البيان التحولي:لأنظار ثورة تشرين/3!


عبدالاميرالركابي.
ـ وجدت الظاهرة المجتمعية ابتداء وصيرورة، مزدوجه، قاعدة واصل ازدواجها وبؤرتها ارض الرافدين، وهي موجودة ـ أي الظاهرة المجتمعية ـ حيث ومنذ ان وجدت منذ تبلورت خاضعة لقانون “الازدواج وفك الازدواج”ن على طريق التحولية، الى مابعد مجتمعية، الأول كبداية، والثاني كمنتهى ومآل، يفصل بينهما زمن طويل من غلبة الأحادية المجتمعية الارضوية، مصدرها احد عنصري المجتمعية الأساسيين”الأحادي الأرضوي”، مقابل وعلى حساب”الأحادي غير القابل للتجسد ارضويا/ السماوي” وهما مكونان اساسيان وجدا باعلى شكلين لهما غير صافيين وفوق نموذجهما في حالة تداخل تصارعي، تجلى بحالة ارض مابين النهرين، بصيغة كيانية اصطراعية موحدة وواحده، هي كيانية الازدواج المجتمعي البدئي الرافديني.
ـ ان حالة القصور العقلي إزاء الظاهرة المجتمعية ومضمرها ومكنونها، وغلبة الأحادية ومنظورها ونموذجها المؤقت ابتداء، وعلى مدى زمني، هو من قبيل الضرورة اللازمة لاجل التصيّر باتجاه توفرعنصر التحول المجتمعي المادي، وهو ماتحتاجه لزوما المجتمعية التحولية الازدواجية، وعموم المجتمعات، لكي تنتقل الى ماقد وجدت بالاصل وابتداء، وصممت من لدن الغائية الكونية العليا، لكي تبلغه، فكانت كذلك، ومتفقة مع الغرض من وجودها بنيويا، الا انها لم توجد حين نضجت متوفرة على كامل مقومات التحول والانتقال الأكبر،فظل يعوزها العامل التحولي المادي الى جانب البنيوي، الامر الذي سيظهر مع الزمن، وخلال العملية التصيرية التاريخية بصورة عجز بنيوي لاتملك انتاجه بذاتها، بصفتها وبحسب طبيعتها التي لاتتوفرعلى الأحادية الصافية في حالتي وعنصري كينونتها الكيانية، اي كل منهما على انفراد، أي انها وبحكم الازدواجية والصراعية الثنائية، لاتحتوي في النتيجة على أحادية دولة صافية، ولا على أحادية لادولة تامة الصفاء كما الحال كمثال في حالة “كيانية الدولة الأحادية” النيلية المصرية بالنسبه للنمط الأول، او الجزيرة العربية او الامريكية اللاتينيه كمثال، بماهي مواضع وكيانبة “مجتمع لادولة احادية”، الجزيري من بينها محكوم لاقتصاد الغزو.
ـ تبدا المجتمعية حين تبلغ طور الاكتمال، وتصير ماهي، محكومة لقانون “العيش على حافة الفناء” وهو الاشتراط الذي وجدت ارض مابين النهرين في سومر جنوب العراق نفسها موكولة له، ومحكومة لقانونه اللاارضيوي، ولم يكن لوجود مجتمعية “النهرين العاتيين” مقابل ” النهرالواحد” الموادع، والمؤاتي، مجرد صدفة، ولا من قبيل العارض التكويني التصيري، وكذا الانفتاح شرقا وغربا وشمالا امام الأمم والسلالات، وانصبابها الذي لايتوقف باتجاه بقعة الخصب من الجبال والصحارى المحيطة الجرداء، وتدميرية النهرين العاتيين للجهد البشري، ومعاكستهما للدورة الزراعية، ولهب الفصول، وبردها القارص، وعواصفها الرملية، مقابل حماية الصحارى لوادي النهر الواحد الضيق الاخضرار على امتداد النهر، إضافة لاتفاق الايقاع النيلي مع الطبيعة ومواسم الزراعة فيضانا، كذلك لم تكن مجتمعية الأحادية الطبقية المقابلة على الضفة الأخرى من المتوسط مجرد مصادفة، او بلا دخل وضرورة متصلة بالتفاعلية التحولية النهائية، وبلحظة الانتفال الكبرى من سطوة الأحادية الى مابعدها.
ـ كل وضع مجتمعي، وكل حال وطبيعة، كما التوزعات والتقاربات والتباعدات، محسوبة وداخله كوحدة ضمن اليات تفاعلية سائرة نحو”فك الازدواج” بمجرد توفر شروطه كما تتمثل في توفر الوسيلة الإنتاجية ( التكنولوجية العليا) المادية للتحول الأكبر، ودخول العالم برمته زمن “العيش على حافة الفناء”، حين يصير التحول حالة راهنه ولحظة لزوم والحاح لافكاك منه ولامهرب، وهو مايشترط بداية الانتقال الى المنتجية الالية المصنعية، ومايرافقها ويحايثها ويحيط بها وينجم عنها وتفرزه على الصعيد التقني التكنولوجي.
ـ ان المجتمعات برمتها حين وجدت، كانت وتظل ازدواجية بدرجات ومستويات، ابتداء من ارفعها تبلورا الى “مجتمعية سماوية” غير مدركة عقلا، و”مجتمعبة أحادية” تظل غالبة مفهوما ونموذجا. ولاتقتصر الازدواجية تجليا على الموضع البؤرة لوحده، فارض الرافدين النموذج الازدواجي لاتتوقف خلال زمن القصور العقلي، عن ادراك منطوى الظاهرة المجتمعية عن التجسد على مستوى المعمورة، وهي بما تتوفر عليه من ملحقات عضوية مجتمعية، لاتتوقف دون صياغة نمط ازدواجها وتعميمه على العالم، بالدرجة الأولى سماويا ابان زمن امتناع التعرف على هذا الحيز المجتمعي المبني على أسس اللادولة، واللاتجسد ارضوياعبر بناء “مملكة السماء على الأرض”، متوسلة سلسلة الازدواجات ( ارض /سماء) مقابلها كائن بشري، انسايوان من عنصرين ( عقل / جسد)، الثاني منهما عائد للأرض، والأول للكون الأعلى، و مجتمعية ( لادولة غير قابلة للتجسد ارضويا/ ودولة أحادية) مع تفاعلاتهما المفضية الى انفصال العقل عن الجسد، و اتخاذه الكون الأعلى سكنا للضرورة الكونية بعد السكن الأرضي الموقت الانتقالي.
ـ في زمن اللاتحول وانتصار الأحادية وغلبتها على العقل، تجد المجتمعية السماوية صيغتها التعبيرية في الابراهيمة النبوية، لتعم الكوكب الأرضي ومجتمعاته بغالبيتها، وإذ يصر الاحاديون على تسمية تعبير المجتمعية اللاارضوية ب “الدين” جهلا وقصورا عقليا، ورغبة في اقصاء تعبير المجتمعية الأخرى المناقضة، مكرسين الارضوية المجتمعية، تخترق المجتمعية السماوية بنية الكائن البشري والمجتمعات وصولا الى معزوفة ( فصل الدين عن الدولة) وهو اجراء قام به سرجون الاكدي قبل اكثر من خمسة الاف عام، من ضمن صراعيته مع تمثلات المجتمعية المقابلة النقيض، الامر الذي مايزال مستمرا تعبيرا عن رغبة الأحادية في الهيمنة المطلقة والاحادية، علما بان التعبير الابراهيمي ( خلال طورة النبوي الالهامي الأول، والاطول على قدر طول زمن الهيمنه الاحادية)نفسه، غير مطابق لمنطويات التحولية بقدر ماهو اني ملائم لزمن سيادة الأحادية، يتاسس على ثنائية الرب العبد، مناظرا الأحادية ونازعا سلطتها الأرضية لايداعها في السماء، حيث الرب الأعلى هو الحاكم المسيطر على الكائن البشري ومصيره ومآله في العالم الاخر، وحيث الدينونه له لا للملوك والاباطرة والحكام كمنفذ يؤمن التملص من سلطة المجتمعية الارضوية، ويبقي على المجتمعية السماوية وحضورها قدر ماهو ممكن ومتاح، بما في ذلك شحنه العقابية الاخروية غير المبررة ولا اللائقة بالقوة العليا، مايجعل من اجمالي مخطط البنائية السماوية اللاارضوية للدولة، مجرد صيغة مؤقته محكومه هي الأخرى، لاشتراطات عابره، وان طالت، قبل ان يصل العقل مع التحولية لاستكناه حقيقة الغائية العليا، وموضعها من الوجود ومآلاته، بما يعني سيادة حالة من مؤقتية “الله”، وتراتبيته النوعيه، القابلة للتبدل مع انتهاء زمن الانسايوان والغلبة الجسدية الاحادية.
ـ تبلغ الأحادية ذروتها ومنتهى تجليها مع الثورة الالية الراسمالية، فتصير ايلة للانتهاء ولاختفائها كنمط مهيمن، ومع تمخضها عن الوسيلة الإنتاجية التحولية “التكنولوجية”، من رحم المصنعية والالة، فانها تكون قد هيأت الأسباب والوسيلة الضائعه الناقصة التي كانت التحولية البنيوية الازدواجية تنتظرها على مر دورتين تاريخيتين، الأولى السومرية البابلية الابراهيمية، والثانية العباسية القرمطية الانتظارية، مع الدورة التحولية الراهنه، وما قد مامر من فصولها خلال قرابة خمسة قرون انقضت الى اليوم على بدء التشكل الوطني الازدواجي التحولي الحالي الذاهب الى “فك الازدواج”.
ـ ومع صعود ظاهرة الغرب وحداثته الراهنه المواقته تاريخا لبدء التشكل الرافديني الحالي الثالث، تصل الأحادية المجتمعية اعلى ذرى الغلبة والهيمنة المفهومية والنموذجية، في حين يصير القصور العقلي والوقوف دون استكناه مضمرات الظاهرة المجتمعية التاريخي في اقصى مايمكنه من التجلي، فتعم العالم بقوة لامثيل لها منظورات الانقلابية الطبقية، والعلموية والحضاروية، والتقدم الذي بلا حدود، مشفوعا بأقصى مايمكن من الملموسية المادية الشاملة. مع ان كل هذا الانتفاخ يكون في الواقع من مقربات ساعة واوان انتهاء الظاهرة المذكورة، المنتفخة في اخر زمنهاونمطها ووجودها على مستوى الكرة الأرضية، وقرب انطواءغلبتها التي ظلت قائمه لمئات القرون.
ـ ان انتقال الأحادية الطبقية اعلى اشكال النمطية المجتمعية الأحادية واعلاها دينامية، الى الالة والراسمالية، هو بالاحري نوع انتقال من الأحادية الى اللامجتمعية، تتوقف عنده وبسببه الاليات الصراعية “الطبقية”، وتنحو الطبقة المسيطرة الى الاستقلال بالتقانه المستجدة عن العملية الإنتاجية المجتمعية والمجتمع، حيث تختل العملية المذكورة، ويقع العالم تحت وطاة التديير الانتاجوي الفائق للطاقة للحياة واسبابها على كوكب الأرض، لدرجة وصول الحياة “حافة الفناء” ،الامر الذي يتحول الى واقع معاش، ويرتقي من موجبات ويوميات التدبيرية الحياتيه المجتمعية والسلطوية، ومختلف شؤون الحياة الانسانوية، الى حقيقة حياتية رئيسية شاملة ليوميات الانسايوان الغارق في الاستحالة المعيشية كطور تاريخي، وفي تراكم الكارثة التي لاحل لها، مايفتح الباب بقوة، ويحتم وقتها على الانسان مغادرة مفاهيمه التي ظل يتداولها عن المجتمعية والحياة البشرية، ويصير مخرج التحولية ومغادرة المجتمعية هدفا لامهرب منه، ومن مواجهة والكشف عن أسبابه التي تظهر وقتها من وراء العجز والقصور العقلي الطويل، لتنبثق كما انبثق العقل في الجسد اول مرة*.
ـ ان عالم اللحظة الراهنه، هو عالم بدء “التحول” على مستوى المعمورة، ومايعيشه الانسايوان اليوم ومن هنا وصاعدا، هو زمن الانقلاب التحولي التكنولوجي، حيث الالة الى اختفاء لصالح الطور التكنولوحي الثاني الأعلى، التحولي، وهذا العنصر، أي المادي التحولي، بالإضافة لتقدم المنظور البشري الى ماوراء المجتمعية، وقفزة العقل وتحرره الوشيك من الارضوية والجسدية، هو مهمة الانسان العظمى التي يقف الانسان الرافديني ازاءها اليوم متقدما، وموكلا بالريادة العظمى، وللمرة الثانية، بعد البدء السومري الأول.
خامة “الانسان” المتمترس في ساحة الحبوبي، حيث سومر الحديثة، وفي ساحة التحرير، والساحات مجتمعة، على امتداد ارض مابين النهرين، يقف اليوم خارج الزمن المجتمعي، متجها الى الاكوان العليا، حاملا راية البشرية نحو اللاارضوية، والأيام القادمة، سوف تكرس تباعا حضوره على مستوى المعمورة بالشواهد الحية، وبالواقعة وتكرارها بينما هو يهيء أسباب الرؤية الكبرى “وقرآنه” قرآن القراءات.
ثورة تشرين 2019 مابين النهرينيه هي ثورة “التحولية العظمى الكونية الثانية” مابعد النبوية الابراهيمية، صداها الأعظم، سيطبق الافاق، وسيقلب تاريخ تصيّرالبشر، ناقلا اياه الى حيث كان مقدرا له ان يصل، وراء، وبعيدا عن الكوكب الأرضي الذي سيستحق قريبا كلمات وداع حارة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الكثيرين تحدثوا عن جائحة ” الكورونا” من منطلقات الانتاجوية المعتادة، ورجعوا لتكرار معزوفة نهاية الراسمالية، والاشتراكية، وهؤلاء بالطبع هم بقايا متبقية من زمن ولى اليوم، وصار الانسايوان ـ الذين هم منه ـ بخانة مامضى، بينما شؤون الوجود تنحو الى عبور زمن التدبيرية الأحادية الى التحولية، وان تكن ماتزال في بدايات حضورها التي لن تلبث ان تتكرس كحالة وطور حياتي كوكبي مستجد.

2020-06-02