قرار نتنياهو بضم الضفة الغربية وأحلام العصافير “القصة كاملة”!

بقلم بكر السباتين.
ليس مستهجناً أن يغتنم المحتل كل ما يتاح من فرص كي يثبت أقدامه ويرسخ وجوده، ففي غفلة من العالم الذي كان منشغلاً بمواجهة فيروس كورونا كان الذئب يتربص بحقوق الضحية ليجهز على بقيتها..
هذا ما أقدم عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتوافق مع شريكه في الائتلاف (حزب أزرق أبيض) وذلك بتغيير الواقع السياسي، وفرض جغرافيا جديدة يُسنده في ذلك خرائط وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطة سلامه التي عُرفت بـ “صفقة القرن”.
حيث قرر تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع ضم الضفة الغربية رسمياً إبتداءً من يوم الإثنين الموافق ١ يونيو ٢٠٢٠ وبذلك يكون الاحتلال الإسرائيلي قد بسط سلطته على كامل أراضي الضفة الغربية بعد ضم غور الأردن الذي يشكل ٣٠٪؜ من أراضي الضفة الغربية المحتلة، ووفق الحسابات الإسرائيلية، فإنه بعد أربع سنوات من تاريخ إقرار الضم رسمياً دون قبول الفلسطينيين بالدخول في جولة مفاوضات جديدة على قاعدة القبول بصفقة القرن فإن الضم يصبح قانونياً أمام الشرعية الدولية والمشفوع بدعم أمريكي غير مسبوق أعلن عنه مؤخراً وزير خارجية أمريكا مايك بوميو..
وتتجلى خطورة هذا الضم في أنه سيقطع أوصال الضفة الغربية المحتلة بحيث تصبح لا صلة جغرافية بينها سوى الطرق الإسرائيلية أو الأنفاق.. كذلك مصادرة المناطق الزراعية الخصبة، والمناطق المقدسة، ومصادرة المياه العذبة، مما يجعل الضفة بلا موارد حقيقية للثلاثة ملايين فلسطيني.. وخلافاً لاتفاقية أوسلو فإن الضم يعني إنهاء حلم ما يسمى بدولة فلسطين على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وسيتم عزل الضفة الغربية عن محيطها العربي عبر الأردن، وفي المحصلة تتحقق سيطرة إسرائيلية كاملة على الأرض والإنسان الفلسطيني، وتصبح كل مقدرات الشعب الفلسطيني واقتصاده جزءاً من عجلة الاقتصاد الإسرائيلي لا بل والأقل دعماً.. وهذا ديدن الاحتلال في كل زمان ومكان.
وفي سياق متصل، رصد البروفيسور إيلي فودا، عضو إدارة “معهد دراسة سياسات إسرائيل الإقليمية والخارجية” (ميتيفيم) وأستاذ الدراسات الشرق أوسطية في الجامعة العبرية، في مقال نشرته صحيفة “هآرتس”، ثلاثة أسباب دفعت دولة الاحتلال للإقدام على الضم حالياً، وهي:
أولاً: انشغال العالم بمواجهة وباء كورونا، الأمر الذي جعل اليمين في تل أبيب ينطلق من افتراض مفاده أنه بإمكانه الضم دون أن تتعرض “إسرائيل” لردات فعل دولية خطيرة.
وفي وقت سابق وصف نتنياهو الوضع الحالي بـ”الفرصة التاريخية”، والتي استثمرها خلال الجولة الانتخابية الثالثة وصولا إلى التشكيل الحالي للائتلاف الحاكم.
ثانياً: وجود ترامب في البيت الأبيض الذي يمثل محفزاً آخر يدفع اليمين لإنجاز الضم على اعتبار أن فشل أداء الرئيس الأميركي في مواجهة وباء كورونا يمكن أن يؤدي إلى خسارته الانتخابات الرئاسية أواخر العام الجاري، مما يعني صعود المرشح الديمقراطي جون بايدن، الذي يرفض الضم ويشدد على الحاجة إلى ممارسة الضغوط على “إسرائيل” بإعادتها إلى مسار التفاوض مع السلطة الفلسطينية.
ثالثاً: حالة الوهن والهوان العربي والعجز الفلسطيني ممثلا في السلطة، والتردد الأوروبي الذي لا يتجاوز إطلاق تصريحات وبيانات “لإبراء الذمة” في أفضل الأحوال، وفي ظل عدم الإجماع على إمكانية فرض عقوبات رادعة على “إسرائيل”.
أما أمر الضم بالنسبة للحليف الأميركي الذي سبق وباركه فيبدو تحصيل حاصل، وعلى الرغم من اطمئنان نتنياهو لموقف ترامب وإدارته، فإنه يحاول التسريع بحسم الضم، قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية المقررة في نوفمبر المقبل خصوصا مع عدم وضوح إمكانية إعادة انتخاب ترامب، ودرءاً لظهور عقبات مفاجئة خلال الأشهر المتبقية على الاستحقاق الرئاسي قد تؤثر سلباً على تنفيذ خطة الضم.
ويعزز ذلك أن الخطة كشفت بالفعل انقساماً حزبياُ في واشنطن، فعلى الرغم من تعهد المرشح الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية جو بايدن بالإبقاء على السفارة الأميركية في القدس المحتلة في حال انتخابه، فإنه لايؤيد الضم، وقال في لقاء مع يهود أميركيين عبر الفيديو إن خطة الضم تقيض الآمال في حل الدولتين، كما حذر 18 من الأعضاء الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأميركي من أن الضم قد يضر بالعلاقات الأميركية الإسرائيلية.
من جهة أخرى يتعرض مشروع الضم إلى انتقادات حادة في الكيان الإسرائيلي، وكان “منتدى قادة من أجل أمن إسرائيل”، الذي يضم العشرات من كبار الضباط المتقاعدين من الجيش والمخابرات والشرطة، قد حذر مؤخراً من تبعات الضم، محذراً من أنه سينتهي بضم كل الضفة الغربية.
ونصح “مركز أبحاث الأمن القومي” الإسرائيلي حكومة نتنياهو بعدم استغلال أزمة كورونا في الإسراع بتنفيذ قرار الضم بشكل منفرد، داعياً إلى تطبيق الخطوة في إطار مخطط شامل للانفصال عن الفلسطينيين وبعد دعوتهم مجدداً للتفاوض على أساس “صفقة القرن”.
وحول مخاطر الضم قال تقرير اسرائيلي نشره معهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي “إن ضم مناطق في الضفة الغربية، سيترك تبعات سلبية على إسرائيل، أهمها أعمال عنف وشغب وإرهاب في الضفة الغربية (حسب تعبيره) وتصعيد في غزة إلى جانب احتمال إلغاء التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، كما سيشجع أعمال المقاومة على حساب المفاوضات”.
ومن المؤكد بأن التقرير أخذ في الاعتبار عجز جيش الاحتلال الإسرائيلي حتى الآن عن إعادة احتلال غزة ولجم صواريخ المقاومة التي حققت توازن الرعب وأضرت بهيبة جيش الاحتلال من خلال تهديدها للعمق الإسرائيلي، وهذا لم يعد خافياً على أحد.. أي أن القرار لا يغلق ملف القضية الفلسطينية بسهولة دون حسم دبلوماسي على طاولة المفاوضات.
وبحسب التقرير، فإن “أخطار الضم قد تطال علاقات إسرائيل مع مصر والأردن” مشيراً إلى أن “رد الفعل الأردني قد يؤثر سلباً على التعاون مع الجانب الأردني في حراسة أطول حدود لإسرائيل، وحتى باتفاقية السلام، عدا عن تبعات مشابهة على العلاقات مع مصر”
وكان العاهل الأردني عبد الله الثاني في حديثه مؤخراً لمجلة دير شبيغل الألمانية قد لوح بصدام مُحتمل مع دولة الاحتلال إذا ما أقدمت على ضم أراض فلسطينية.. وبذلك يكون قد ترك الباب موارباً لكل الاحتمالات.
ولم يشر التقرير إلى أشد مخرجات قرار الضم خطورة على يهودية الدولة مستقبلاً من خلال الذهاب إلى خيار “دولة ثنائية القومية” كأمر واقع، إذا ما احتسب الزخم الديموغرافي الفلسطيني المتنامي في معدلات النمو السكاني لدولة الاحتلال والتي تميل لصالح الفلسطينيين.
بالمقابل فإن الموقف الفلسطيني برمته يرفض هذا الضم جملة وتفصيلاً وخيارات الرد مفتوحة على كل الاحتمالات، وكان أشدها ما ذهب إليه موسى أبو مرزوق رئيس مكتب العلاقات الدولية في حركة حماس، في حديثه للمركز الفلسطيني للإعلام حيث أكد على أن مواجهة مشروع ضم الضفة الغربية لدولة الاحتلال، يكون من خلال برنامج وطني وحدوي فلسطيني أساسه المقاومة والخروج من التسوية.. والاستعانة بكل المنظمات الحقوقية والقانونية والمحاكم الدولية لإنهاء هذا المخطط، وإعطاء الشعب الفلسطيني حريته..
وليتذكر نتنياهو الذي يتخبط في غيّه وقد أعمى الزهايمر التاريخي بصيرته بأن أحلامه لا تتجاوز أحلام العصافير فصاحب الحق أقوى من عربدة كل متجبر عنيد.. والرهانات لا يمتلك ناصيتها إلا من يثبت على حقه وهذا هو ديدن الفلسطينيين فمنذ نكبة فلسطين وطائر الفينيق ينهض من بين الرماد أشد عنفواناً حتى قدوم النصر المبين.
30- 5- 2020