أعيد نشر سلسلة آراء ومواقف وتجارب….
دعوة للحوار والنقد والمراجعات في ضوء كارثة الوطن وخراب حياة الناس…!

احمد الناصري.
الحلقة الرابعة…
4– تأسيس الحركة الشيوعية العراقية والحاجة إلى منهج وطني ماركسي نقدي…
من أجل منهج وطني ماركسي نقدي…
في 31 آذار 1934 تأسست الحركة الشيوعية العراقية بشكل رسمي ونهائي، رغم وجود اختلافات بسيطة حول التاريخ الحقيقي للتأسيس، بعد مخاضات وتطورات عديدة داخلية وخارجية ، بدأت مع بداية القرن العشرين، شملت جميع ميادين الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية في مجتمعنا العراقي المعاصر، ومع بداية مقدمات مشروع النهضة (الناقص والمتوقف)، وتكون الوعي الوطني الأجتماعي الثقافي الجديد، وبناء كيان (كيانية وشروط) الدولة الوطنية، والحاجة العامة لنشوء المنظمات والأحزاب السياسية والجمعيات الاجتماعية الجديدة.
لقد عمل الرواد الأوائل وسط ظروف متشابكة وصعبة لطرح مفاهيم نوعية جديدة مختلفة عن مفاهيم الفترة السابقة، وخلق صيغ تنظيمية حديثة غير مطروحة سابقاً، وطرح حلول أخرى للمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة، وقد نجحوا إلى حد بعيد في مهماتهم تلك، وطرحوا تصوراتهم وشعاراتهم وبرامجهم. على إنها اصطدمت كما هي العادة أو الواقع الصلب المحدد في المجتمعات المتخلفة، أو المتحولة حديثاً بعقبات كثيرة وكبيرة، ومنها ممانعة المجتمع التقليدي والعقل التقليدي الراكد لمفاهيم الحداثة، ورفض السلطة الاستبدادية لهذه الأفكار الجديدة والدخول في صراع تناحري دموي ضد هذه الحركة أو الحركات، واستخدام كل الأساليب القمعية والتخريبية ضدها ، مما شغل الحركة عن الاهتمام بالتطور الداخلي والعمل العلني الطبيعي بين الناس، والتفاعل المتبادل بين المجتمع والحركة المعنية.
على أن الحركة الشيوعية العراقية، وبسبب توفر بعض الشروط الداخلية والموضوعية الاجتماعية الخاصة بتركيبة المجتمع العراقي استطاعت أن تبني أسسها بطريقة متقدمة وقوية مختلفة عن تجارب كثيرة أخرى، وأستطاع الرواد الأوائل أن يوفروا الأسس والشروط الفكرية والتنظيمية والسياسية لتكوينها وانطلاقها، رغم كل الصعوبات الذاتية التي واجهتها، ورغم الإمكانيات الشحيحة والبسيطة آنئذ عند انطلاق عملهم ومشروعهم الكبير.
إن إمكانيات الرواد وتجربتهم وصفاتهم الشخصية والأخلاقية والنفسية، والظروف العامة المحيطة بهم ستقرر إلى حد بعيد مستقل هذه الحركة وتوجهاتها، كما لعب المستوى الفكري والثقافي والاجتماعي دوراً حاسماً في التفاعل المطلوب بين جميع الأطراف.
نحن بحاجة إلى مراجعات موضوعية دائمة، ودراسة ونقد لتجربة التأسيس والبناء ، وتحديد إنجازاتها وإخفاقاتها وكشف كل ما هولها وما هو عليها، دون مجاملات أو عواطف كلامية، وهذه الدراسة تتم في ضوء اللحظة التاريخية التي عاشتها الحركة وتكونت فيها، وفي ضوء النتائج العامة النهائية التي جاءت بعد سنوات وعقود من العمل الطويل والمتنوع، وليس من خلال تقييم تعسفي يفرض مفاهيم خارجية أو إرادية على الواقع المحدد آنذاك، ولكن يمكن لنا أن نستفيد من كل المناهج والتطورات الكبيرة الجارية في حياتنا.
كما قلت في البداية فقد تشكلت الحركة بإمكانيات داخلية كاملة ، أي لم تتشكل بدفع أو طلب أو إشراف أو مساعدات فكرية أو بشرية مباشرة من الخارج ، كما يشاع في بعض الأطروحات غير الدقيقة، والتي لم تفحص هذه المعلومة، وتحولت تدريجياً الى إتهام، كما تكونت الحركة الشيوعية العراقية بإمكانيات وطنية بسيطة، ومن خلال عمل ونشاط واجتهاد مجموعة الرواد، وخاصة الدور المتميز للقائد الوطني العراقي فهد، وهو قائد شعبي من الطراز الجديد في التجربة التنظيمية والفكرية والسياسية، فعند بداية تشكل الحلقات الأولى في نهاية العشرينات لم تكن هذه المجموعات البسيطة قد أقامت علاقات رسمية أو علاقات فكرية وتنسيقية فعالة مع الأممية الثالثة التي كانت قائمة في ذلك الوقت، أو الكومترن الذي تشكل فيما بعد، ربما كانت هناك علاقات واسعة ومؤثرة بين الأممية الثالثة وبعض الأحزاب الشيوعية العربية، مثل الحزب الشيوعي المصري والحزب الشيوعي الفلسطيني ، وكذلك بالنسبة لحزب تودة الإيراني بسبب التقارب الجغرافي والنفوذ الروسي – السوفيتي في إيران. حيث تدل الوثائق على وجود علاقات واسعة ونشيطة بين هذه الأطراف. إذن الحركة الشيوعية العراقية كانت حركة داخلية إلى حد كبير جداً. وهنا لا أقصد عدم وجود تأثير للتجربة السوفيتية والأفكار الستالينية تحديداً على الحزب. وهذا لا يعني أنني ضد العلاقات الأممية السليمة والطبيعية ، في التعاون والحوار وتبادل التجارب والخبرات والدروس، لكنني أردت تثبيت هذه المعلومة الهامة، كما أنني ضد شكل العلاقات المجحفة وغير المتساوية التي سادت لاحقاً بين (المركز) السوفيتي والأحزاب الشيوعية العالمية، ومنها نموذج علاقة قيادة الحزب الشيوعي العراقي وبعض الأحزاب الشيوعية الأخرى بالمركز السوفيتي حتى انهيار التجربة السوفيتية.
من المؤكد إن فهد كان يمتلك طاقة ذهنية وعملية كبيرة، وله قدرة كبيرة على الاجتهاد، وهو رجل ديناميكي وعملي ، استطاع أن يبني ويقود التنظيم في ظل إمكانيات فكرية وثقافية شحيحة جداً، حيث لا كتب ولا مصادر ماركسية أو فكرية أخرى ولا مدارس وتيارات اجتماعية واسعة ومؤثرة، وفي مجتمع متخلف أيضاً . هنا كانت المعضلة الأساسية التي واجهها فهد ورفاقه في عملهم لتوفير الشروط الأساسية لهذه الخطوة و لمشروعهم العتيد.
ويبدو إن هذه الخطوة كانت تحتاج إلى روح المبادرة والى نوع خاص من الجرأة والمغامرة المحسوبة، لكي يستطيع فهد ورفاقه إعلان مشروعهم والبدء في تنفيذ ، وأعتقد أن فهد أمتلك تلك المواصفات التي أهلته للمشاركة الخاصة بهذا البناء.
في النهاية وبعد سنوات من التهيئة والتحضير للمستلزمات الفكرية والبشرية والمادية الضرورية أعلن عن تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار 1934 ، بشكل رسمي ونهائي، وأصبح تنظيماً وطنياُ واسعاً تركز في بغداد والمحافظات الجنوبية والفرات الأوسط، ثم تمدد إلى كردستان، بعد تجميع وربط الحلقات الماركسية المتناثرة، وبذلك غطى جميع مساحة الوطن وتلويناته ، وشمل المدينة والريف، وعمل على التوسع الجماهيري خاصة في صفوف الفقراء والكادحين الذي كرس لهم جهداً خاصاً، ورفع الشعارات التي تدافع عنهم، وعالج أغلب المشاكل السياسية والاقتصادية، وعالج القضية الكردية ومسألة الوحدة العربية والقضية الفلسطينية ومشاكل المرأة والشباب، في برامج وتقارير وكتابات يومية، وخاصة في الكونفرنس الأول المنعقد عام 1944 والمؤتمر الأول المنعقد عام 1945.
هذه التطورات والنجاحات أغضبت السلطة الملكية المتورطة بسياسات خارجية وداخلية خاطئة مضادة لمصلحة الشعب والوطن، وتخدم الاستعمار البريطاني ومصالحة في بلادنا وفي المنطقة، ودخلت على هذا الأساس في صراع مرير مع الحركة الشيوعية الناشئة، بدوافع أيدلوجية وسياسية، وبتوصيات من المستشارين البريطانيين لتصفية هذه الحركة، كما كان هذا الصراع امتداداً للصراع العالمي التاريخي، بين أفكار الاشتراكية والمصالح الرأسمالية، وجرى التركيز على الرفيق فهد للتخلص منه، وقد أعاق غياب الحريات الديمقراطية، وحرية التفكير والعمل السياسي، نشوء حركات سياسية اجتماعية طبيعية، وجعلها تلجأ لأساليب العمل السري وأهدر طاقات ثمينة وجهود كبيرة، وانتهت عملية الصراع والحملات البوليسية التي شنتها السلطة إلى اعتقال الرفيق فهد وإعدامه مع رفاقه الشهداء محمد حسين الشبيبي وزكي بسيم ولاحقاً ساسون دلال الذي يجري تناسيه وتجاهله لأسباب لا أفهمها ولا أقرها. وجرى ملاحقة وقمع جميع اللجان المركزية التي تشكلت عام 49 بمبادرات فردية من الكادر، وقد جرت عملية واسعة لاستنزاف الكادر الرئيسي والاحتياطي في هذه المعركة الشرسة ، نتج عنها خراب كبير وتشوه في حياة الحزب الداخلية وعمله وإمكانياته البشرية والفكرية والجماهيرية.
أعتقد إن هذا المفصل ، هو المفصل الرئيسي في إرباك وتخريب وضع الحزب الداخلي والخارجي ، مع ظروف التكوين الصعبة وغير الطبيعية ، وبساطة إمكانيات النشوء والبداية ، كل ذلك ساعد في تكون الضعف البنيوي والفكري الخطير والكبير لاحقا ، ثم أرتبط بنقص الخبرة العام لدى الكادر الجديد ، وقيام الانقسامات والانشقاقات التي تجمعت من جديد عام 56 وعادت إلى التنظيم الرئيسي، ثم جاءنا سبب خارجي آخر بدء تأثيره يزداد في منتصف الخمسينات، وهو دور العامل الخارجي المتمثل (بالمركز) السوفيتي (الأممي)، لقد لعب هذا العامل تأثيراً خطيراً ومدمراً على سير الأحداث والمواقف ، خاصة بعد ثورة 58 والأحداث والتطورات التي رافقتها وهو ما كنت آمل وأتوقع أن يكشفه الراحل عامر عبد الله الذي كان يدير هذه العملية من طرف الحزب..
نعود إلى فهد ودورة الخاص والمتميز في بناء الحزب، ومواصفات فهد الشخصية وإمكانياته الفكرية والسياسية والعملية، هذه المواصفات التي تحتاج إلى دراسة موضوعية، بعيدة عن العواطف والإيمانية والأسطورة التي لا تقرها الماركسية باعتبارها منهجاً جدلياً علمياً، لا مكان فيها للمقدس أو الثابت، وتعتمد النقد والمراجعة والتجاوز بشكل دائم، كذلك ينبغي الانتباه للعدمية المتأخرة التي تريد ركوب الموجة الجديدة، أو تريد التبرؤ من كل الماضي، لتسهيل عملية الانخراط بالوضع المشوه الجديد
لقد استطاع فهد وسط ظروف شائكة وصعبة أن ينجز مهمة كبيرة، مهمة بناء حزب شيوعي قوي وواسع في بلد متخلف، بإمكانيات متواضعة وأدوات بسيطة وبدائية أنتجها ذلك الواقع وذلك المجتمع. وهنا لابد من وقوع أخطاء ومشاكل كثيرة في مثل هكذا مشروع كبير. لكن فهد استطاع في النهاية أن ينجز المشروع التاريخي الرئيسي في خطوطه العريضة بنجاح كامل، رغم كل الصعوبات الذاتية والخارجية، خاصة مشكلة الصراع الداخلي والصراع مع السلطة، والقمع الشامل، ومحاولة التدمير التي تعرض لها الحزب.
لقد جرت محاولات جادة لتصحيح وتطوير عمل الحزب لاحقاً، في المجالات الفكرية والسياسية والتنظيمية والجماهيرية، ومعالجة الأزمات والنواقص والآثار الداخلية التي خلفها القمع والإرهاب، والانقسامات والخلافات الداخلية ، والصراعات الشخصية على المناصب، وقد حصلت تطورات كبيرة في بلادنا تمثلت في ثورة 58 والتغيرات التي حصلت في حياة الناس والمجتمع والسلطة والحزب والحركة السياسية العراقية، وقد نشط وتحرك التيار اليميني المتنفذ، وبدء نشاطه بدعم من المركز (السوفيتي) الذي تكرست فيه اتجاهات جديدة، يمكن تسميتها بالماركسية السوفيتية، هذه المدرسة التي ستنهار وتتلاشى لاحقاً.
أحدثت ثورة 58 تغيرات شاملة كبيرة، وفتحت آفاقاً جديدة، لكنها أحدثت صراعات داخلية وخارجية عميقة وعاصفة، حولها وضدها، وصراعات حزبية داخلية، تمثلت في كتلة الأربعة، وطرحت الثورة مهمات جديدة، لم تستطع قيادة الحزب الشابة آنذاك بخبرتها البسيطة من التصدي لها، وهكذا فشلت فشلاً كاملاً في عملها، وانتهى ذلك الفشل بكارثة 63 السوداء، وسقوط الحزب تحت مقصلة الفاشية المدعومة من الخارج، التي ذبحت أغلب قيادة الحزب، وضاعت الثورة وطموحاتها الجميلة، ومن يريد العودة إلى تلك المرحلة الحساسة من حياة الحزب، يمكن له دراسة ومراجعة محاضر اجتماعات المكتب السياسي واللجنة المركزية، التي نشرتها لأول مرة الرفيقة ثمينة ناجي زوجة الشهيد سلام عادل. ولا أدري لماذا لم ينشر الحزب كل الوثائق المتعلقة بهذه المرحلة وغيرها من المراحل المفصلية، حتى بعد مرور ما يقارب نصف قرن؟ ولماذا لم تبادر العناصر القيادية الى مراجعة تلك الفترة مراجعة نقدية وثائقية، بعيدة عن النرجسية والإنشائية المبتذلة. وها هو الموت يغيّب قسم كبير منهم ، بينما يعاني القسم المتبقي من ضعف أو فقدان الذاكرة والشيخوخة والتردد؟
بعد تصفية قيادة الحزب الشيوعي في أقبية التعذيب بعد ردة شباط 63، توفرت الفرصة الكاملة لصعود وهيمنة الاتجاه اليميني على الحزب، وكانت أخطر نشاطاته هو إصدار بيان تموز عام 64، الذي تحول لاحقاً إلى خط آب المعروف، والذي طالب بحل تنظيمات الحزب الشيوعي في الاتحاد الاشتراكي بقيادة عبد السلام عارف، وكانت هذه الخطوة تقليدياً صريحاً ومتطابقاً مع خطوة الحزب الشيوعي المصري، الذي اتخذها بأوامر وتوجيهات من القادة السوفييت. لقد هز هذا التوجه كيان الحزب في العراق، خاصة وإن الكادر الأساسي لم يزل يتمتع بمواقف جيدة ومتماسكة من جميع القضايا الفكرية والتنظيمية والسياسية المطروحة، وخاصة تنظيمات بغداد والجنوب، وقد تحرك الكادر تحركاً نشيطاً وواسعاً وأفشل خط آب، وتوسع الصراع الداخلي على مجمل المشاكل التي تواجه الحزب ومصيره، والتي تجلت في نكسة 63 وخط آب التصفوي. وتطور الصراع الداخلي إلى تكتل فكري وتنظيمي واسع ضد القيادة التقليدية المسيطرة على الحزب، وتحول إلى عملية تصحيحية داخلية لمعالجة الأزمة وكشف أسبابها الفكرية والتنظيمية، وانقسم التنظيم إلى تنظيمين وحزبين، وجرى صراع عنيف بين الطرفين، واستخدمت أساليب غير شرعية وعنيفة أحياناً، خاصة من قبل حزب اللجنة المركزية، والتي كان أخطرها كشف أسماء قادة وكادر (القيادة المركزية) من قبل اللجنة المركزية إلى سلطات الأمن الفاشية بين أعوام 69 – 71، حيث كان يقود تنظيم بغداد آنذاك بهاء الدين نوري، وكان ماجد عبد الرضا منسق ما يسمى (بالعلاقات الوطنية) مع البعث، وهو الذي أوصل الأسماء إلى البعث، والتي عالجها الجلاد المجرم ناظم كزار في أقبية قصر النهاية الرهيب. وقد أعترف ماجد عبد الرضا بهذه الحادثة المشينة في إحدى الندوات التي عقدت في كردستان في بداية الثمانينيات، كما أكدها بهاء الدين نوري في كردستان أيضاً باعتبارها (دفاع عن أمن الحزب) كما قال أمامنا نصاً عندما استفسرنا عن حقيقة الحادثة.
إنني أدعو بقايا تنظيم القيادة المركزية إلى كشف معلوماته ووثائقه في هذه القضية الخطيرة، ومن هم الشهداء والضحايا اللذين سقطوا نتيجة لهذا العمل المشين؟ كما أطالب تنظيم القيادة المركزية بتقييم تجربتهم السابقة، والنواقص والأخطاء الفكرية والتنظيمية والسياسية والعملية التي وقعت فيها الحركة. كما إننا بحاجة إلى نشر الوثائق المتعلقة بالعمل والصراع الداخلي، والصراع الدموي الشرس مع السلطة الفاشية، والقمع الشامل الذي تعرض له هذا التنظيم الثوري.
بعد هجوم الفاشية الشرس والشامل على تنظيم القيادة المركزية، وتوجيه ضربات قاصمة له، ومن ثم تحطيم هذا التنظيم بين أعوام 69 -71، أنفتح المجال مجدداً للقيادة اليمينية أن تتحرك من جديد وتطرح أفكار التحالف مع البعث، وتخوض مفاوضات طويلة وبتدخلات وضغوط سوفيتية كبيرة ومباشرة، أعترف بها عزيز محمد في معهد الماركسية – اللينينية في صوفيا وهو في طريقة لتوقيع التحالف الذيلي المشؤوم، رغم القمع والتصفيات التي شملت فقط العناصر الثورية والتي كانت تعارض عقد صفقة التحالف مع البعث على طريقة عزيز محمد، وهذه مفارقة ملفتة.
وقّعت القيادة اليمينية التحالف مع البعث، الذي سيتحول إلى الفاشية لاحقاً حسب تصورها، وهو ما لم ترغب وتقدر هذه القيادة على قراءته منذ البداية، وبينما كانت القيادة سادرة في وهمها الكبير، كانت الفاشية تعد للمذبحة الشاملة في أعوام 78- 79، وهكذا انتهت هذه التجربة البائسة الجديدة بخسائر هائلة.
انتقلنا إلى الجبال، وهربت أو خرجت البقية الباقية من الحزب إلى الخارج وعادت الى كردستان. وحاولنا دراسة ومعالجة الكارثة الجديدة، وتحديد أسبابها الفكرية والسياسية والتنظيمية، وتحديد الأشخاص المسؤولون عن هذه التجربة الخاطئة، للبدء في العمل الجديد بعقل آخر، من خلال نقد وتصحيح المسار الخاطئ الذي كان سائداً، والذي سبب النكسات والكوارث المتلاحقة في حياة الحزب. لكن القيادة استطاعت أن تستمر في السيطرة على الوضع، وتقود الحركة الأنصارية إلى نكسة جديدة في معركة بشتآشان التي قصمت ظهر حركة الأنصار، من خلال تعاون ميليشيات الاتحاد الوطني بقيادة جلال الطالباني مع الدكتاتور المجرم صدام حسين. كذلك بشتآشان الثانية النكسة الأخرى المنسية والمهملة بكل تفاصيلها واختلاطاتها السرية والعلنية.
لقد أرادت قيادة الحزب المحافظة على وجود شكلي في كردستان، للضغط على السلطة لإجراء مفاوضات جديدة، ومراقبة حصول انعطافات مفاجئة بالحرب العراقية الإيرانية، كانت تنظرها وتعول عليها كثيراً، أو حصول انقلاب عسكري (يقوده ضابط شريف) كما كان يتصور عزيز محمد. بينما راهن عضو قيادي آخر على سقوط النظام في تموز 80، وقد كان الرهان على ماعز جبلي (بزن)، وقد خسر هذا القيادي الرهان، كما خسر الموقف أيضاً. ومن يريد أن يتعرف على كيفية تشكيل التجمع المسلح في كردستان علية مراجعة عمل ونشاط لجنة هندرين ولجنة زوزك التي أشرفت على العمل، كذلك ينبغي مراجعة تصريحات العناصر القيادية التي طرحت في الندوات والاجتماعات واللقاءات التي جرت في البداية.
كل هذه الأخطاء والنزف الدائم بالطاقة الداخلية الحيوية في جسد الحزب، جعلت منه كياناً ضعيفاً ومحطماً لا يقوى على شيء، نتيجة للأخطاء الفكرية والتنظيمية المزمنة ، ونتيجة للضربات المستمرة والقمع الدائم الذي تمارسه السلطات الحاكمة ، وخاصة السلطة الفاشية السابقة، وكانت أغلب الحملات تنجح نتيجة الأخطاء السياسية والتنظيمية التي تمارسها تلك القيادة.
في عقد التسعينات كان الحزب خائراً ودائخاً، وقد داهمه زلزال الانهيار والانكسار الشامل، الذي تعرضت له المدرسة السوفيتية، وجميع التجارب التابعة لها، وترددت أصداء هذا الزلزال إلى أبعد نقطه في البناء المتهالك والمتقادم فكرياً وعملياً، وكان التأثير في الحزب الشيوعي العراقي كبيراً ومؤثراً، تجسد على شكل تخبط وحيرة، ثم تخلي وعزوف عن العمل السياسي والتنظيمي، وتوجه أعداد من كوادر الحزب وأعضاءه إلى حياتهم الشخصية في بلدان اللجوء البعيدة، وبروز ظاهرة الانقلاب على الحزب والفكر والمبادئ الوطنية والأخلاقية البسيطة العامة، إلى جانب الفشل التام في طرح المعالجات والبدائل للأزمة، التي تكشفت مع بيروسترويكا غورباتشوف عام 86، ثم ازدادت مع أزمة الانهيار الشاملة التي بدأت مع سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينات ، ولم يطرح شيئاً هاماً إلى الآن ، عدا معالجات شكلية وادعاءات لفظية بسيطة ، لا تقدم ولا تؤخر ، ولا تفيد بشيء لأن الأزمة قديمة وعميقة وشاملة ، ومن كان سبباً في هذه الأزمة ، لا يستطيع أن يكون جزءاً من المعالجة والحل.
بعدها جاءتنا التطورات الأخيرة في ساحتنا الوطنية الداخلية، وتداخل العامل الداخلي مع العامل الخارجي منذ أزمة أجتاح الكويت وحرب عام 91 والحصار الجائر والطويل، ونتائجه المدمرة للمجتمع والناس، ثم الحرب الأخيرة، وسقوط الفاشية البغيض، واحتلال بغداد والوطن، وسقوطهما تحت براثن الجيش الأمريكي، ومخططة الواسع لبلادنا والمنطقة، ثم السياسة العدوانية العقيمة التي تمارسها وتفرضها قوات الاحتلال في جميع المجالات، وأخطرها خطوات أعادة بناء الدولة بطريقة جديدة تناسب المخطط الأمريكي، على أسس طائفية وعرقية ضيقة. وقد وافقت جميع الأحزاب المشاركة في (العملية السياسية) بالتصور والشروط الأمريكية، وهي تسير وتطبق قانون إدارة الدولة المشبوه، أو قانون بريمر. هنا انجرت قيادة الحزب الشيوعي العراقي إلى هذا المنزلق الخطير، منذ قبولها الدخول في مؤتمر أحمد الجلبي، ووقعت آخر وأكبر الأخطاء الفكرية والسياسية ، وما نتج عنها من هزيمة مدوية في الانتخابات الأخيرة، والتي لها أسبابها القديمة والجديدة المتراكمة.
لقد كانت الفترة التي قاد بها عزيز محمد الحزب لمدة تزيد على ثلاثين عاماً من أصعب الفترات، والتي جاءت بعد نكسة 63 وبعد صعود بريجينيف في الاتحاد السوفيتي، وقد أتسمت هذه الحقبة بالركود والجمود والانحطاط التام في جميع المجالات والتي أدت لاحقاً إلى انهيار التجربة برمتها، فكان من المناسب أن يسيطر عزيز محمد وجماعته على الحزب كل هذا الزمن الطويل، بطرق وأساليب غير مبدأيه وغير شرعية، وأن يورث القيادة لعناصر من نفس المدرسة ونفس التفكير والمستوى الهابط تقريباً.
هناك حدثان كبيران أثرا في حياتي ووعيَ السياسي والحزبي بالارتباط مع تجربتي الخاصة وعمري، الحدث الأول هو الحملة الإرهابية الشاملة التي قادتها الفاشية ضد قواعد الحزب الشيوعي العراقي، وهروب قيادته إلى الخارج بعلم وموافقة السلطة، حسب اتفاقية مسبقة أصبحت معروفة الآن ، عدا بعض العناصر التي جرى اعتقالها واستسلامها للعد وببساطة ودونما مقاومة ، بينما بقيت القواعد الحزبية من دون خطط أو توجيهات لمواجهة الكارثة . والحدث الثاني هو لجؤنا إلى الجبل ولقاء القيادة المهزومة والمأزومة، والجلوس معها وجهاً لوجه، والتعرف المباشر على صفات ومكونات العناصر القيادية الشخصية والفكرية والأخلاقية والاجتماعية، لقد كانت القيادة عارية هذه المرة أمام القواعد الحزبية لا يفصلها حاجز أو برج عاجي، كانت تلجأ إليه في الماضي، أو تحتمي بتبريرات ملفقة من أن القيادي الفلاني متخصص بالعمل السري، أو العمل التنظيمي فقط، لذلك فهو لا يهتم بالجانب النظري كذا.. لقد أكسبتني التجربة الخاصة حق التفكير المستقل، وحق المراجعة والنقد والمساهمة في تكوين تصور شخصي بصدد الأحداث الجارية، والاطلاع والتعرف على المعلومات الحقيقية حول الأحداث الجارية أو المعنية، لذلك لا زلت أستغرب من بقاء بعض العناصر الحزبية في كهوفها القديمة، تمارس الوعي (التقليدي الجامد) وتتمسك بالغمامة التي كانت توزعها القيادة المتخلفة مع بطاقة العضوية، هذه الغمامة التي تمنع الرؤية الواسعة والجانبية وتسمح بالرؤية الأحادية فقط. لذلك يبدو أن أحداث أكثر من ربع قرن دامي قد مرت على مقبرة، ولم تحرك في هذه الأجداث خلية عصيبة بسيطة، ويبدو أن الوقت قد مر ولا فائدة ترتجى من هذه العناصر المحنطة والقابعة خارج التاريخ الإنساني العقلي. لم تزل بعض هذه العناصر تلجأ للتهديد الرخيص والوشاية والتلفيق. إن من يريد ألا يتعلم فله كامل الحق والحرية أن يبقى خارج التاريخ وخارج استخدام العقل، على ألا يفرض طريقته المتخلفة في التفكير على الآخرين.
إن الماركسية نظرية جدلية خلاقة ومشرقة، وهي طريقة للاجتهاد العقلي، وليس التلقي النقلي الميكانيكي السطحي. ومع ذلك فأن كل النظريات مهما أشرقت ستبقى باهتة ومحدودة أمام إشراق وحركة الحياة وشجرتها الخضراء الوارفة. إن الخطأ الرئيسي القاتل التي وقعت فيه الحركة الشيوعية التقليدية، هو إهمالها للعمل الفكري الحيوي لأسباب عديدة ، وتحويل المقولات الماركسية الى أيقونات ونصوص جامدة منفصلة عن الواقع ، بل متصادمة معه ومع الحياة أحياناً كثيرة.
إن مهمة تجاوز الأزمة الحالية التي تمر بها الحركة الشيوعية واليسارية العراقية، هي مهمة معقدة وشاقة ، لا سباب فكرية وتاريخية واجتماعية ، لكنها ليست مستحيلة ، ويمكن للعناصر الماركسية واليسارية أن تتجاوز الوضع الراهن عبر نشاطها الفكري والعملي ، وأن تقيم تنظيمها الجديد، وفق أسس وشروط جديدة، عبر مراجعة ونقد التجربة السابقة، و تهيئة وإعداد إمكانيات وعدة العمل الجديدة والفعالة.
يتبع غدا

2020-06-02