استراتيجيات أمريكا في سوريا !
إيهاب شوقي.
لم يكن قرار الانسحاب الامريكي من سوريا الا قرارًا تكتيكيًا لخدمة استراتيجية أمريكية قوامها خفض النفقات والاعتماد على استراتيجيات بديلة.
وبالاطلاع على التقارير والتوصيات الاستراتيجية المقدمة لادارة ترامب، ورصد مدى التزام الادارة بها، يمكن استيضاح الكثير من الأمور والوقوف على توقعات لسلوك أمريكا في المرحلة المقبلة.
كتب مايكل أوهانلون المتخصص في الأمن القومي وسياسة الدفاع إنه في 16 أبريل 2018 اقترح هو والسفير الأمريكي السابق في سوريا رايان كروكر كيف يمكن للرئيس ترامب البناء على الهجمات الانتقامية الأخيرة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا ضد منشآت الأسلحة الكيميائية السورية.
وقال إنه من وجهة نظرهما، ينبغي أن يكون هناك تركيز على تطوير استراتيجية أكثر اكتمالاً للصراع السوري يمكن أن تثبت على الأقل فعالية معتدلة ودائمة بتكلفة متواضعة.
ووضع أربعة عناصر لاستراتيجية واسعة النطاق، يعتمد بعضها على الأفكار التي دعمتها إدارة ترامب في بعض الأحيان وهي باختصار:
1- مساعدة الحلفاء المحليين في سوريا على التمسك بموقفهم. وقد يتطلب هذا الهدف نشرًا محدودًا للقوات الأمريكية في قطاعات معينة من البلاد – لأغراض محددة – مثل القدرة على استدعاء الضربات الجوية إذا كان الشركاء مهددين.
2- الاستفادة من التهديد بمزيد من العمليات العسكرية الأمريكية، حيث يجب إخبار بشار الأسد بأن أي هجوم من قبل قواته، أو من قبل (الميليشيات التي تسيطر عليها إيران)، على القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها في قطاعات سوريا التي تعمل فيها سيقابل بالانتقام السريع غير المعلن عنه.
3- إنشاء رؤية سياسية أكثر واقعية للبلاد غير تلك التي تسعى إلى إبعاد الأسد فوراً.
مضيفا إن لدى المجتمع الدولي بعض النفوذ في تشكيل الخيار، بما في ذلك ضمان وجود الأكراد القادرين على البقاء والسنة الآخرين في مجلس الوزراء في المستقبل.
4- الترويج لوقف إطلاق النار بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، ويجب على الولايات المتحدة وحلفائها أن يشترطوا معظم المساعدة للأكراد في سوريا على إعادة الأسلحة الثقيلة التي أعطيت لهم لمحاربة “داعش”، ويجب على واشنطن أن تعلن أنها لن تدعم أبدًا دولة كردية مستقلة في سوريا (أو في أي مكان آخر) وأنها تعارض منطقة كردية واحدة رسمية ذات حكم ذاتي داخل سوريا.
وقال الكاتب ان أمريكا وشركاءها الدوليين يتمتعون بميزة كبرى، وهي المال، حيث إن معظم التمويل البالغ 100 مليار دولار أو نحو ذلك الذي ستحتاجه سوريا في نهاية المطاف لإعادة اعمارها لا يمكن أن تقدمه إلا الولايات المتحدة وحلفاؤها. يجب ألا تتدفق الأموال الغربية إلى الأسد أو المناطق التي يسيطر عليها حتى يتنحى. والاستثناء الوحيد هو كميات محدودة من الغذاء والدواء للأغراض الإنسانية، بمجرد أن يبدأ احترام وقف إطلاق النار ووقف ذبح (الأبرياء).
ما تلا ذلك من ممارسات يؤكد احترام امريكا لهذه الاستراتيجيات، أو على الأقل العمل بمضمونها، فخطوة الانسحاب الامريكية مع الاحتفاظ بنقاط انتشار في قواعد بعينها تدل على العمل بقتضى توفير الكلفة.
كما يؤكد استمرار دعم امريكا لبقايا “داعش” و”قسد” مع رفض الاعتراف بدولة كردية، اتباع امريكا لسياسة التعطيل والموازنة مع الاتراك وفرض واقع على الارض يجبر النظام السوري على موازنة سياسية تحتوي ما تريده امريكا وحلفاؤها من قوى ممثلة سياسيا تدين بالولاء لهم.
ناهيك عن المباركة للعمليات الصهيونية والضغط المستمر على ايران وتواجدها بسوريا.
والتزامن مع انتشار الجيش السوري على الحدود الشمالية، وانسحاب التشكيلات العسكرية الكردية إلى عمق 30 كم، تطبيقا لبنود التفاهم الذي تم الاتفاق عليه بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان فيما يخص الشمال السوري، أعلن البنتاغون زيادة التواجد العسكري الأمريكي حول آبار النفط السوري!
وهذا التواجد ربما وصّفه الخبير السياسي في المجلس الروسي للشؤون الخارجية، غريغوري لوكيانوف، عندما قال عن تواجد القوات الأمريكية حول آبار النفط انها تتعلق “بتحقيق مصالح خاصة وانخراط بأعمال قرصنة وسرقة واعتداء على الحكومة السورية”.
وأفادت التقارير أن القوات الأمريكية بانسحابها من كافة قواعدها ونقاطها في الرقة ومنبج وعين العرب، أبقت على وجودها في دير الزور الغنية بالنفط، وقواعدها في الحقول النفطية بالحسكة، وأضاف تقرير لـ”الأناضول”، أن الجيش الأمريكي عاد إلى 6 قواعد ونقاط عسكرية بعد توقف “نبع السلام التركية.”
كما عادت القوات الأمريكية إلى كافة قواعدها في الحسكة، وأعادت قواتها إلى قاعدة جزرا في الرقة، وأرسلت عددًا قليلًا من الجنود من أجل حماية قاعدة معمل السكر، في وقت لم تعد فيه إلى منبج أبدًا.
وكانت وكالة “أسوشيتيد برس” قد نقلت عن مصادر مطلعة، إن قرار ترامب أتى عقب اجتماع مع مسؤولين في وزارة الدفاع، إذ تركزت المناقشات حول إبقاء جزء من القوات الأمريكية في سوريا لحماية حقول النفط شرق البلاد من سيطرة “داعش”. وبموجب الخطة الجديدة، ستحمي القوات مساحة كبيرة من الأراضي التي يسيطر عليها المقاتلون الأكراد والتي تمتد على طول حوالي 90 ميلا (145 كم) من دير الزور إلى الحسكة شمال شرقي سوريا، لكن عدد الجنود لهذه المهمة لا يزال غير محدد، في حين رجح مسؤولون آخرون أن يكون العدد الإجمالي 800 عسكري على الأقل، بمن فيهم حوالي 200 في قاعدة التنف (قاعدة أمريكية) بجنوب سوريا.
خريطة التواجد الامريكي واضحة رغم افتقاد استراتيجية معلنة، وهي تضييق التواصل العراقي السوري كخط استراتيجي ممتد للمقاومة، وتعطيل سيطرة النظام السوري على كامل الاراضي وفرض واقع سياسي لقوى تقتسم السلطة، ناهيك عن نهب خيرات سوريا وقرصنة نفطها وثرواتها.
التململ الذي ظهر لدى أهالي قرى الحسكة وقطعهم الطريق على مدرعات القوات الامريكية واجبارها على العودة، يشكل بذرة مقاومة شعبية قد تشكل عنوانا في المستقبل القريب للوضع في سوريا، وهو خيار لا بد من دعمه، حيث هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الامريكي.
‎2020-‎05-‎30