البيان التحولي: لانظار ثورة تشرين /2!


عبدالامير الركابي .
( هذه افتتاحية تنويهية مختصرة عن البيان التحولي وقران العراق قيد التحضير لعل أبناء الثورة وشبيبتها الحية يجدون فيه بداية وموطيء قدم عليه تضبط البوصلة)
عاش العراق تاريخه خلال القرن العشرين تحت وطاة افظع واشنع عملية فبركة وتزوير يمكن ان يعرفها موضع في التاريخ الإنساني، فقد تظافر على تكريس مثل هذا الوضع عاملان: الأول ذاتي وموضوعي بنيوي، نابع من تجاوز حالة وكينونة هذا الموضع للطاقة العقلية المتاحة، ولقدرة العقل على الإحاطة عراقيا وعالميا، بجانب اليات الهيمنة المفهومية والنموذجيه الغربية التي عمت العالم، وسادت ابان انتقال الغرب الحديث الى الطور الحالي الراسمالي والالي المصنعي، وسعية المحموم لتكريس نموذجه وحزمة أفكاره ومنظوره للعالم، بما يلائم تسيده، وتكريس مصالحه على مستوى المعمورة.
هذان العاملان كانا وراء الهزيمة الكبرى التي لحقت بالعقل العراقي في العشرينات من القرن الماضي، وصولا الى الثلاثينات، وهو مالم يمر من دون امثلة وممثلين، فكان ” جعفر أبو التمن” الذي يطلق عليه تعبير، او تسمية “أبو الحركة الوطنية العراقية”، او من قد خرجت الحركة الوطنية العراقية من معطفه، هو في الحقيقة أبو الهزيمة التاريخية التي لحقت بالعقل العراقي ازاء المهمة التاريخية الوطنية، ابان منعطف تاريخي خطير، وتحد مزدوج، يقول احد المواضبين على وصفه احاديا وبما يبرر لامثاله ولذاته وجودهم، واصفا حال هزيمه مايسميه البرجوازية إزاء الضرورة الوطنية فيقول: “اما البرجوازية الوطنية فكانت ضعيفة جدا اقتصاديا وسياسيا ( لا فكريا / الإشارة مني) ولم تستطع تنظيم نفسها في حزب سياسي كبير شان “الوفد المصري”، او ” المؤتمر الهندي”، اذ لم تستطع تنظيم الجماهير الشعبيه، او قيادتها بصورة ثابته او فعاله، كما لم تستطع فرض صورة من الديمقراطية البرلمانيه يمكن مقارنتها حتى بنظائرها في مصر والهند” (2) ونحن هنا إزاء مخطط يفترض مقطعا طبقيا فيه “برجوازيه”، الا انها “ضعيفة جدا سياسيا واقتصاديا”، وضعفها كان سببا في عدم تمكنها من افامة حزب سياسي كبير، وكل هذا الهراء المفبرك، قائم على الغاء للحقيقة البنيويه والتحدي الداهم،وهو لايطرح أي تساؤل عن الأسباب التي جعلت البرجوازية تعجز إزاء مايعتبره مهمتها في حينه.
والمعروف ان “جعفر أبو التمن” الذي اقام عام 1922 “الحزب الوطني العراقي” بعد قيام الدولة المركبة من الأعلى، كان احد النشطاء المبرزين ابان ثورة العشرين، ومنغمسا فيها عمليا، من دون ان يكون معنيا، او اظهر وقتها اية نية اقتراب او رغبة في اماطة اللثام عن الذاتية الكامنه وراء الثورة، او دلالتها التاريخية المنتمية لها ولكينونتها التحولية.
اما زكي خيري، فهو لن يقارب تصورا يقوم على خلفية التساؤل عن أسباب عجز البرجوازية العراقية بمواجهة مهمة اكتشاف ملامح ومكونات الوطنية العراقية، فلو انه ذهب مثل هذا المذهب لاضطر لان يكمل موضوعته بالقول “وفي مثل هذا الحال من الفشل والنكوص العام من قبل النخبة العراقية في حينه، وهي إزاء التحديات الوطنية المقابلة للتحدي الاستعماري الغربي، لم يبق، ولم يكن امام بعضها، ولأسباب يطول شرحها، الا ان تبادر بالهرب نحو استعارة المفاهيم الايديلوجيه الغربية، واقحامها على واقع العراق، بغض النظر عن مدى صلاحيتها، او درجة ونوع انطباقها على الواقع المفروضة عليه، ناهيك عن كونها كرست حالة اختلاق كيانية ووطنية متخيله ومفروضه على الواقع التي هي منه” غير اننا اذا اكملنا معه، ومع غيره من معسكره، فلاشك اننا سنجد الكثير من الأسباب والشواهد القابلة للاستعمال لتكريس هذه الوجهة، بما قريبها من الصوابيه، ومن وهم العضوية الاندماجية، الامر الذي يزيد مع الزمن ومرور الوقت، من إزاحة الاليات والعوامل الفعليه الكامنة المتحكمه بالصراع، وبالمواجهة مع الغرب الاستعماري والنموذجي.
ولا احد سواء عند البداية او بمرور الوقت، قد انتبه الى، او قرر الغوص وراء الخاصيات التاريخية الوطنية، بحثا عن درجة واشكال حضورها خلال القرن المنصرم، وبالذات بعد ثورة 1920 هذا الحضور الاستثنائي عمليا وفعلا، من دون التوفر على نمط الرؤيه والمفهوم المجتمعي والتاريخي المطابق، الامر الذي لم يمنع،على عكس ماقد ساد، او يوقف الاليات التي أدت للانفجار الكبير في 31 حزيران 1920 فضلت هذه حاضرة خلف المشهد المنظور،من دون تكامل منظورها، الامر الذي ماكان فريدا، او لاسابق له في التاريخ العراقي، القديم والوسيط والحديث على وجه التخصيص، ان لم يكن بالاحرى قد كرس في حينه قاعدة تاريخية.
فاذا ماتجاوزنا الدورتين الأولى والثانيه، واشكال تجلي الوطنية من منظور التحول واللادولة خلال زمن ظهورها الاني، ابان استحالة التحقق باشكالها السماوية الكونية، او الشرائعيه، والامامية القرمطية الانتظارية، وحصرنا النظر في الدورة الحاليه الثالثة، فان ماعاشه العراق خلال الفصل الاخير من هذه الدورة، منذ ابتدائها في القرن السادس عشر، كان بالاحرى تاريخ “الاستبدال الثالث”، سبقة استبدالان، قبلي تغلبي منقوص السلطة، أولا، وديني انتظاري تجديدي ثانيا، فاتحاد قبائل المنتفك، قام كنتيجه حالة استبدال قررتها القبيلة المشاعية الجنوبيه في سومر الحديثة، نصبت خلالها ال شبيب قادة منزوعي السلطة، باعتبارهم ضرورة لقيام اشكال من الحكم التي تضطر لها المشاعات، وعالم دولة اللادولة غير القابله للتجسد ارضويا،( هنا يتمثل القانون الثاني من قوانين التشكل التاريخي في الكيانيه اللادولويه الازدواجيه التحولية، فمجتمع اللادوله يمكن ان يجد نفسه بحاجه للتشكل في كيانية قاعدتها الاستبدال، فقبائل (الاجود، وحميد، وبني مالك)، التي تشكل منها اتحاد المنتفك، لم تكن تستطيع تجاوز استحالة ترؤس احدها على الاثنين الاخرين، لانتفاء خاصية التغلب مشاعيا، الامر الذي حدا بها لان تستجلب قبيله من خارجها، جاءت من جهة صفوان، لتنصبها قيادة، من المفهوم انها ليست قياده حاكمه، ولا تملك القرار، الامر الذي ستثبته الوقائع لاحقا) (3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) زكي خيري/ مقدمه كتاب/ ” من تاريخ الحركة الثورية المعاصرة في العراق 1920 ـ 1958″/ الجزء الأول/ ط2/ دار الرواد للطباعة ـ بغداد/ ص 4
(3) هذا القانون او القاعدة الثابته بالإضافة لقانون “التشكل من اسفل” تستحق طبعا بحثا مفصلا مستقلا يوضح طبيعتها وموقعها في البنية المجتمعية والاليات بمواجهة طغيان المفهوم الأحادي التاريخ، و طبيعته الاخضاعية للحقيقة الازدواجية، الامر الذي يأخذ في العراق، أي في ارض الرافدين بالذات، شكلا هو الاخر ثنائي الوطاة والحضور، اذ ان البنية الرافدينية في مثل هذه الحالة، كتب عليها ان تعيش تاريخها الأطول من بين تواريخ كل المجتمعات الحية، تعاني وطاة الأحادية، الخاصة الداخلية، أي المكون الثاني ذي الطبيعة الأحادية مقابل المكون اللاارضوي، أي حصتها من الأحادية المتفلبه مؤقتا وطويلا، إضافة الى الهيمنة الموضوعيه والتاريخية للاحادية ومنظورها، ونموذجها على مستوى التاريخ عالميا، الامر الذي يزيد من ثقل ووطاة الأحادية، ويعمل على طمس الخاصيات الازدواجية الرافدينية، ومنها ظاهرة الاستبدال الأساسية، والتي كانت تجلت بداية في ارض سومر عند بداية المجتمعية.
فالمنظور العادي الأحادي، يصر على رؤية اشكال الحكومات “والملكيات” الجنوبيه بعينه الأحادية، متصورا إياها نمطا احاديا من نوع الملكيات المتعارف عليها، في حين تنقسم هذه بنية ووجودا الى نوعين من الكيانات، الأولى استبدالية، والثانية امبراطورية ازدواجية، نموذجيها الأعلى الاكدية، والبابلية، والعباسية، قياسا باشكال ممالك تشابه من حيث البنية والتكوين حالة المنتفك الصورية السلطة، حيث انتفاء عامل او عنصر الغلبة السلطوية المخالفة والمعاكسه لماعرف من نظرية كان صاغها ابن خلدون، وانطبق على قيادتها من ال شبيب واحفادهم السعدون، حيث الملكية هنا، والحكم لايخضع اطلاقا لاشكال الحكم الأحادي، ويكون منقوصا وخاضعا لادارة مجلس عام ليس للملك فيه اي سلطة تتفوق على سلطة اكبر أعضاء المجلس سنا، كما انه لايحوز على سلطات فعليه الاعند اعلان حالة “الطوارئ” خلال الكوارث والحروب، تعود لتنتزع منه بمجرد زوال الأسباب.
ولا شك بان مثل هذا النمط من الممالك استثنائي وخاص، لامثيل له وليس هنالك مايشابهه، مما سهل السطو عليه، واثار تضاربات أساسها سطوةمفاهيم الأحادية حتى على اكثر دارسيه انتباها، فالغربيون يذهبون لنسبته الى ” الديمقراطية البدائية”، واخرون من اهل البلاد يكتشفون ملوكا عشرة بأسماء انبياء لكنهم لايستطيعون نسبه الظاهرة الى طبيعتها وكينونتها اللا ارضوية التحولية، التي هي وحدها التي تفسر ظاهرة “المملكة التوراتيه الإلهية”.
يقول ثوكلد جاكبسون: ” وإذ غدت القرية مدينة، برز مافي الحضارة الجديدة من نمط سياسي: الديمقراطية البدائية. ففي دولة المدينة الجديدة، كانت السلطة السياسية العليا في يد مجلس عام يشترك فيه جميع الاحرار البالغين. وفي الفترات العادية كانت شؤون الحياة اليومية تصرف بارشاد مجلس الشيوخ، اما في الازمات ـ في حالات خطر الحرب مثلا ـ فكان بوسع المجلس العام ان يخول احد أعضائه السلطة المطلقة ويجعله ملكا. ولكن هذه الملكية منصب يتقلده صاحبه لزمن محدد، اذ ان المجلس الذي يخلق هذا المنصب يستطيع أيضا ان يلغيه حال انتهاء الازمة.”/ ماقبل الفلسفة : الانسان في مغامرته الفكرية الأولى/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت/ تاليف هـ فرنكفورت، جون.أ . ولسون ، هـ .أ. فرانكفورت . توركيلد جاكبسون/ ترجمة جبرا إبراهيم جبرا ص 149/ ويعود في الصفحة اللاحقة فيقول:”ولذلك يسوغ لنا ان نفترض ان فكرة الدولة الكونية تبلورت في زمن مبكرجدا، عندما كانت الديمقراطية البدائية هي نمط الدولة الشائع ( !!!!! العلامات مني) ـ بل قل عندما تبلورت حضارة الرافدين نفسها”. وليس ماورد أعلاه سوى نموذج عن حالة القصور والنكوص العقلي امام ظاهرة يعجز العقل الاجتماعي الأحادي عن الذهاب للنظر فيها ولها، على انها “نمط” بذاته، له خصائصة واليات تشكله وحركته. وهذا مانجد عليه الكثير من الامثله المرتبكة القاصرة، من نوع اخر ماوضعه “خزعل الماجدي” عن ” الملوك” الأنبياء العراقيين العشرة./ راجع كتاب ” انبياء سومريون/ المركز الثقافي للكتاب للنشر والتوزيع/ كيف تحول عشرة ملوك سومريين الى عشرة انبياء توراتيين/ الدكتور خزعل الماجدي.

2020-05-31