من أوراق كتابي (المنسيون) ج11!

أبو علاء منصور.
العلاقة وثيقة بين الهزيمة وتردي القيم…
في زيارتي لعائلة المرحوم أحمد الدبك في قرية تياسير، تنحيتُ بنجله عامر الدبك الذي قضى ثلاث سنوات في السجن، فراح يسرد قصصاً من تجربة اعتقاله: كنتُ طالباً في كلية القانون بالجامعة العربية الأمريكية في جنين حين اعتقلت عام 2013. اعتقل معي شقيقي محمد وحكم سبع سنوات وما زال أسيراً وكذلك شقيقي الأصغر طارق الذي قضى عاماً ونصف. اقتادوني إلى معتقل الجلمة، قضيتُ أسبوعاً في زنزانة انفرادية، جدران باطون خشنة وبلا شبابيك، بطانية وجومي، ويدخلوا لك الأكل من تحت الباب. تتنفس عبر مكيّف وتقضي حاجتك في فتحة تسمى مرحاض. لا ترى بشراً غير الجندي الذي يفتح الباب، يكلبشك ويعصب عينيك بعصبة سوداء ويقتادك إلى التحقيق. دقائق ويُجلسك على كرسي مثبت بالأرض. يزيل العصبة عن عينيك فتجد نفسك قبالة محقق خلف مكتب. قال لي المحقق يوفال: خرِّف. قلت: عن ماذا؟ قال: عن أي شيء. قلت: خرِّف أنت. قال: يئست منك، سأرسلك إلى السجن. حين وصلتُ السجن كان السجناء في قيلولة عدا واحد اسمه فريد، كان يجلس متوتراً ويقرأ رواية، ظننته عصفوراً وبادلني مشاعر الريبة. أشعلتُ سيجارة فاستيقظ رجل أربعيني عرّفني على نفسه باسم أبو تحرير. قال: الشباب نايمين، لو سمحت دخّن في الحمام. استيقظ النيام فقال أحدهم مُرحباً: عندنا فدائي جديد. بعد صلاة العصر اختلى بي أبو صالح وهو شاويش الغرفة وقال: أنا فدائي قديم عمري أربعة وستون عاماً، هذه آخر سجناتي. ما اسمك؟. قلتُ: عامر دبك. قال: أنت من جماعة الدبوية -يقصد عملية الدبوية-. قال ذلك وراح يسرد أسماء خلية الدبوية وبينهم عدنان جابر من قريتنا وأضاف: دير بالك. لا تثق بأحد بمن فيهم أنا. تحدث مع شخص واحد فقط هو أبو يونس الموجه العام. أضاف عامر: اكتشفتُ بعد فوات الآوان أنني في قسم العصافير، ثمانية وثلاثون عصفوراً، أنا وفريد الأسيران فقط. أعمار العصافير تتراوح بين الثامنة عشرة وحتى السبعين. يحفظون القرآن ويتقنون الصلاة. في اليوم الرابع جاء أبو يونس فقال له أبو صالح: هذا الدبك الذي حدثتك عنه. اعتذر أبو يونس: أنا مشغول اليوم بجلسة مع فريد، أراك لاحقاً. في اليوم التالي جاءني أبو يونس: في الغرفة الثانية شاب ثرثار من جماعتك، قل له أن لا يتحدث لأحد بقضيتكم سواي. أخذني إلى صديقي فسألته: لماذا تتحدث عن قضيتك؟ قال: أريد أن أعرف حُكمي. قلت: لا تتحدث سوى مع العم أبو يونس. أعادني أبو يونس إلى غرفتي وأشار للموجودين بالانسحاب. جهز فنجانيّ قهوة وأخرج ورقة وقلماً وقال: هل سألك المحقق عمن لم يعتقل من جماعتك؟ قلت: نعم. قال: هل اعترفت على أحد؟ قلت: لا. قال: جيد، غداً سيزورني محامي نادي الأسير، اكتب ما تريده لنرسله معه لتحذيرهم. كتبتُ أربعة أسماء على ورقة فلفها أبو يونس ووضعها داخل كبسولة دواء ودسها تحت لسانه وقال: هذه حبة دواء. صباح اليوم التالي همس لي أبو صالح: ستنقل إلى قسم 9. هناك تلفون مهرب للتنظيم ويمكنك التواصل مع أهلك، مسؤولوا القسم أشقاء زكريا الزبيدي يحيى وجبريل. أضاف عامر: نقلتُ فوجدت نفسي في سجن الجلمة. وضعوني في الحمام، ألبسوني لباس السجن وكبلوني ثم اقتادوني إلى التحقيق. قال لي المحقق أبو حبيب وهو يهودي متدين: قلتَ أنك لا تريد العودة إلى هنا. أجبته: أنا هنا بالخطأ، أنا منقول إلى قسم 9. قال: نحن لا نخطئ، هنا ابن عمك نور. في اللحظة الأليمة تذكرتُ الأسماء التي أعطيتها لأبي يونس! ورطة لكن الوقت فات. أسبوعان وأُعدتُ إلى التحقيق. قال لي المحقق يوفال: أنت لا تثق إلاّ بأبناء شعبك أبو صالح وأبو يونس. قلت محبطاً: هؤلاء جواسيس. نقلتُ إلى سجن مجدو الذي يتألف من ستة أقسام، كل قسم طابقين وفي كل طابق ثلاثة غرف، ويتسع القسم لمئة وعشرين أسيراً، في كل غرفة عشرة أسرى. هذا إضافة إلى قسم العصافير\العملاء المؤلف من طابق واحد بثلاث غرف. بعد ذلك نقلتُ إلى سجن عسقلان، أسرى قدامى ومؤبدات. الغرفة أوسع، وفيها دوش وتضم أربعة عشر أسيراً. تلفونات مهربة والغالبية من مدينة رام الله وقراها ومخيماتها. تعرفت على سمير أبو نعمة وأبناء عائلة أبو حميد. بعد عام ونصف نقلتُ إلى سجن إيشل. الساحة بحجم غرفة ولا تدخلها الشمس. في الفورة نخرج ستة وستون أسيراً، نمشي عشرة ونقف عشرة. بعد أربعة أشهر نقلتُ إلى سجن النقب. عواصف رملية وحر شديد. الأقسام غرفٌ وخيام مفتوحة طيلة الليل والنهار. هناك فصل بين فتح وحماس، والجبهة الشعبية في أقسام فتح. أضاف عامر: هناك مشكلة المتهمين بالمتاجرة بالسلاح! بعضهم يدّعون المتاجرة بالسلاح لتبرأة أنفسهم من تهمة الانتماء للمقاومة، لكن السلطة لا تصرف لهم رواتب! هؤلاء يعانون ظلماً مزدوجاً، وهناك مشكلة الأسرى المحررين الذين تقل سنوات اعتقالهم عن خمسة، هؤلاء لا يحظون برواتب كذلك. تخرج من السجن بتهمة المتاجرة بالسلاح فتعتقلك أجهزة السلطة. الكل يريد تشغيلك لصالحه، فتسبُّ اليوم الذي التحقت فيه بالعمل الوطني. حالة تريد تحويل الوطني إلى جاسوس. يقولون لك: لا تزاود علينا بأنك أسير! كلنا أسرى. في السجن هناك استقواء والجهويات متفشية كالسرطان، ليس بين شمال وجنوب فحسب، هناك شمال في الشمال وجنوب في الجنوب، هناك من يمكن تسميتهم (أمراء الجغرافيا)! هناك علاقة وثيقة بين الهزيمة وتردي القيم! عليك الرضوخ وإلاّ اتهمت بأنك لوطيٌ! وإن لم يقدروا عليك تآمروا مع ضابط استخبارات السجن لنقلك. السجن اليوم غابة وعربدة. من هم على حق يُنبذون وينقلون. هناك أسرى يُنقلون كل ثلاثة أشهر! وفي سجنهم الجديد لا يتقبلهم رفاقهم باعتبارهم أصحاب مشاكل!
قال فادي برناط: في سجن مجدو استقبلتُ بحفاوة، وقُدم لي ما أحتاج إليه من ألبسة وغيرها، كان ذلك بعد أربعين يوم تحقيق في المسكوبية. بعد التعارف قال لي أحدهم: أنت هنا ضيف لثلاثة أيام، بعد ذلك تشاركنا الخدمة. اختار القسم الذي تريد أن تفرز عليه: قسم فتح، قسم حماس…. كان هؤلاء عصافير. علق أبو ناصر الدوايمة: تجاوزتُ السبعين من عمري، وخلال تجربتي الممتدة كفدائي سمعت الكثير عن العصافير، لكني لم أعرف أنني في غرفة العصافير إلاّ بعد شهر من وجودي بينهم. كنا في رمضان وأفاضوا في احترامي وخدمتي كرجل مُسن بقدر إفاضتهم في أداء الصلوات. شياطين. ولا يوجد جهة رسمية أو تنظيمية تتبنى برنامجاً لتحصين الشباب ضد هذه الظاهرة، كان الحديث عن العصافير يجري باعتبارها حقائق مجردة، ولم يجر التطرق لكيفية مواجهتها بتعبئة صحيحة وبرامج جادة. لهذا تورط فيها الصغير والكبير، وتباهى عبد الحميد الرجوب مؤسس الظاهرة في مقابلة تلفزيونية: (أنا أهم جنرال في الجيش الإسرائيلي). العصافير نظرية محبوكة بعناية، أدوار متكاملة والكل يقول لك أنه يبغي تخليصك. لا يوحي لك العصفور أنه مستعجل للحصول على معلومات، هكذا يستزل قدمك للوثوق به.
جاء في كتاب عطر الإرادة للأسير سائد سلامة: في الماضي كان يتم اختيار ممثل الأسرى من الأسرى أنفسهم، ذلك زمن قد ولى، وولت معه معايير الضبط التي فرضتها جدارة الأسرى كأداة موحدة. آنذاك كان التفكير في شغل موقع كهذا حلماً مستحيل المنال، كان يتطلب مزايا أهمها الوعي الوطني والقدرة على تجسيده أمام الإدارة، الآن تغير كل شيء.

يتبع غدا

يتبع

2020-06-03