ذكريات من زمن الفدائيين….1!

أبو علاء منصور.
الثاني من شهر حزيران 2020…. ها أنذا أخرج من بيتي في رام الله للمرة الثانية بعد سبعون يوم حجر صحي. كان اتحاد كُتاب فلسطين في منطقة البالوع بالبيرة وُجهتي الأولى. وفي الطريق حملتُ معي الصديق جمعة الرفاعي مدير مكتب الاتحاد. في سياق الحديث مع الصديق مراد السوداني رئيس الاتحاد، قال حين سألته عن مصير كتابي (المنسيون) الذي تعهد بطباعته على نفقة الاتحاد:
_ تعطل كل شيء في الأشهر الثلاثة الأخيرة بسبب فيروس كورونا، سنرسل الكتاب إلى المطبعة قريباً بعد تدقيقه للمرة الأخيرة.
في حديث عن معاناة الكُتاب قال مراد:
_ كان ناجي علوش عليه رحمة الله، أول رئيس لاتحاد كتاب فلسطين الذي تأسس عام 1972. حين انتخبتُ رئيساً للاتحاد أول مرة بعد عقود من هذا التاريخ التقيتُه في عمان، كان على فراش الموت، ولم يكن طبع له كتاب واحد في فلسطين، أردتُ أن أفرحه بطباعة كتاب له في الوطن، وفي داخلي كنتُ أريد أن أنجو من عار التقصير. طبعتُ الكتاب على حسابي الشخصي وحملتُ نسخاً منه إلى عمان. أردتُ أن يشاهد الكتاب قبل أن يموت. كان فرحه عظيماً، لكن لونه امتقع حين قرأ على الصفحة الأولى:(طُبع الكتاب على نفقة مراد السوداني). سألني متألماً ومستغرباً: (أنت غني؟). قلت: (لا، لكني أردتُ أن أنجو من العار)
غادرتُ مقر اتحاد الكتاب. ومررتُ على مكتب هيئة المتقاعدين المدنيين القريب، لم يكن هناك سوى رئيس الهيئة أبو كرمل واللواء ديب أحمد. جلستُ قليلاً ثم غادرتُ إلى مكتب الحملة الشعبية لتحرير الأسير مروان البرغوثي. فالتقيتُ الأصدقاء: الأسير المحرر محمود جبري، ونداء محمد البرغوثي وفادي البرغوثي. ساعة وغادرتُ إلى مقر وزارة الداخلية في منطقة الماصيون. جلسة قصيرة في مكتب الصديق محمود قنداح مدير عام الجوازات، وصعدنا سوياً إلى مكتب الصديق يوسف حرب وكيل الوزارة.
تعرفتُ على يوسف في زمن فلسطيني جميل، أيام الانتفاضة الأولى، يومها كان ضمن نخبة كوادر في مقتبل العمر، أبعدتهم سلطات الاحتلال إلى الأردن: حسام خضر، تيسير نصر الله، بلال دويكات، ومحمد تيم، الشهيد عبد الله داوود، الشهيد ياسر البدوي، والأسيرين المؤبدين ناصر عويس، وماجد المصري الملقب بزبز. في مكتب يوسف دار حديث ذكريات عن زمن الفدائيين وأبطال الانتفاضة، زمن ازدهر بالعطاء، ويمكن تسميته (زمن الكبار، زمن الشراكة). نعم إنهم كبار بكل ما تحمله الكلمة من معنى ودلالات، هذا ينطبق على القادة وحتى أصغر العناصر.
انثالت الذكريت فتذكرتُ جلسة على الغداء في تونس، بحضور أبو عمار وعدد من كوادر الأرض المحتلة بمن فيهم يوسف. وحضر الجلسة المناضل كامل الأفغاني الذي استدعي من البلاد على أثر مشكلة وقعت في الداخل، وقيل أنه كان يقف خلفها. خاطبه أبو عمار قائلاً: (أنا ما عنديش لحية ممشطة يا كامل). رد كامل دون أن يرف جفنه: (وانا كمان معنديش لحية ممشطة يا أخ أبو عمار). لم يرُد أبو عمار بشيء وانتهى الحديث…. في أيام الفدائيين كان الفدائي يتصرف من واقع أنه شريك وليس تابع، بمثل هذه العقلية تُصنع الثورات، وتصان مسيرتها.
في مرة أخرى وكان ذلك بعد هزيمة حركة فتح أمام حركة حماس في انتخابات الغرفة التجارية لرام الله، وكان ذلك أيام الانتفاضة الأولى كذلك. يومها أخطأ أبو عمار فتجاوز الإطار التنظيمي الذي كنتُ أقوده -لجنة الوسط- وكلف آخرين بمهمة الإشراف على الانتخابات. أثار ذلك غيظي وغيظ الأخ مروان البرغوثي وأعضاء اللجنة. بعد الهزيمة استدعيتُ ومروان إلى تونس، وكنا مهيئين لعمل مشكلة مع أبو عمار، إن وجه لنا نقداً حول الفشل. التقانا أبو عمار بعد منتصف الليل، بحضور نخبة كوادر من الداخل ومنهم يوسف حرب. أرعد أبو عمار وأزبد دون أن يتطرق لي ولمروان، فقال مروان غاضباً: (نحن هُزمنا، يلعن أبونا، لكنك السبب). مال عليّ أبو عمار محاولاً الاستعانة بي على مروان فقلتُ غاضباً: (أستغرب أن تهتز رُكب حركة فتح بسبب هزيمتها في الغرفة التجارية لرام الله! هل رام الله هانوي؟). رد أبو عمار مستفزاً: (يعني أنا ابن كلب؟). قلت: (حاشاك، أنت قائدنا ورمزنا). تدخل أمين مقبول محاولاً تهدأة الأجواء فقال أبو عمار: (احبسوه). اقتاده الحراس إلى السجن….
تداعى حديث الذكريات فقلت:
_ في العام 1983، في ذروة انشقاق فتح، دُعينا لاجتماع قيادي في بيت أبو عمار بدمشق بحضور نخبة قادة فتح، أبو عمار، أبو جهاد، أبو إياد، أبو اللطف وآخرون. كان الجو قاسياً ومشحوناً للغاية، فالحركة على مفترق طرق. كان رشاد الكاسر ضمن الحضور، ولم أكن التقيته سابقاً، لكن سمعة الفدائي سبقته. تحدث أبو عمار، فوقف رشاد وقال منفعلاً: (اهتموا بأبناء الشهداء يا أخ أبو عمار). لا أدري لماذا استُفز أبو عمار فرد غاضباً: (احنا مش محتاجين حدا يعلمنا). لماذا رد بهذه العصبية؟ ربما هناك من همس في أذنه بأن رشاد يؤيد المنشقين، لم يكن رشاد منشقاً، كان صادقاً ووفياً، وتحدث من عمق حرصه على الحركة التي اضطربت سفينتها وسط الأمواج المتلاطمة. رد رشاد بكلام قاس يصعب عليّ كتابته، قال ما قاله وهمّ بالمغادرة، فخاطبه أبو عمار آمراً: (انضبط يا عسكري). رد رشاد: (لن أنضبط). قال ذلك وغادر وسط ذهول الحضور! تصرف رشاد كمقاتل فدائي.
كان أبو عمار يُحبني، لكنه غضب مني ذات مرة، وسافر إلى عمان وبقيتُ في تونس. عقد اجتماعاً للجنة الانتفاضة في عمان وفي سياق حديثه قال غاضباً مني: (منصور صاير بتاع تحشيش فكري، تركته في تونس). رد موريس: (إذا كان منصور مخطئاً فنحن جميعاً مخطئون، منصور دائماً في قلب العمل). لم يعلق أبو عمار، لكن أحد الحضور مال على موريس وهمس: (ورقة منصور ساقطة، لا تدافع عنه)…. حتى في زمن الفدائيين هناك من يخشون على مصالحهم.
قلتُ ليوسف وأنا أودعه:
_ أنت وتيسير وحسام وأمثالكم من رواد الانتفاضة الأولى وقادتها ترتكبون جريمة بحق تلك المرحلة وأبطالها، لأنكم لم توثقوها، ما زال هناك وقت، وعليكم أن تبدأوا بتدوين أيام تلك الملحمة ومفاصلها، وإلاّ ستضيع كما ضاعت ثورة 1936. إن لم تكتبوها سيكتبها غيركم، سيزوّرها المتفرجون ومن كانوا على الرصيف.
مع تحيات أبو علاء منصور
‎2020-‎06-‎04