اليسار العربي ونكبة القرن!


كاظم الموسوي .
مفردة النكبة، ومرادفاتها: الكارثة، المأساة، التغريبة الفلسطينية، موجعة بلفظها واسمها وتداعياتها، ومنذ إطلاقها واستمرارها من عامها الأول، وتقسيم البلد، وإقراره ومن ثم التآمر عليه، والصمت على “ماكو أوامر” ونصب المخيمات، وابادة جماعية وتطهير عرقي، وتهجير  وتعذيب، وابتدا المشوار… نكبة ونكسة وهزيمة وصفقة قرن.. ومازالت القضية هي القضية.. مركزية أو أساسية أو غيرها في زمن تشتد فيه الأزمات وتتنافس فيه المواقف التي يتهرب اغلبها من تحمل المسؤولية الواضحة فيها، فلسطينيا وعربيا وعالميا.
مواقف حكومات الغرب عموما رغم بعض التباينات معروفة في تأييدها للكيان الإسرائيلي ومحاباتها لخططه وانحيازها لتنسيقه الدولي، ويتنافس الرؤساء والإدارات الأمريكية على الدفاع عنه وشن حملات وضغوط في سبيله. أما مواقف الحكومات العربية قبل أيام النكبة الاولى والى اليوم لا تعكس الإرادات العربية، وتأتي متخلفة عن فرض الحقائق والوقائع القاسية وارغام العالم على إعادة الحق لأصحابه وإدانة الاحتلال والاستعمار والاستيطان، حتى الان، في مطلع العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين.
واضح أن المواقف الرسمية لا تتطابق مع الخيارات أو التطلعات الشعبية، وأن الحركات والأحزاب في الوطن العربي مازالت تحمل مع الشعب الفلسطيني سبل النضال باشكال مختلفة ومتفاوتة وتطالب بالحقوق المشروعة وتحقيق الحرية والاستقلال لفلسطين كاملة بكل حروفها، من إلفاء إلى النون، بدون مساومة أو تنازل أو تراجع.
رغم كل ذلك وبمرور السنوات، تظل هناك اسئلة .. أسئلة تتكرر دون اجوبة وبلا عقبى ضمير وخشية من حساب التاريخ وعقابه. معروف ان الشعوب تمهل ولا تهمل وان التاريخ يسجل ولا يصفح في صفحاته لمن ينسى دوره وموقعه ومكانه وواجبه. هل نكتفي بما حصل وننام بانتظار الذكرى السنوية القادمة؟. ان ما جرى مؤشر وإشارة الى ما يتوقع وما يراد له ان يكون.
 من هذه الأسئلة، كيف تخاطب اليوم الأمم المتحدة؟!، التي اصدرت قرار التقسيم ومئات القرارات الاخرى التي لم تطبق كما التزمت هي وادارة الولايات المتحدة الامريكية بقرار تأسيس النكبة، وهل تفيد اعادة معلومات ومواقف سياسية معلومة، وتناقضات سياسية مكررة؟!. ونرضى بما قدم شهادة للتاريخ بأداء الواجب لفظيا والوعد بالعمل على انقاذ شعب وارض تنتهك ابسط الحقوق المشروعة والمعروفة له وفيها.والابرز في الأسئلة:  ماهي المواقف المطلوبة الان؟!
منها ايضا سؤال يصب الملح على الجرح. ولابد من الدرس والاعتبار، وقراءة موضوعية للتاريخ، للتقدم للمستقبل. وهو ما يتعلق باليسار العربي.
مازالت محاسبة اليسار العربي على الهرولة وراء ما قاله اندريه غروميكو في الامم المتحدة حينها، اعترافا بقرار التقسيم، وتفسيرا له. وهي حالة مطلوبة مع ضرورة معرفة ظروفها والاطلاع على المواقف المتفردة من قوى لها وزنها. كما هو حال ما قدمه فهد، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي ( اعدم عام 1949)، رغم كل ما حصل وتناقلته الاخبار والإشاعات والوشايات ومراكز المخابرات والثقافة والتجنيد لتلك المهمات والصفقات. انها سخرية القدر اللئيمة في زمن غادر. لم يشر غروميكو لهذا الحدث الجلل في مذكراته، بينما افرد فصلا عن ازمة “الشرق الاوسط” في الستينيات وتأكيد موقف الاتحاد السوفييتي من القضية المركزية والسلم والأمن في العالم.
حدد فهد الموقف بسطور واضحة في اكثر من رسالة له، لاسيما بعد تأسيسه لعصبة مكافحة الصهيونية عام 1946، ومنها مذكرة مفتوحة الى الحكومة العراقية مؤرخة في 21/11/1945، كتب في فقرة تحت عنوان موقف الحكومة تجاه الصهيونية، ما يلي: “تدعي الحكومة القائمة انها تناصر عرب فلسطين ضد الصهيونية، لكن الشعب العراقي لا يلمس هذه المناصرة واختباراته اليومية تبرهن انه على ان الحكومة العراقية تمنع الشعب العراقي من مناصرة عرب فلسطين، تمنعه عن مكافحة الصهيونية وبهذا تسهل على الصهاينة وعلى القوى الرجعية– الاستعمارية وغيرها- السير بخططهم.. ان الحكومة منعت وتمنع الشعب العراقي من اقامة اجتماع في سبيل فلسطين، انها منعت عصبة مكافحة الصهيونية من اقامة اجتماع في يوم وعد بلفور الاسود، انها احتلت نقابات العمال في ذلك اليوم لكي لا يجتمع العمال فيها، انها منعت المظاهرات في سبيل فلسطين..” وأكد على: ” ان الحكومة العراقية تحاول ان تخفي المسؤولين الحقيقيين عن نكبة شعبنا العربي في فلسطين، تريد ان تستر الاستعمار البريطاني المسؤول الاول، ان تخفي الصهيونية، باعتبارها تمثل مصالح الشركات اليهودية الكبرى في بريطانيا وأميركا فتظهر اليهود العرب الذين لا صلة تربطهم بالصهيونية الاستعمارية والذين عشنا وإياهم اجيالا عديدة من دون تصادم بيننا كأنهم المسؤولون فتوجه النقمة ضدهم”. (يراجع كتاب سالم عبيد النعمان، نصف قرن من تاريخ وطن، ص 281 وما بعدها). وأكد ذلك في منهاج الجبهة الوطنية (لعام 1946) الذي كتبه ووزعه على القوى السياسية ودعا فيه الى نصرة فلسطين ضد الاستعمار والصهيونية وضد دعاة الخطط الاستعمارية المبيتة لها وتأييد الشعب الفلسطيني في مطالبه التالية:
1- الغاء الانتداب ووعد بلفور وتصفية حكومة الانتداب وجلاء الجيوش الاجنبية عنها.
2- تأليف حكومة وطنية ديمقراطية مستقلة.
3-وقف الهجرة وانتقال الاراضي من حوزة العرب وعرض قضيتها على مجلس الامن.”
في ضوء توجيهات فهد، وإثر تطور الموقف بعد اقرار التقسيم. أصدرت القيادة الميدانية نشرة داخلية اوائل كانون الأول/ ديسمبر 1947، بينت فيها موقف الحزب. جاء فيها أن: “موقف الإتحاد السوفيتي بخصوص التقسيم وفّر للصحف المرتزقة ومأجوري الإمبريالية فرصة لا للتشهير بالإتحاد السوفيتي فقط، بل أيضا بالحركة الشيوعية في البلدان العربية.. ولذلك، فإنه يجب على الحزب الشيوعي تحديد موقفه من القضية الفلسطينية حسب الخطوط التي إنتمى اليها والتي يمكن تلخيصها بالتالي:
أ ـ إن الحركة الصهيونية حركة عنصرية دينية رجعية، مزيفة بالنسبة الى الجماهير اليهودية.
ب ـ إن الهجرة اليهودية… لا تحل مشكلات اليهود المقتلعين في أوروبا، بل هي غزو منظم تديره الوكالة اليهودية… واستمرارها بشكلها الحالي… يهدد السكان الأصليين في حياتهم وحريتهم.
ج ـ إن تقسيم فلسطين عبارة عن مشروع إمبريالي قديم … يستند الى استحالة مفترضة للتفاهم بين اليهود والعرب…
د ـ إن شكل حكومة فلسطين لا يمكنه أن يتحدد إلا من قبل الشعب الفلسطيني الذي يعيش في فلسطين فعلا، وليس من قبل الأمم المتحدة أو أية منظمة أو دولة أو مجموعة دول أخرى…
ه ـ إن التقسيم سيؤدي الى إخضاع الأكثرية العربية للأقلية الصهيونية في الدولة اليهودية المقترحة.
و ـ إن التقسيم وخلق دولة يهودية سيزيد من الخصومات العرقية والدينية وسيؤثر جدياً على آمال السلام في الشرق الأوسط.
ولكل هذه الأسباب فإن الحزب الشيوعي يرفض بشكل قاطع خطة التقسيم.” (يراجع كتاب حنا بطاطو عن العراق، الكتاب الثاني، ص 256-257).
في ضوء هذا الموقف، توجهت جريدة الحزب, الاساس، منذ 18 آذار- مارس 1948 وحتى وقفها في حزيران/ يونيو التالي، نحو التصعيد على مدى شهرين. وكان شعارها: “أبناء شعبنا!، كافحوا للحفاظ على عروبة فلسطين وهزيمة مشروع الدولة الصهيونية”. وفي مواجهة الظروف القاسية واعتقال ومحاكمة الرفيق فهد ورفاقه تحول الموقف إلى دولة ديمقراطية مستقلة في الجزء العربي من فلسطين. (بطاطو/ المصدر السابق).
هذا التحول يستدعي التذكير بالنكبة وأزلامها، في هذه الذكرى الحزينة والإشارة فيها لموقف اليسار العربي وما له من دلالة في توضيح الصورة اليوم. ولابد من الاشارة ايضا الى ما تقوم فيه “قوى الرجعية العربية” من تكرار لمواقفها ذاتها، وحسب تطور ادواتها ووسائلها، فتفرغ امكاناتها المالية الكبيرة في شراء المؤسسات الاعلامية والكتاب و”المفكرين” لإنكار جرائم النكبة او تشويه سجل التاريخ فيها وحولها. وما حصل من تقبل واستعداد لمؤتمرات التطبيع وبرامجه، وصفعة القرن وتداعياتها، شاهد على دورها المعروف والمفضوح.. وهذا يضيف على اليسار العربي خصوصا بكل قواه وجماهيره الرد عليها، بإمكاناته وقدراته وتصعيد لغة المواجهة ضد كل لغات الصمت والاستبداد والعار. اذ لابد من لغة اليسار وخطاب التغيير الآن. كما لابد من نظرة موضوعية للأحداث ومراجعة ضرورية برؤية استراتيجية لها ولما سيأتي بعدها، بجرأة وعزيمة كفاحية لرسم آفاق جديدة للتحرر الوطني والقومي.

2020-05-29