العنصرية.. قنبلة أميركا الموقوتة !
بغداد – عادل الجبوري.
ثمة حقائق كبيرة وخطيرة وصادمة تؤشر اليها تفاعلات الوقائع والأحداث الأخيرة في الولايات المتحدة الاميركية، وهي في جانب منها لا تنفصل عن وقائع وأحداث تاريخية بعيدة وقريبة، وكذلك فإنها بصورة أو بأخرى تشكل جزءًا من المشهد العالمي العام بكل تداعياته وسياقاته، لاسباب وعوامل عديدة، لعل ابرزها واهمها ان الولايات المتحدة تعد نفسها القوة العالمية الاكبر في العالم عسكريا واقتصاديا، وهذه حقيقة قابلة للبحث والنقاش، سواء اختلفنا او اتفقنا مع سياسة واشنطن وساستها، لكن المؤشرات على تصدع واهتزاز هذه الحقيقة راحت تتبلور وتتضح خلال الاعوام القلائل الماضية بوتيرة اسرع من اي وقت مضى.
لا شك أن مقتل جورج فلويد ذلك الرجل الاربعيني الاميركي الاسود، الذي لقي حتفه على أيدي عناصر الشرطة في مدينة مينيابوليس في السادس والعشرين من شهر ايار- مايو الماضي، فتح الباب واسعًا لكل الخيارات والاحتمالات، لا سيما وانه كان بمثابة شرارة لاضرام نار الغضب التي كانت على ما يبدو مستعرة تحت الرماد.
ولم يكن فلويد ذي الأصول الافريقية، أول شخص يقتل بهذه الطريقة، وعلى الأرجح لن يكون الأخير، وكذلك فإن مظاهر العنف والسلب والنهب والصدامات الدموية التي رافقت الاحتجاجات على مقتل فلويد، لا تعد أمرًا غريبًا في الشارع الاميركي، فالتاريخ الحديث يخبرنا عن سلسلة طويلة من مشاهد وصور مماثلة حفلت بها الدولة الأكبر والأقوى عالميًا، والتي تعد نفسها ويعدها البعض أنها مهد الديمقراطية ومنارة الدفاع عن حقوق الانسان.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال النظر الى ما حصل على أنه عبارة عن سلوك فردي خاطئ أقدم عليه ضابط شرطة بحق مواطن مدني أعزل كان يستنجد ويتوسل لانقاذه من الموت، مرددًا عبارة “لا أستطيع أن أتنفس”، التي باتت أيقونة يرددها آلاف المتظاهرين في داخل الولايات المتحدة الاميركية وخارجها، بل إن ما حصل ينطوي في مجمله على أبعاد خطيرة ودلالات عميقة، فهو من جانب كشف البنية الهشة للمنظومة السياسية والأمنية من خلال تناقض سلوكياتها وممارساتها مع الكثير من الشعارات البراقة، والتي عكستها المشاهد الوحشية المؤلمة لتعامل عناصر الشرطة والجيش مع المحتجين السلميين، وكشف أيضًا عن البينة الاجتماعية الهشة من خلال عمليات السلب والنهب والحرق والتدمير والتخريب للممتلكات العامة والخاصة بصورة غير مسؤولة تنم عن حالة احتقان وغضب من جهة، وعدم انضباط واستخفاف بالقانون من جهة اخرى.
الخلفية العرقية لجورج فلويد، وكذلك الخلفية الاجتماعية، وظروف ودوافع قتله، وما أفرزته وستفرزه لاحقًا من تدعيات خطيرة، يمكن أن تعيد الذاكرة الى محطتين واسمين، الاولى عند عام 1968، حينما تم اغتيال رائد الحقوق المدنية الاميركي الاسود مارتن لوثر كينغ (1929-1968)، والمحطة الثانية في عام 2011، وتمثلت بإقدام المواطن التونسي محمد البوعزيزي على بإحراق نفسه جراء الضغوطات الحياتية المعيشية الخانقة عليه، وكان ذلك ايذانا بانطلاق ما سمي بـ”ثورات الربيع العربي” في تونس وعدد من البلدان العربية، والتي أفضت الى اسقاط بعض الأنظمة السياسية ذات النزعة الديكتاتورية في تونس ومصر والجزائر وليبيا واليمن.
صحيح أن فلويد لم ينتحر كما فعل البوعزيزي، بيد أن المقدمات والنتائج ربما كانت وستكون متشابهة الى حد كبير، علمًا أن السبب المعلن لاقدام ضابط الشرطة على الجثو بركبته بقوة على رقبة فلويد، هو قيام الأخير باستخدام عملة نقدية مزورة من فئة عشرين دولارا اميركيا لشراء بعض الحاجات من أحد المتاجر!
وحتى الآن، على مدى خمسة أيام بلياليها، شهدت مدن وأزقة عشرات الولايات الاميركية أعمال عنف غير مسبوقة، حينما يحصل أقل منها بكثير في أي بلد آخر، ينبري ساسة البيت الابيض والمنظرون للديمقراطية وحقوق الانسان وحرية التعبير الى اطلاق التصريحات واصدار البيانات وكتابة التغريدات للتعبير عن استهجانهم مما يجري، ولنا في بعض أحداث العراق خير شاهد ودليل، لا سيما التظاهرات الاحتجاجية السلمية التي اندلعت في مطلع شهر تشرين الاول الماضي في العاصمة بغداد وعدة مدن عراقية اخرى، اذ رأينا كيف تعاطت معها واشنطن، وكيف حاولت التدخل سرًّا وعلانية لتوجيهها بالشكل الذي يخدم مصالحها وينسجم مع حساباتها ومخططاتها.
ولم يخطئ من قال إن ما فعله ضابط الشرطة الأميركي بحق المواطن الأسود، وما حصل من انتهاكات لحقوق الانسان بعد ذلك، قد لا يشكل شيئًا قبال ما اقترفه الجنود الاميركيون في العراق من جرائم منذ وطئت أقدامهم أرض العراق في عام 2003، وسجن ابو غريب يعد أحد أبرز الشواهد على جرائمهم ووحشيتهم.
وطبيعي أنه حينما تحصل مثل تلك الأحداث والوقائع التي حصلت في أميركا مؤخرًا، في بلد ما، لا سيما اذا كان من بلدان العالم الثالث، من الطبيعي أن ينظر اليها على أنها انعكاس لمظاهر التخلف والجهل وغياب النظام والقانون، وعلى هذا الاساس، فإنها في حال حصلت في بلد متقدم مثل الولايات المتحدة الاميركية، فإنها ستكون انعكاسًا للكثير من المظاهر الزائفة والسلوكيات الخاطئة، وأكثر من ذلك سيرى فيها الكثيرون قنابل موقوتة قابلة للانفجار في اية لحظة، خصوصًا وأن النزعات العنصرية ما زالت قائمة رغم مرور أكثر من نصف قرن على مقتل مارتن لوثر كينغ، ناهيك عن حالة التخبط الكبير الذي تعيشه اميركا بسبب سياسات رئيسها دونالد ترامب، وكابوس كورونا الذي قض مضاجع الاميركيين وأحال حياتهم رعبًا وخوفًا وفزعًا متواصلًا بلا انقطاع.
ولعل المفكر الاميركي نعوم تشومسكي كان دقيقا حين قال في حوار أجرته معه وكالة الصحافة الفرنسية قبل بضعة ايام، “ان الولايات المتحدة تتجه نحو الكارثة نتيجة افتقادها استراتيجية اتحادية في مواجهة فيروس كورونا، وعدم وجود ضمان صحي للجميع فيها فضلا عن عدم اقرارها بخطورة التغير المناخي، حيث يقود البيت الأبيض شخص معتل اجتماعيًا، مصاب بجنون العظمة، لا يكترث الا لسلطته والاستحقاقات الانتخابية”، وسواء كانت مظاهر العنف الاخيرة نتيجة لأحداث سابقة، أو سببًا لأحداث لاحقة، فإنها راحت تشكل مع جائحة كورونا مشهدًا سوداويًا قاتمًا في الولايات المتحدة الاميركية، لأن سياسات ترامب الخاطئة والانفعالية وطبيعة شخصيته التي أشار اليها تشومسكي، لا بد أن تنعكس على كل الجوانب والمجالات.
فمظاهر الاحتقان والغضب الشعبي العارم، عكست في جانب كبير منها المستوى الخطير للمشاعر المكبوتة لدى فئات وشرائح اجتماعية واسعة حيال السياسات العنصرية المتبعة في البلد الذي يدعي ساسته ومثقفوه ومفكروه انه انموذج التحضر والديمقراطية واحترام حقوق الانسان، وعكست كذلك القدر الكبير من الظلم والتمييز والتفاوت الطبقي والاجتماعي بين أبناء المجتمع الاميركي. وأكثر من ذلك يرى فيها الكثيرون انها نتيجة طبيعية ومتوقعة لسياسات خاطئة ومنهجيات منحرفة قائمة على الغرور والاستعلاء والعنجهية، التي عبر عنها الرئيس الحالي دونالد ترامب في العديد من خطبه وكلماته وتصريحاته وتغريداته.
كلمات وتعابير مختلفة استخدمها البعض لوصف ما يجري في أميركا حاليًا، من قبيل (انقلب السحر على الساحر).. و(كما تدين تدان).. و (على نفسها جنت براقش).. ومن غير الواضح الى ما ستؤول اليه الأمور في ظل تصاعد وتيرة الاحتجاجات واتساع مدياتها بصورة دراماتيكية سريعة، ترافقها مظاهر تخبط وارتباك واضحة لدى الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات التي طالتها نيران الاحتجاجات، ولكن الواضح انها ستفرز حقائق ومعطيات جديدة يمكن أن تعزز الحقائق والمعطيات التي أفرزتها وستفرزها جائحة كورونا.
بعبارة أخرى، هذه الاحتجاجات، راحت ترسم ملامح ومعالم عهد جديد تكون فيه مكانة أميركا العالمية قد اهتزت وتصدعت وتشظت، ان لم تفضِ الى تفكك نظامها السياسي وتصدع وانهيار بناها وهياكلها السياسية وقدراتها الاقتصادية، وفي ذلك المزيد من الكلام خصوصا اذا كانت قوة عالمية مؤثرة وفاعلة مثل الصين حاضرة في الميدان.
‎2020-‎06-‎03