الدراما والعسكرية المصرية ! إختيار أم عقيدة للنصر ؟!

بقلم / ياسر رافع.

بتاريخ الثلاثين من يونيو عام 1973 وقبل بداية حرب أكتوبر73 المجيدة بثلاثة أشهر تم طباعة كتيب صغير بحجم جيب السترة العسكرية فى إدارة المطبوعات والنشر بالقوات المسلحة ، وبتوجيه وأمر من الفريق ” سعد الدين الشاذلى ” رئيس أركان حرب القوات المسلحه تم طباعة حوالى مليون ومائتى ألف كتيب ليوزع على الضباط والجنود وكل العاملين بالقوات المسلحه ، لكى يكون دستور عمل موحد يحكم طبيعة العمليات العسكريه ويحدد لماذا نخوض الحرب ، هل هى حرب إختيار ! أم ضرورة حياتيه تحمل عقيدة للنصر ؟
وبمقدمه ناريه من الفريق ” سعد الدين الشاذلى ” حدد الكتيب الأساس الدينى والأخلاقى الجامع لطبيعة العسكريه المصريه فى جانبها السياسى والإجتماعى :
” يا أبناء مصر ، يا خير أجناد الأرض ، يا أحفاد الفراعنه العظام ، يا أبناء العرب البواسل ، لقد آن الآوان لكى نطهر أنفسنا من الهوان والذله التى أصابتنا بعد نكسة 1967. لقد آن الآوان لكى ننتقم لشرفنا لكبرياءنا الذى تمرغ فى التراب ، لقد آن الآوان لكى نثق فى أنفسنا وفى قدراتنا التى يشكك فيها الأعداء وبعض الأصدقاء الإنهزاميين ، إن القتال سلاح وعقيدة ، وإذا كان من الممكن إحصاء السلاح بين طرفين متنازعين لكى نعرف أيهما يتفوق على الآخر فإن قياس العقيدة وحسابها أمر بالغ الإختلاف … ”
هكذا حدد رئيس الأركان هدف المعركة السياسى والإجتماعى والدينى ، إنها العقيدة التى تنتصر بقوة أبناءها وبقوة السلاح وبتلاحم أبناءها مسلم كان أم مسيحى ، حيث يمضى فى الكتيب المعنون ” عقيدتنا الدينيه طريقنا إلى النصر ” ليشرح ويقتبس من القرآن الكريم والإنجيل ما يدعم به كلامته الناريه .
إختيار أم عقيدة للنصر !! هل للفن رؤيه مختلفه ؟؟
……………………………………………………………
على جدران المعابد المصريه وفى مطويات وكتب التاريخ نجد تسجيلا لوقائع معارك حربيه تحكى قصة التاريخ المصرى ، وعلى شاشات الميديا الحديثه نجد تجسيدا موازيا ليحكى قصة بطوله وعقيدة . ولم يكن التاريخ المصرى مبتدعا فى ذلك فكل دول العالم القديم والحديث تجسد معاركها وملاحمها العسكريه .. لماذا ؟
……………………………………………………
بعد الإعلان عن بيان الجيش يوم 23 يوليو 1952 ، فقد بدا أن عصرا جديدا من التوثيق قد بدء . ولكن على الطريقه الحديثه ، فظهرت أفلام ومسلسلات دراميه تحكى قصة العسكريه المصريه وبطولاتها عبر التاريخ ، وأخذت ترغب المصريين فى الإنضمام للقوات المسلحه لتعميق الإنتماء ، فكانت سلسلة أفلام الفنان الكوميدى الشهير ” إسماعيل يس ” فى الجيش والطيران والأسطول والبوليس الحربى ، وأفلام توثق الكفاح المسلح ضد الإحتلال الأجنبى ، وأفلام تحدد التوجه العسكرى وماهية العدو كتلك التى تحكى قصة الصراع المصرى العربى ضد المحتل الصهيونى .
وكانت الدراما المصريه تنطلق من مبدأ التأكيد على فكرة الإنتماء ليس فقط للقوات المسلحه بل للوطن ككل ، فعلى الرغم من أن الأحداث الدراميه تتم من خلال إبراز شخصية البطل المحوريه للحدث إلا أن شخصية البطل تصبح بلا قيمه بدون الإنتماء للوطن بكل مكوناته وخاصة قواته المسلحه . الدراما كانت تؤكد دائما على فكرة الرمزيه فى التاريخ المصرى الذى وضع القادة العسكريين العظام فى صدارة المشهد مما جعل منهم مصابيح تهدى إلى الطريق نحو الإنتماء . الدراما المصريه وضعت فلسفة العسكريه المصريه الحديثه قيد التنفيذ على أرض الواقع والتى لها شق عسكرى بحت خاص بها ، وشق سياسى وإجتماعى غير مفصول عن هموم المجتمع وآماله ..
وهكذا أصبح الرمز فى الأعمال الدراميه المصريه مؤشر كبير على فلسفة القوات المسلحه وعقيدتها العسكريه ! وأن تلك العقيدة ليست إختيارا متاحا يقاس عليه أن تختار بين الإنتماء وعدم الإنتماء لأن الوطن بمكوناته المجتمعيه والسياسيه ليس محل قياس فى مواجهة الآخر سواء عدو خارجى أم إرهاب داخلى ! والتى تضع برمزية الهلال والصليب على صدور الأبطال العسكريين فى الأعمال الدراميه تجسيد لمبدأ التوجيه المعنوى للقوات المسلحة فى شقة السياسى والإجتماعى قبل حرب أكتوبر 73 والتى تنتهى بوطن واحد يحمل رمزيه واحدة وعقيدة واحده وبطل مصرى واحد فقط .
……………………………………………….
شهر رمضان الكريم فى مصر يعتبر العيد السنوى للدراما المصريه ، ولكنه هذا العام 2020 حمل تأكيدا من الدراما المصريه على الرمزيه التى تؤكد على خيارات الشعب المصرى ، فكان رمز البطل الشعبى الذى يكافح الظلم الإجتماعى فى مسلسل البرنس ومسلسل الفتوه ، وجديد الرمزيه الدراميه المصريه مسلسل النهايه الذى يجسد البطل الإفتراضى الذى يجسد حلم شباب يريد المستقبل بأدواته التكنولوجيه ، لكن تبقى رمزية البطل المنتمى للعسكريه المصرية هى الباقيه والمؤثرة فى العقل الجمعى المصرى ، فمع إذاعة مسلسل ” الإختيار ” الذى يجسد بطولة أحد ضباط وجنود القوات المسلحه التى تحارب الإرهاب والذي أستشهد فى سيناء ، إرتفعت نبرة الوطنيه والإصطفاف الوطنى خلف رمزية البطل المصرى المحارب ، ومن المرات المعدودة منذ حرب أكتوبر 73 نجد تلاحما شعبيا خلف رمزية عسكريه جامعه ، وأصبح التعامل مع لقب الشهيد لا يفرق بين مسلم ومسيحى بعد فترات عصيبه من التعصب الدينى .
لقد كان إسم مسلسل ” الإختيار ” موفقا ولعلى أجذم بأنه مقصود شعبيا ورمزيا ، فالإختيار ليس رفاهيه عندما يكون الوطن فى خطر ، وعندما يكون المجتمع بمكوناته على شفا الإنهيار والإقتتال ، ويكون الدين أساس العقيدة المجتمعيه والعسكريه محل مساومه وهدف لعدو خارجى وإرهاب داخلى  .
………………………………………………………
كتيب إدارة المطبوعات والنشر بالقوات المسلحة قبل حرب أكتوبر قد أكد على ضرورة مكافحة الحرب النفسيه التى يشنها العدو ليس فقط على القوات المسلحه بل على المجتمع بأسره ، وشدد على أن الدين أساس العقيده المصريه يساند المشككين والمرتابين الذين يسمعون لكلام أعداء الوطن  ويدفعهم إلى الإصطفاف مرة أخرى خلف وطنهم وقادتهم غير مهتمين ولا خائفين مصداقا لقول الله تعالى ” الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فأخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ” .. وكما جاء فى إنجيل مرقس الإصحاح 13 ” أنظروا لا يضلكم أحدا فإن كثيرين سيأتون بإسمى قائلين أنى أنا هو ، ويضلون كثيرين ، فإذا سمعتم بحروب وبأخبار حروب فلا ترتاعوا لأنها لابد أن تكون ولكن ليس المنتهى بعد .”
وجاءت الدراما المصريه لتعطى أملا جديدا فى دراما حقيقه تخاطب المواطن المصرى على حقيقته تعطيه الرمز والقدوة ، بعيدا عن السياسه الحزبيه الضيقه التى جعلت من القوات المسلحه إختيارا فى مواجهة إختيار الحزبيه ، وجعلت من الإختيار عقيدة تنتصر للوطن بمكوناته جميعا حيث لا فرق بين المصريين ، عقيدة تنتصر لوطن يعانى أزمات كثيرة ومتعددة فى عالم سريع التغيير
…………………………………………………………..
الجندى المصرى الذى رفع العلم على الضفه الشرقيه لقناة السويس فى حرب أكتوبر73 أمام شاشات التلفزيون العالميه وأخترقت جسده الطاهر المئات من رصاصات العدو ، الحامل فى سترته كتيب التوجيه المعنوى لقواته المسلحه والذى حدد إختياره ناحية وطنه وشعبه ، هو نفس الضابط الذى طالب قيادته بنسف وحدته العسكريه بقنابل الطائرات حتى لا يقع جزء من الوطن فى يد الإرهابيين الذين لا يعرفون قيمة الوطن وعقيدته الدينيه الراسخه .
هكذا كانت الدراما المصريه معبره بحرفيه عن العسكريه المصريه .

2020-06-03