من إيران إلى فنزويلا… حاصرْ حصارَك!
رامز مصطفى*
الخطوة التي أقدمت عليها إيران في إرسال ناقلاتها العملاقة إلى فنزويلا عبر بحر الكاريبي المغلق أميركياً، والمحملةً ليست بالنفط وحسب، بل أيضاً بقطع الغيار اللازمة لإعادة مصافي النفط الفنزويلية إلى العمل، بعد أن فرضت الولايات المتحدة الأميركية حصاراً بحرياً مشدّداً عليها، مانعة بذلك فنزويلا من القيام بما يلزم من إصلاح لتلك المصافي. ما كانت القيادة الإيرانية لاتخاذ تلك الخطوة، لولا القراءة المعمّقة والدقيقة لسياسات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وما تبيّته من نيات عدوانية، بدأته منذ فوز ترامب برئاسة البيت الأبيض تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بتحريض من الكيان الصهيوني بشخص بنيامين نتنياهو، الذي أخفق في تحقيق ذلك في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي اتهمه الرئيس ترامب، بأنه “أبرم أسوأ اتفاق في تاريخ أميركا”، متوعّداً في الوقت نفسه إيران بأنّ كلّ الخيارات مطروحة للتعامل معها. وفي خطوة للدلالة على جدّيته وخلال ترأسه اجتماعاً مع قادة جيشه، قال ترامب: “أتدرون ماذا يعني هذا؟ يبدو أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة”.
تلك القراءة التي مهّدت إليها خطوات شكلت المقدّمة للنتائج التي أوصلت القيادة الإيرانية إلى ذاك القرار الاستراتيجي بإرسال أسطول نفطي من خمس ناقلات، وصلت جميعها إلى الموانئ الفنزويلية، غير مكترثة للتهديدات الأميركية باحتجازها لتلك السفن. الأمر الذي تطلب موقفاً حازماً من قبل القيادة الإيرانية، بأنّ الردّ سيكون مباشراً على أية قرصنة أميركية. وقد أبلغ هذا الموقف إلى السفير السويسري الراعية بلاده للمصالح الأميركية في طهران. وبدوره وجه وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، قال فيها: “التهديدات الأميركية غير القانونية الخطيرة والاستفزازية، تعدّ قرصنة بحرية تشكل تهديداً على السلام والأمن الدوليين»، وأكد ظريف “أنّ إيران ستتخذ التدابير اللازمة ضدّ التهديدات الأميركية”.
تمثلت هذه الخطوات، أولاً، في توقيع الرئيس ترامب أوائل أيار 2018، قراراً بانسحاب بلاده من الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5 + 1 في العام 2015، وإعادة تفعيل العمل بالعقوبات المرتبطة ببرنامج إيران النووي. وما ترتب على ذلك من تأجيج للصراع بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإدارة الرئيس ترامب، اتخذ أبعاداً سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية. وقد ترافق الانسحاب الأميركي مع تخاذل وتواطؤ دول في الاتحاد الأوروبي مع إدارة الرئيس ترامب، على الرغم من أنها لا تزال على تمسكها بالاتفاق، ولكن من دون اتخاذ المتوجب عليها، خصوصاً أنّ إيران وبإقرار الاتحاد الأوروبي، ملتزمة بالاتفاق من دون تسجيل أيّ خرق له من قبلها. والحقيقة تكمن في سياق لا يتعلق ببرنامج إيران النووي، ولكن في محاولة بائسة من البيت الأبيض ورئيسه في قبول إيران التفاوض على منظومة صواريخها الباليستية التي تخيف الكيان الصهيوني وحلفاءه في منطقة الخليج. أما ثانياً، إقدام الرئيس الأميركي ترامب على إعطاء الأوامر باغتيال الشهيد المجاهد اللواء قاسم سليماني قائد لواء القدس في الحرس الثوري أوائل كانون الثاني 2020 في بغداد، وإلى جانبه الشهيد المجاهد أبو مهدي المهندس القائد العسكري للحشد الشعبي في العراق. وما ترتب على جريمة الاغتيال الجبانة والمدانة من ردّ فعل عسكري إيراني سريع وغير مسبوق، في قصف قاعدة “عين الأسد” الاستراتيجية الأميركية، والذي أسفر عن تدمير ومسح القاعدة ومن فيها عن بكرة أبيها. وما استتبع ذلك من تصويت للبرلمان العراقي على إلغاء الاتفاقية الأمنية مع دول التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وإنهاء تمركزها على الأراضي العراقية، رداً على عملية الاغتيال.
وصول السفن الخمس إلى موانئ فنزويلا يعدّ انتصاراً لإرادة التحدي والصمود الذي أبدته وتبديه كلّ من إيران وفنزويلا، في كسرها لسياسة القرصنة والبلطجة التي تمارسها الولايات المتحدة الأميركيّة ورئيسها ترامب. محققة بذلك مقولة حاصر حصارك بعد أن قطعت تلك السفن البحار الخمسة انطلاقاً من إيران وصولاً إلى فنزويلا. وبالتالي ستمثل الخطوة الإيرانيّة الجريئة والشجاعة فرصة حقيقية لتخلص العالم من الهيمنة الأميركية الغاشمة، في خطوة عملانيّة في اتجاه التسريع في تشكل عالم متعدّد الأقطاب.
*كاتب فلسطينيّ.
‎2020-‎06-‎02