من أوراق كتابي (المنسيون) .10!

أبو علاء منصور.
الظلم ظلام…
بدت عبير عودة من قرية صيدا بمنطقة طولكرم، ابنة الأربعة وثلاثين ربيعاً غاضبة وتقطر ألماً وهي تتحدث عن والدتها التي اكتشف الأطباء أنها مصابة بسرطان الرحم. قالت في سياق الحديث: أنا عنيدة، قيل إن ولادتي كانت متعسرة، وبدل أن أولد على يد قابلة في القرية، اضطر والدي لنقل والدتي إلى المستشفى. كان والدي مدرساً وأمي زوجته الثانية، ولي أربعة أشقاء من زوجته الأولى: يزيد\ست سنوات، فضل\أربع سنوات، وصفوت\خمسة أشهر، وسعدي\سنتان. أنجبت والدتي منه ثلاث بنات وأربع صبية، وولداً من زوج بعد وفاة والدي. قتل والدي غدراً وأنا التاسعة من عمري، فتزوجت والدتي قسراً بعد ستة أشهر وتشتتت الأسرة. وضعتُ وشقيقتي الكبرى في جمعية خيرية للفتيات على طريق قرية “ارتاح”. أما الصغيرة – سنة ونصف- فوضعت في حضانة جمعية الهلال الأحمر في طولكرم. ووضع وفيق وحكمت وصدّيق وجاسم في جمعية الزكاة للأيتام بطولكرم، وأرسل يزيد وفضل وسعدي وصفوت إلى دار الأحداث في رام الله. بعد مدة هربنا وعدنا إلى بيتنا الخالي من أي معنى إنساني، غرفتين إحداهما زينكو والثانية طوب، وأكبرنا يزيد\15 سنة. ما أصعب أن يدفع أطفال في عمر الزهور ثمن ما تنضح به قلوب البعض من شر وفي غياب القانون، بدل الشعور بالأمان يتولد لديهم حقد على مجتمع لم يحمهم.
أضافت عبير بتنهيدة من عمق أعماقها: انخرطتُ وأشقائي في انتفاضة الأقصى. كنت في أوج سنوات المراهقة وبيتنا بالقرب من مجمع المدارس. تأثرتُ كثيراً بمظاهرات الطلبة وهم يغلقون الشارع في وجه دوريات الاحتلال ويُشعلون الدواليب، وبجنازات الشهداء والإضرابات التجارية. كنتُ أتلثم وأنزل وأغلق الشارع بالحجارة. توزعتُ وأشقائي على تنظيميّ فتح والجهاد الإسلامي. ولاحقاً قضى سعدي سبع سنوات في السجن على فترتين، جاسم أربع سنوات، وفيق ثمانية أشهر، حِكمت ثمان سنوات، وصدّيق سنتان ونصف، وأعيد اعتقاله وهو جريح وقضى أربع سنوات أخرى. شقيقي يزيد أُصيب في ساقه بطلق ناري تسبب بعجزه. في العام 2002 كنت في الخامسة عشر من عمري، اعتقلتُ بتهمة محاولة طعن جندي. كنتُ في السجن حين جُرح جنديان إسرائيليان في اشتباك مع قوات الاحتلال في محيط منزلنا فاستشهد المطارد طارق ملحم وأصيب شقيقي صدّيق بإصابات بليغة، اعتقل ونقل إلى المستشفى وقضى شهرين في موت سريري. خرج من السجن بنسبة عجز 88%. في ذات الاشتباك استشهد أخي محمود\أحد عشر عاماً، وتهدم جزء من بيتنا، وأصيبت والدتي -نجاح عتيلي- بجرح في كتفها. واعتقل أخي صفوت. أصبحنا سبعة إخوة في السجن. هناك من ينظر للسجن باعتباره مقبرة أحياء أما أنا فأراه رحمٌ يولد منه القادة. تدخل السجن بثقافة صف تاسع وتخرج منه بروفسور إن أحسنت استثمار وقتك وعلاقاتك. لكني خسرتُ صحتي وسنوات جميلة من عمري. وهناك ظلم داخلي واستقواء من الأسيرات على بعضهن، وتآمر مع الإدارة. السجن غابة، محاولات هيمنة وإخضاع، جماعات وعصبيات. تهمشك رفيقاتك ليبقين في الصورة، يقللن قيمتك فتتطرف وربما تسقط في نظر نفسك. نحن نظلم بعضنا بعضاً. بكت عبير: تعمل المخابرات على كسر عائلة المناضل في نقطة ضعفها! وأنا أسيرة قيل لي أن عميلاً أسقط أحد إخوتي فوقّعتُ على قرار إعدام شقيقي! كنتُ صغيرة وتصرفتُ بطهارة المناضل. الآن أستيقظ من النوم مذعورة: هل مات شقيقي مظلوماً أم استحق القتل! ضميري يؤلمني! حين تزوجت والدتي كنتُ في الصف الخامس الإبتدائي. أصبحتُ بمثابة أم أشقائي وكانت أصغر شقيقاتي بعمر عامين أو أكثر! كنتُ أعجن وأخبز في الطابون وأغسل في اللكن وأُحفّظ الصغيرة. جاءتني العادة الشهرية فخجلتُ أن أبوح بذلك. طلبني أحدهم للزواج فوافقتُ شرط أن آخذ أشقائي معي. كنتُ أريدهم أن يأكلوا ويعيشوا. بكى المأذون ورفض عقد القران.
عما بعد الإفراج قالت عبير: تحررتُ في صفقة وفاء الأحرار. اعتقلت والدتي بتهمة دعم تنظيم إرهابي، وبعد ستة أشهر اعتقلتُ بتهمة التخطيط لاصطياد جنود وقضيتُ في السجن ستة أعوام أخرى. حصل تآكل في فكي وتحطمت بعض أسناني، وأعاني جفافاً في العين بسبب العزل الطويل في زنزانة معتمة، ومن كسر في الأنف وثلاث ديسكات في الرقبة نتيجة الشبح. مجتمعنا ظالم! إن تقدم شاب لخطبة أسيرة تلوكها الألسن: “يمكن اغتصبوها في السجن”. تحتاج الواحدة منا أن تتحصن بغلاف فولاذي كي تحمي نفسها من القيل والقال. غربة تجعلك انطوائياً وعليك أن تثبت نفسك. بعد التحرر أحسستُ أنني في مرمى نيران المخابرات الإسرائيلية! أنهم يتقصدونني! فسختُ خطبتي وفقدتُ الثقة بالمحيط. لاحت على شفتيها ابتسامة حزينة: في السجن كتبتُ قصيدة خاطبتُ فيها سرير الشبح كصديق: (تمهل على عظامي يا رفيقي). أضافت وقد خذلتها دمعة: الأصعب حين كانت تأتيني الدورة الشهرية وأنا على سرير الشبح. ساعات ألم لا تكاد تنقضي وأنا ذاهبة لتغيير الفوطة تحت مرمى نيران عيون السجانين! والأقسى وقع في قسم الجنائيات بسجن بئر السبع. رأيتُ سجاناً يتحرش بسجينة جنائية! كنتُ صغيرة فآذاني المشهد! طلبتُ إلى المحكمة لأشهد أمام القاضي! ما الذي أقوله والقاضي يُلح عليّ لذكر تفاصيل ما رأيت.
عن الأسيرات اللاتي عرفتهن في السجن قالت: أذكر قاهرة السعدي من جنين، مريم ترابين “مبعدة إلى الأردن”، أحلام التميمي “مبعدة إلى الأردن”. سمر صبيح من غزة أنجبت ابنها براء في السجن، منال غانم ولدت ابنها في السجن وكان مصاباً بالثلاسيميا. فاطمة الزق أنجبت ابنها يوسف في السجن. زهور حمدان “أم النصر” عمرها سبع وخمسون عاماً وقضت سبع سنوات في السجن، وأختها “أم محمد” قضت عامين في السجن وكانت بعمر ثمانية وخمسون عاماً. إخلاص أبو السعود ابنها ناصر محكوم اثنان وعشرون عاماً، أريج بدر ألمت بها حالة نفسية قاسية، منى عمايرة، هيام البايض من مخيم الجلزون، غزلان، نعمة النقايرة وعمرها أربعة عشر عاماً. أريج شحبري من الناصرة. سعاد غزال، سعاد نزال، سعاد، فاطمة الحج محمد، صابرين أبو عمارة، سيما عمبس زوجة شهيد وشقيقتيها أسيرتين. عصمت أبو صالح. ، مجد طالب، رائدة جاد الله. أمل جمعة، عائشة غنيمات. عائشة صبيحات، عائشة عبيات. عطاف عليان وطفلتها عائشة، خولة زيتاوي التي اعتقلت وعمر ابنتها أسبوع واحد. سهى المنشار التي اعتقلت أثناء زيارتها لزوجها الأسير بتهمة تهريب هاتف، اعتقلوها مع طفلها الرضيع الذي قيل أنها خبأت الجهاز في حفاظته. نعيمة نخلة من مخيم الجلزون. تهاني نصار، تهاني حفناوي من مخيم بلاطة. راوية الشيخ موسى وشقيقتها الجريحة رهام من مخيم طولكرم. رهام أبو عياش من بلدة بيت أُمّر، رانية ذياب من كفر راعي. إيمان أبو فارة من بلدة صوريف. منى قعدان من بلدة عرابة. لينا الجربوني من بلدة عرّابة البطوف. لينا حدايدة من مخيم طولكرم. لينا فرج الله من الخليل. استقلال فهد من الخليل. ميسون مطور من الخليل. رابعة حمايل من بيتا. عبير ندى، خولة حشاش، رماح حبايب، ولطيفة أبو ذراع من مخيم بلاطة. عبير عمرو من دورا الخليل وشقيقتها سناء. ميسون أبو عيشة من الخليل، عبير أبو عيشة شقيقة الاستشهادي صفوت أبو عيشة من قرية بيت إيبا. منتهى الطويل وابنتها بشرى من مدينة البيرة. آمال محمود من هضبة الجولان. ماجدة فضة من نابلس. نجوى عبد الغني شقيقة الشهيدين أنور وشفيق عبد الغني من قريتنا صيدا. غفران زامل خطيبة الأسير حسن سلامة. عهد التميمي ووالدتها ناريمان. د. مريم صالح عضو المجلس التشريعي.
أضافت: في السجن تمكنتُ من ترويض قطة أسميتها بديعة، استدرجتها من السطح عبر الشبك. كان التصفير لغة تواصلي معها. وضع أحد السجانين -رعد- سماً لها لكني عالجتها وتشافت. أنجبتْ فألقى السجان صغارها في الخارج. كانت تنتحب على الباب وتناديني لإنقاذ صغارها. كانت تميز بين الأسيرات والسجانات. قدمتُ التوجيهي وأنا في العزل، وكتبتُ الكثير لكن إدارة السجن صادرته. تعلمتُ اللغة العبرية وبعض الروسية وحفظتُ القرآن. تعلمتُ صناعة الخرز وتدوير الأشياء، وكنتُ أغني فأنا أؤلف شعراً وصاحبة صوت جميل.
عن المستقبل قالت عبير: أي مستقبل؟ أنا اليوم أتألم فقط. قدمتُ طلبات هجرة لكني رُفضتُ. في داخلي كم ألم هائل من كل شيء، من الاحتلال ومن السلطة والفصائل والمجتمع. كل شيء سرق في بلادنا. كل جماعة تسعى لتحقيق مصالحها ولو كان ذلك على حساب الوطن وآهات المناضلين وذويهم. أخشى أن تندلع حرب أهلية بين الكذابين ويضحي الشعب وقودها. يهرب الكبار بأموالهم ونقع نحن في الورطة. أولاد الفقراء يضحون بأنفسهم وتتسابق الفصائل على تبني عملياتهم! وهناك الانقسام بين فتح وحماس فيما يتعانق ممثلوهم والضحك يملأ أشداقهم! كنتُ شعلة نضال لكنني انطفأتُ! الوطن يستحق الكثير لكن من عليه لا يستحقون غير المحاكمة. قبل السجن حلمتُ أن أكون طبيبة نسائية، طبيبة بيطرية أو صحفية. اليوم كل الصورة سوداء.
في شقة عبير التقيتُ زميلة لها قضت تسعة أشهر في السجن، حين اعتقلت كانت في العشرين من عمرها وتركت طفلين وبيت مهدوم، وزوج محكوم مؤبد. أفرج عنها ومنذ خمسة عشر عاماً وهي تواصل تعليمها والعناية بولديها اللذين أصبح أحدهما في الجامعة. تشتكي السيدة من ظلم المجتمع، وتخشى أنها ستنفصل عن زوجها الأسير بسبب الظلم. قالت: أرجوك لا تذكرني في كتابك فما زلتُ عالقة في شباك الظلم، لم أتحرر بعد.
مع تحيات أبو علاء منصور

يتبع غدا

2020-05-30