تحالف فنزويلا وايران الملهم ورسالته لليسار العربي !
إيهاب شوقي.
الناقلات الخمسة التي كسرت الحصار وأعلنت الثورة على العقوبات الباغية والمتكبرة وأبحرت من ايران الى فنزوبلا، سيتم تسجيلها في لوحة الشرف التاريخية، كمحطة هامة وملهمة من محطات المقاومة.
سيسجل التاريخ أن الناقلات “فورتشن” و”فورست” و” فاكسون” و”بتونيا” و”كلافل”، لم تنقل الوقود فقط من ايران لفنزويلا، وانما نقلت التوازن الدولي لمرحلة جديدة، أصبحت مقاومة الهيمنة فيها رقمًا وازنًا، وانتفت معها أسطورة الرعب والتخويف الذي اعتاشت عليه امريكا لعقود لارهاب خصومها واصدقائها على حد سواء.
ولهذه الخطوة دلالات متعددة الأبعاد والدروس، لا تخلو من رسالة هامة للقوى السياسية العربية ولا سيما لليسار العربي.
وهنا، قبل توجيه الرسالة لليسار العربي، من الواجب الاضاءة على بعض الدلالات والدروس المستفادة من هذه الخطوة المقاومة الشجاعة:
أولًا – لم تكن الخطوة استعراضية أو مجرد مغامرة، بل هي خطوة مدروسة وهادفة، ولم تقتصر على عملية نقل وقود لحل أزمة مؤقتة، وانما نقلت الى جانب الوقود مواد لاصلاح المصافي المعطلة، لحل المشكلة الفنزويلية حلًا ممتدًا، وهي جزء من منظومة دعم ايرانية شاملة للقوى المقاومة بالعالم.
والدليل على ذلك أنه في 23 ابريل الماضي قال مسؤول إن فنزويلا تلقت مواد تستخدم في صناعة تكرير النفط عبر شحنة جوية من إيران لمساعدتها في إعادة تشغيل وحدة تكسير بالحفز في مصفاة كاردون البالغة طاقتها 310 آلاف برميل يومياً، والضرورية لإنتاج البنزين.
وبعد وقت قصير من إغلاق روسنفت لعملياتها في فنزويلا، أشارت تقارير مختلفة إلى أن رحلات جوية تابعة لشركة ماهان إير، وهي شركة طيران إيرانية خاصة تخضع للعقوبات، تهبط في ولاية فالكون الفنزويلية وهي تحمل معدات وأفرادا من إيران لإعادة تشغيل مجمع مصفاة باراغوانا في فنزويلا، وهي إحدى أكبر مصافي التكرير في العالم.
ثانيًا – لم تعتد الخطوة الشجاعة على شعارات فارغة او تهديدات بالرد على أي عدوان دون مصداقية، فقد شكل إيقاف الناقلة البريطانية “ستينا إمبرو” في المياه الإقليمية الإيرانية، رداً على تحرك مماثل قامت به لندن في التعرض لسفينة إيرانية في جبل طارق، مصداقية لايران، ناهيك عن تنفيذها تعهداتها ووعودها بالرد على أي عدوان، وآخرها في عين الأسد والقواعد الامريكية بالعراق.
ثالثًا – أثبتت كل من ايران وفنزويلا، ان الاصرار على المقاومة دون تفاوض على الثوابت هو الحل الأمثل والوحيد لمواجهة الهيمنة، وقد اتخذتا بأسباب النجاح في اعتماد هذا الحل من خلال امتلاك القوة الرادعة والالتفاف الشعبي حول المقاومة.
رابعًا – أثبتت الخطوة امكانية انتصار المقاومة رغم أي ضغوط وحصار اقتصادي، وألهمت القوى المقاومة بامكانية التحالف والوحدة دون الحاجة لاليات دولية مفروض عليها الحصار، فقد اعتمدت وسائل مالية خاصة بين البلدين المقاومين، وقد أعلن سفير الجمهوریة الاسلامية الایرانیة في كاراكاس “حجت الله سلطاني”، عن تسلم قيمة وقود البنزين الايراني المورّد الى فنزويلا كاملة، موضحًا ان “الجانب الاهم هو ان فنزويلا وايران لديهما آلية خاصة لتسديد مبالغ الصادرات والاستيراد بينهما كاملة؛ والمثال على ذلك شحنة البنزين الاخيرة”.
لم تستطع البحرية الأمريكية التي تقوم بدوريات بشكل روتيني في مياه منطقة البحر الكاريبي، بالقرب من طريق الناقلات الإيرانية التعرض لها، ولم يطلق الأسطول الأمريكي الرابع، ومقر قيادته في جاكسونفيل بولاية فلوريدا الأمريكية، والمسؤول عن جميع العمليات في المنطقة طلقة واحدة، لعلمه بجدية البلدين في المواجهة.
وهنا يمكننا أن نوجه رسالة للقوى السياسية العربية ولا سيما اليسار العربي:
وفحوى الرسالة هو أن المقاومة سلوك وخيار لا يتوقف على الايدلوجية، فهناك ايدلوجيات لا تنفصل المقاومة عن جوهرها، وهناك ايدلوجيات تعتمد المقاومة كخيار من ضمن خيارات، وهناك اخرى تعتمد المقاومة كمناورة أو ورقة لعب يتم التلويح بها.
ولطالما شكك قطاع كبير من اليسار العربي في امكانية التحالف مع القوى الاسلامية باعتبارها تيارات رجعية ويمينا دينيا وغيرها من المسميات.
ولعل سلوك تيارات انتسبت للاسلام قد ايد وجهة نظر اليسار بتنوعاته، من حيث السلوك المهادن والمتواطئ ايضا مع الهيمنة والعدو الاسرائيلي.
الا أن هناك قوى رفعت شعار الاسلام وأثبتت مصداقية في مقاومة الهيمنة ولم تعترف بالعدو الاسرائيلي، وأثبتت ممارساتها الاقتصادية والاجتماعية أنها بعيدة عن تهمة الرجعية.
وقد فطنت قطاعات من اليسار الدولي لذلك وعلى رأسها اليسار في أمريكا اللاتينية، ولا شك أن تحالف هوجو تشافيز مع ايران والذي أكمل مادورو مسيرته، وتأييد العديد من شرفاء اليسار في العالم للمقاومة، يؤكد أن هناك خطأ كبيرًا وربما عقدة نفسية لدى قطاعات اليسار العربي التي تضع القوى الاسلامية كلها في بوتقة واحدة دون فرز وتدقيق.
هنا لا نتحدث عن اليسار المخترق بالتمويل الغربي او الخليجي او بالافكار الصهيونية، وانما نتحدث عن اليسار الشريف والذي انحاز معظمه للمقاومة في محطاتها المختلفة، والذي تحول الافكار المسبقة والجمود الفكري دون دعم قطاعات منه للمقاومة لا لشيء الا لكونها اسلامية!
نأمل من كل من يعتمد المقاومة خيارا ان ينضم لجبهة المقاومة الواسعة على ارضية المقاومة، ولكل دينه وعقيدته ولتكن المقاومة هي نقطة التقاطع في مقابل الهيمنة التي تشكل نقطة لتقاطع الاستعمار رغم خلافاته الفكرية والدينية والعقائدية.
‎2020-‎06-‎02