أعيد نشر سلسلة آراء ومواقف وتجارب….
دعوة للحوار والنقد والمراجعات في ضوء كارثة الوطن وخراب حياة الناس…ح2!

أحمد الناصري.
الحلقة الثانية.
2- النقد والمراجعات (المراجعات الشخصية والنقد الذاتي)
تناولت في القسم الأول من موضوع (النقد والمراجعات) موقف الحركات والأحزاب السياسية من قضية النقد والنقد الذاتي والمراجعات الفكرية وتصحيح الأخطاء الكبيرة والصغيرة، والاعتراف بالأخطاء الفكرية والسياسية في الوقت المناسب، لتحديدها ومعالجتها وتجاوزها والتخلص منها، وعدم التأخر أو التهرب، وإخفاء وتشويه الحقائق والوقائع، ومكاشفة الجماهير ومصارحتها بكل شيء، لكي تقتنع وتقترب من الحركة وتحميها وتساندها في المواقف المصيرية الصعبة، من خلال تفهمها وقناعتها وقبولها وتفاعلها مع البرامج والشعارات والتوجهات والخطط السياسية المطروحة.
كذلك يدخل في هذا المجال الواسع والمتنوع، الحاجة الملحة في حياة الشعوب والأمم لدراسة التاريخ القديم، دراسة علمية موضوعية لخدمة الحاضر والمستقبل، باستخدام أحدث التقنيات والنظريات العملية للتوصل الى كشف طبقات الماضي وأحداثه وربطها بحالتنا الراهنة وتبيان قضية التأثير الإيجابي والسلبي والمشاكل والتقاليد الموروثة وكيفية عملها وطريقة معالجتها لتجاوز الماضي باعتباره حدث ماض انقضى لذلك ينبغي تجاوزه.
اليوم نحاول هنا التحدث عن دور الأفراد العاملين في المجال السياسي والفكري والتنظيمي وإنجازاتهم وأخطاءهم والظروف القاهرة المحيطة بالعمل أحياناً، وأسباب ومصادر الأخطاء والانحرافات، والظروف التي تنتعش فيها هذه الظواهر الخطيرة، وتأثيرها المدمر على العمل، وكيفية معالجتها والتخلص منها.
هناك صفات إيجابية أو سلبية يكسبها الشخص من حياته الخاصة وظروفه الاجتماعية وقدراته ومواهبه، وهذه الصفات والقدرات والمواهب تتلاقى وتصقل داخل الحزب والحركة، وربما تتطور وتتقدم الى الأمام، عندما يكون الحزب سليماً ومعافى، وربما تتراجع وتتلاشى وتندثر، وتظهر محلها صفات سليبة قاتلة، حين يكون وضع الحزب مختلاً. لقد مر ملايين من البشر بهذه التجارب والمواقف وتغيرت طباعهم وصفاتهم ومصائرهم. والحزب الثوري يعلم، باعتباره مدرسة جماهيرية حقيقية، حسب تعبير تقليدي لكنه صحيح ودقيق. لكننا نعرف إن أعرق وأهم المدارس والجامعات والتيارات الفكرية يمكن لها أن تتراجع وتتدهور وتسقط في حمأة الأخطاء والمشاكل والركود، عندما تبتعد عن التجديد والمراجعة والنقد وتستكين للحالة التقليدية الجامدة، وهذا من صلب وطبيعة الظواهر الاجتماعية والحياتية التي لا تتقبل الخطأ، ولا تتساهل ولا تتهاون مع النواقص الأخطاء المتكررة، وستكون لها نتائجها وحصادها المر الكامل في النهاية.
لقد حددت الماركسية بدقة وموضوعية عالية دور الأفراد في صناعة التاريخ ودورهم في المجتمع، وميزت بين الدور الفردي والجماعي، ودور الحركات والأحزاب الثورية ومواقع الأفراد فيها ودورهم وموقعهم في ظل العمل الجماعي والقيادة الجماعية وعقلها الجماعي المتطور. وعند اختلال العلاقة بين الفرد والعمل الجماعي بأي شكل كان ولأي سبب، تبرز مشاكل ومخاطر لا حدود لها، مشاكل ومخاطر بلا نهاية. وهنا يصبح المجال واسعاً لأخطاء الأشخاص الفردية، التي ربما تقود الى كوارث غير محدودة.
الطريق الصحيح لتصحيح أخطاء ونواقص الأفراد كما حددته تجارب الحركة الثورية، يكون من خلال النقد الذاتي والاعتراف بالأخطاء وكشف أسبابها ودوافعها في سبيل تصحيحها. والمراجعات المستمرة والدائمة ضرورية، حسب التطورات الكثيرة والدائمة المحيطة بنا وحسب النتائج التي نتوصل إليها، واعتبار المراجعات حاجة إنسانية وأخلاقية وتربوية، الى جانب كونها قضية فكرية وسياسية أساسية.
لا نريد أن نقول هنا بأننا نتحدث عن النقد الذاتي الحقيقي، بسبب الابتذال والتدهور الذي أعترى تطبيق هذا المبدأ الأساسي، الى درجة إفراغه من محتواه ومعناه الأول وتحويله الى أداة إنشائية وشكلية للتنصل والتهرب من الأخطاء وضرورة معالجتها، أو سلاح للقمع والتهميش والانتقام. والنقد والمراجعات بحاجة الى جرأة وموضوعية وقناعة بأهمية وفائدة النقد، وليس كإجراء لتفادي المحاسبة والتنصل من المسؤولية كما يحصل في حالات كثيرة. كما إننا ضد المراجعات والنقد العدمي الذي يصاحب الانقلابات والارتدادات الفكرية والتحول الى موقف آخر معادي للموقف السابق، لأسباب شخصية أو مصلحية أو تحويل في الولاءات والارتباطات.
لقد كتب عدد كبير من الأشخاص مذكراتهم الشخصية، التي انطوت على نزعة ذاتية لتمجيد وتضخيم الدور الفردي والحالة الفردية، وأعاد البعض كتابة تاريخهم والتاريخ العام بما يناسب مواقفهم ومواقعهم وأدوارهم الحالية، دون الرجوع الى الحقائق والوثائق المعروفة والثابتة، كما حصلت وكانت، دون كشف الأسرار والمعلومات والملفات الحقيقية المطلوبة. بل قام البعض منهم بتزوير وتلفيق وتحوير بعض المواقف الضعيفة والمتخاذلة التي مروا بها وحولوها الى شبه بطولات أو بطولات ومواجهات وهمية فارغة من أي معنى، على عكس الحقيقة المعروفة. كما إن غالبية من كتب لم يكتب بموضوعية أو بعقل نقدي مخلص ليقول ما له وما عليه، أو حابى وجامل من هو قريب منه بدون وجه حق وأنتقم وتعرض لمن اختلف معه ولو لاحقاً. ولا تخلو معظم الكتابات من الإنشائية والركاكة وضعف الأسلوب، الى جانب التحامل الشخصي، وظهر بعضها بعد تأخر طويل وعلى شكل موجات وكأنها موضة أو حمى تأثر جماعي وفزعة جماعية وليست حاجة يجب أن تنجز في أوانها الضروري، كي تحصل الفائدة المطلوبة منها، لذلك كانت فائدتها شحيحة وبسيطة وحصادها هزيل. يدعو البعض الى ترك أو تأجيل النقد والمراجعة لأنها تنفع العدو وخططه بينما العكس هو الصحيح، وهناك من يرفض الكتابة والتدوين خاصة ممن تورط بأخطاء وممارسات مشينة تحت حجج وذرائع شكلية. لهذا فأنا لا أقصد هذا النوع من الكتابات ولا أطالب به.
عدد كبير من الأشخاص في جميع الأحزاب والحركات السياسية وفي أجهزة السلطة السابقة والحالية، يملكون معلومات ووثائق هامة وكثيرة، ويمكن لهم أن يساهموا في عملية النقد والمراجعة والتصحيح اللاحق.
في ضوء الكارثة الرهيبة التي يعيشها شعبنا ووطننا، وموجة الأحداث الجسيمة التي نمر بها، بعد فظاعات تجربة الحقبة الفاشية المتخلفة التي مررنا بها، فإن دراسة الأسباب الحقيقية للوضع الحالي وللمأزق التاريخي الذي نمر به، هي مهمة تاريخية رغم صعوبتها وتعقيداتها، وعلى كل شخص ساهم في التجربة السياسية العراقية والعربية أيضاً أن يساهم في كشف الحقائق والوثائق والآراء، بالكتابة المباشرة أو غير المباشرة، عبر إيصال المعلومات والوثائق والآراء ليجري تدوينها بطريقة من الطرق المتقدمة لتكون ميسّرة وصحيحة ومفيدة، ونحن نخوض في خضم الأحداث الجسيمة والثقيلة. ورغم قيظ العراق الخانق بالغبار والسخام والقذارة، ورغم الظروف الرهيبة، فلا بد من إنجاز كل هذه الخطوات تدريجياً، لكن بإصرار لا يتوقف باعتبارها حاجة موضوعية لا يمكن تجاهلها، لكي نفتح الثغرات والأبواب في جدران الصمت والعتمة، ونساهم في كشف الحقيقة وتقديمها للناس والمساهمة في تكوين الوعي الوطني لمواجهة أكبر كارثة يتعرض لها وطننا.
كان من الطبيعي والمفروض أن تتوفر وتتاح الوثائق للجميع من خلال مؤسسات دراسية وعملية، ومن خلال مكتبات وطنية، لا أن تسرق وتحتجز من قبل جهات الاحتلال الخارجية أو جهات مشبوهة تابعة لها ومرتبطة بها، وتباع الى جهات معادية لشعبنا، وتستخدم للابتزاز والضغط، ولتخريب وتمزيق الذاكرة الوطنية العراقية.
ينبغي أن ينتهي الصمت المريب تجاه قضايا كثيرة غامضة، وأن تفتح جميع الملفات وهي بلا شك كثيرة ومتداخلة وشائكة، وتحتاج الى جهود جماعية وفردية، كبيرة ومنظمة، لأننا بحاجة الى النقد الموضوعي الهادئ والشامل لكل شيء، على صعيد الأحزاب والأفراد، حيث أن كل شيء قابل للتقليب والفحص، كشرط رئيسي ضمن شروط ضرورية أخرى، للتجاوز والعمل المتطور اللاحق.
أعرف إننا لم نصل الى هذه المهمة بسهولة، بسبب الظروف العامة الحالية والتراكمات والتقاليد السابقة وغياب تقاليد وتجارب كتابات من هذا النوع، لكن لا بد من وعي أهمية هذه الخطوة والتفكير والتثقيف بها وصولاً الى طرحها وتنفيذها.  

يتبع غدا

2020-05-31