزيرة، بعد محاولتيه،المدعومتين من الطاريء الغربي، وريث العثماني، الأولى العشرينية، ثم الثانية الستينيه مع أقامه صيغة من الحكم المستند للفبركة العقائدية المسروقة من المدى اللادولتي الأسفل، والريع، ومااثارتاه او مااثاره التدبير الثاني بالاخص، من اشكال تصد متعدية للنطاق الكياني الرافديني،شملت ايران والخليج العربي، ومن ثم الولايات المتحدة الامريكية، متخذه صيغا انقلابية واحترابيه غير عادية، فقد الغرب بموجبها شرطية الخليجي الإيراني الشاهنشاهي، ومعه وبنتيجه زواله، صيغة النظام الريعي العراقي، الذي أصيب مع ثمان سنوات من الحرب هي الأطول بين دولتين بعد العرب العالمية الثانية، قاعدة واساس وجوده وإمكانية استمراره، يوم لم يعد يتمتع بامتياز الوفرة الماليه الريعي بسبب كلفة الحرب، ماقد وضعه امام حالة اختلال، وافتقاد للتوازن، جاء مترافقا مع اختلال اكبر لحق بالثنائية القطبيه، اثر انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفرد الولايات المتحده بالزعامه الكوكبية كقوة عظمى غير منازعه.
لنعيد قراءة لوحة التاريخ بعد الخمسينات من القرن الماضي والى اليوم في نقاط وخارج الترسانة المفهومية للتاريخ الخاضع لمنطق الفبركة والقصور التاريخي العقلوي:
ـ في 14 تموز 1958، ثورة تحوليه عراقية ثانية متعدية لكل اشترطات مايعرف بالنطام الدولي المفروض من الغرب، وبالأخص على حافة مستودع النفط العالمي.
ـ في حزيران وتموز عام 1968 أي شهري وقوع الثورتين التحوليتين العظميين العراقيتين الحديثتين في 1920/1958، قام، او أقيم نظام ريعي عقيدي عائلي في المدى العراقي المشمول مايزال بمفاعيل الدورة الثانية المنهارة، والمفعم بالفبركة والبرانية المتوارثة منذ سقوط بغداد على يد هولاكو، ماحقق للمرة الأولى للنموذج الغربي، ممكنات واحتمالية تدمير أسس وقواعد الاليات المجتمعية الازدواجية التحولية، لابالتصنيع او الاله، او النموذج الكياني الغربي، بل بوسيله الريع النفطي التي امنت استقلال الحكم عن المجتمع، وحررته من وطاة المجتمع الأسفل، أي مجتمع اللادولة التاريخي فصارت الدولة موظفا اعلى للمجتمع، مانعة احتمال التصنيع والطبقية غير الممكنه بنيويا من جهه، وموقفة الى حد بعيد الصراعية المجتمعية التاريخيه(2).
ـ هذا الخطر الداهم غير المسبوق، استثار رده فعل من خارج الكيان الرافديني، ومرة أخرى وبالمقلوب، وجدت ايران في حالة دفاع مصيري عن وجودها ظاهرا، ومااتفق مع الرغبة في بعث قانون الإمبراطورية التاريخي، تحت طائلة الخطر على المذهب الشيعي، بدلاله ماقد صارت النجف تواجهه من مصير مع قيام نظام البعث، الامر الذي اوجد ظاهرة “الخميني” الذي كان منفيا في النجف، وشهد بروفة انتفاضة خان النص عام 1976 بين كربلاء والنجف، وعرف بالمعايشة اليومية، حجم وطبيعة الخطر الاتي من بغداد، ماقد برر وقتها بقوة، نظرية ” ولاية الفقية” وماترتب عليها.
ـ يتبع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انتهى الاستعمار القديم يوم عرفت اول صيغة من صيغ “الاستعمار الجديد” عام 1920 في العراق عندما قرر الانكليز اعتماد مااطلقوا عليه تعبير”الحكم من وراء ستار” وهو ادق تعبير ممكن ودال عن ظاهرة الاستعمار التي عرفت لاحقا بعد الخمسينات على يد الولايات المتحدة الامريكية.
(2) من الملفت والمثير قطعا ان يحل “الريع النفطي” محل الريع الامبراطوري التاريخي الرافديني الذي كانت الإمبراطورية مضطرة لتامينه من خارج الكيان طلبا للاستقلال عن المجتمع لاستحالة اخضاعه، والمشروط بانفتاح الأفق والمدى الجغرافي، اما بالفتح في الدورة الثانية، او بالاسبقية التاريخيىة وبكورة التبلور، كما في الدورة الأولى والاكدية منها لالذات كنموذج، بحيث يأتي النفط كبديل، وكحل راهن (حديث) لمعضلة الازدواج الامبراطوري غير القابل للتحقق راهنا، لانغلاق الأفق وظاهرة الغرب، الامر الذي تتكفل الطبيعة في تقديمه، محققة حالة استثناء وتبدل في الاليات استثنائية، تستحق توقفا وفحصا خاصا لاحقا.

2020-06-04