سمات المجتمع الاستهلاكي!

عدنان عويّد.

الحلقة الثالثة

تأثير المجتمع الاستهلاكي على البنية النفسية للفرد والمجتمع:

   ان ما توصلت إليه العلاقات الرأسمالية المعاصرة، من تدمير للبنية الاقتصادية والاجتماعية تحت شعار “المجتمع الاستهلاكي” استطاعت أن تمد جذور التدمير هذه إلى نسيج النفسية الإنسانية، وهذا أمر طبيعي، إذ أن من أبرز سمات هذا النظام في صيغته الاحتكارية، هو تذوب حرية الفرد وتشييئه. فالإنسان هنا لم يعد المقياس الذي تقاس إليه كل الأشياء، بل على العكس تماما، لقد أصبح يقاس هو نفسه من خلال تبعيته للآلة البيروقراطية في المجتمع البرجوازي المعاصر، فأمام هذه الآلة لم يصمد الحصن الأخير للشخصية ذات التفكير (الحر) في مجال الابداع الروحي الذي يشمل العلم والفلسفة والفن… إلخ فبعد سيطرة العلاقات الاحتكارية على كامل الوجود الاجتماعي للناس، راحت بدورها تسعى إلى اخضاع إرادة وإدراك الإنسان كليّة، وجعله أداة طيّعة بيدها. فقد عملت قبل كل شيء على تغيير اهتماماته، من حيّز الابداع، إلى حيّز الاستهلاك، وذلك من خلال التضييق الأقصى لإمكاناته في مجال النشاط العلمي، إلى التضخيم الأقصى المصطنع لغرائزه الاستهلاكية، التي تأخذ طابع الحاجة إلى أشياء أصبحت رموزاً للثراء والسمعة الاجتماعية.

   بكلمات أخرى نقول: انّ العلاقات الرأسمالية الاحتكارية راحت تؤكد وتروّج لروح الانجازات الفردية، لذلك، ومن المؤكد حتماً، أنّ التنمية القائمة في إطار هذا النموذج من العلاقات الاحتكارية، ستقوم على تقويض كل القيم الإنسانية العملية السابقة. أما أوّل تقويض تحقق في بنية المجتمع، فهو اضمحلال النظام العائلي الواسع، فالأسرة تقلّصت إلى جمع ضئيل من الكائنات الإنسانية تلتف حول شخص هو رب الأسرة، كما أن مجتمع العمل أصبح مركز التقاء استلاب ومنافسات لا حدود لها. فالقوي يأكل الضعيف، والفلاح انتزع من أرضه ليدخل المصنع تحت ضغط الكدح القاسي المباشر، والحانوت انتزع من قبل “السوبرماركت”، والصناعة الصغيرة صفعتها ريح التروست والكارتل والكونسيرسيوم، مجتمع الحرية والعدالة والمساواة الذي حددت ملامحه فلسفة عصر التنوير تحت شعار “العقد الاجتماعي”، تحول إلى مجتمع العبودية الرأسمالية، والظلم، والفقر، المتوحشين، والجلفين الخائفين والمقتلعين.

   إنّ هذا الافساد رافقه أيضاً افساد للذهنية التقليدية في بنية المجتمع فالذهبية التقليدية تلك، المتمثلة بالتعاون، الحب، والألفة، والصداقة… إلخ، أفسدها المجتمع الاستهلاكي ليخلق بدلاً منها قيماً ذهنية جديدة، تعبّر أدق تعبير عن مجتمع مستلب، مخرب، مدمّر من الداخل، خارج عن القانون، أو ما يمكن تسميته “المجتمع المنعزل”. الموجّه من غيره والمشكّل لمجموعة لا عضوية من الأفراد فاقدة القيمة، والذي تبرز فيه تلك الشخصية المستلبة المشيأة التي وصفها “بيير باسكالون” بأنها (نقيّة كيميائياً، ذرّة موحدة النوعية، منمذجة بلا لون، أو نتوء، فارغة، مغلقة على ذاتها، منفصلة عن الآخرين، فاقدة لروحها وماهيّتها، توجهها شعارات رخيصة، انها لا تفكر قط من نفسها تقريباً، فالجهاز الاذاعي والصحافة الرخيصة والدعاية هي التي تشكل ادراكها، والتلفاز هو الذي يشكل تاريخها).

   ان انسان مجتمع (الاستهلاك) والحضارة الاستهلاكية، يبقى في المحصلة إنساناً مخدوعاً يعاني من الوحدة والسأم ويكابد كافة أنواع اللاشبع والحرمان، انّه حبيس وحدته، يعيش مجازفة مأساته الخاصة بجانب كائنات أخرى، لا يسعه معرفتها في زخم المدينة الكبيرة الضائعة من حوله، هذا وكثيرا ما تدفعه الوحدة والفراغ والسأم والغربة إلى الادمان والضياع أو إلى الانتحار.

تأثير المجتمع الاستهلاكي على البيئة الطبيعية:

   إنّ طبيعة المجتمع الاستهلاكي القائم على تأمين أكبر قدر ممكن من الحاجات الاستهلاكية المنتزعة من عضويتها الاجتماعية، رافقته بالضرورة مضادات استهلاك على مستويات متعددة الأشكال والصعد، وخاصة الطبيعية منها. فلكون النمو الانتاجي الكبير، المتعدد الأشكال والاتجاهات، والملتهم بشكل نهم قسماً كبيراً من موارد الطبيعة، معادن، أخشاب، مياه، أكسجين،… إلخ، لذلك فإن كل توسع في الانتاج سيؤدي بالضرورة إلى توسع في إستثمار الموارد الطبيعية، ومن ثمّ تعرضها للنفاد، وفي المحصلة تحقيق حالة من الخلل وعدم التوازن البيئي الذي ياتي التلوث في مقدمتها. والتلوث كمفهوم: هو افساد غير مرغوب للصفات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية للهواء والتربة والمياه، والذي من شأنه أن يهدد فعليا حياة الإنسان والأجناس الأخرى من الموجودات. أما التلوث الجوي، فانّه يأتي في مقدمة الخطر الأعظم على البيئة المحيطة بالإنسان، لما يرافقه من أمراض وإصابات.

   إنّ تلوث الهواء يكلف الآن الولايات المتحدة أكثر من (4) مليار دولار سنوياً، وهو مبلغ يتضمن كلفة تنظيف الواجهات المسودّة بالدخان والأضرار اللاحقة بالضواحي والسطوح المعدنية بفعل الهواء المتلوث، وتذكر أيضاً بعض المصادر حول النفقات التي تصرف في هذا الاتجاه: انّ النفقات الضرورية لإعادة تصفية الهواء، مع أخذ النمو الصناعي بعين الاعتبار، قد بلغ في أمريكا نفسها خلال الفترة الممتدة حتى العام (2000) حوالي (100) مليار دولار. أما تنقية هواء لندن فتقدر كلفتها بـ(50) مليون جنيه سنوياً، تضاف إلى هذا المبلغ النفقات التي تصرف لشراء (جبري) لأجهزة تحدّ من بث مواد ملوثة، أو لمعالجة الاصابات، وتوسيع خدمات ودراسات التحليل الجوي… إلخ. أما تلوث المياه: فإن كلفة تطهير جميع الأنهار الفرنسية من التلوث على سبيل المثال، قد قدرت بـ(10) مليار فرنك فرنسي بينما كلفة محطات التطهير اللازمة حسب الخطة الخمسية الموضوعية في فرنسا فقد قدرت بـ”مليارين وستماية مليون” فرنك فرنسي، يضاف إلى ذلك نفقات الصرف الصحي. أما في أمريكا فقد قدرت الكلفة اللازمة للعملية نفسها بـ(10) مليار دولار حتى العام (2000).

   أمّا ازدحام الطرقات الذي فرضته الزيادة المفرطة في وسائل النقل، فقد فرض نفقات باهظة لكل دول العالم تقريباً. وهذه النفقات تأتي دائماً في زيادة قوات الشرطة، وشارات المرور، وخدمة الاستشفاء بسبب الحوادث الناجمة عن السير… إلخ. هذا إذا ما أردنا أن نغفل التأثيرات الجانبية على حياة الإنسان وصحته، مثل اضطرابات السمع، والتهتك النفساني واختلال الجهاز العصبي، والاضطرابات النفسية… إلخ.

   خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، راحت الاحتكارات الكبيرة تمارس على نطاق واسع ما يسمى بـ”الاستعمار الايقولوجي” عن طريق استثمار شركاتها المتعددة الجنسيات للعديد من دول العالم النامي. فتذكر بعض المصدر بأنّ المساحة المغطاة بالغابات نتيجة للاستغلال اللاإنساني لها، أخذت تتقلص سنوياً بمقدار (18-20) مليون هكتار، وأنّ القسم الأعظم من هذه الخسارة يعود إلى حصة الغابات الاستوائية الرطبة في هذه القارات الثلاث، كما تذكر المصادر بأن (40%) من الغابات الموجودة في بداية الثمانينات ستزول بحلول العام (2000).

   ومن الآثار البيئية القاسية والخطرة على شعوب هذه القارات الثلاث التي ولدتها الشركات الاحتكارية أيضاً، نشوء عمليات خطرة نوعيا على “البيوسفيرا”، التي أخذت تهدد الحياة على الكرة الأرضية قاطبة من حيث تجلياتها السلبية. هذا إذا ما أغفلنا الكثير من الممارسات اللاإنسانية التي تمارسها الشركات الفوق – قومية، ضد شعوب البلدان النامية مثل تصدير الصناعات الرثّة إليها، وجعل أراضيها مقابر لبقايا النفايات النووية وغيرها.

   تشير بعض المصادر إلى أن هناك مناطق ومقاطعات في البرازيل أصبح العيش فيها خطرا مثل مقاطعة (كوتابيس) التي تسمى (منطقة الموت) حيث لم يعد وجود للحياة في أنهارها الأربعة، كما أنّ الأعشاب والأشجار لم تعد تنمو، بينما السكان تفشت بينهم أمراض نفسية لم تكن معروفة من قبل، ويولد الكثير من الأطفال ومعهم أمراض وعاهات جسدية بسبب منتجات البتروكيمياء والزجاج… إلخ. إذ يجرى سنويا بث (275) طنا من الغازات السامّة.

   إنّ من يطلع الآن على اللوحة الجغرافية لدول القارات الثلاث النامية ليجد تلك الصورة المحزنة لما حل بهذه اللوحة الجميلة سابقاً، حيث ساد تفتت التربة، وانتشار المستنقعات والتصحر، وخراب للأراضي الزراعية، وزيادة في ملوحة التربة، وما يرافق ذلك بالمقابل من تدمير للبيئة الاجتماعية من جوع، وفقر، وأمراض، وأمية، وجهل… إلخ، كل ذلك يعود كما قلنا إلى التطبيق العملي لتلك الصرخة التي اعلنها “ساي أنتجوا”: دون حدود فكان من وراء انتاجهم اللامحدود بزوغ وتبلور المجتمع الاستهلاكي فيما بعد بكل أبعاده وتجلياته.

كاتب وباحث من سورية

d.owaid333d@gmail.com

2020-05-30