في ذكرى رحيل عزيز محمد…
دعوة للحوار والمراجعة والنقد الموضوعي، ضد الشتائم والمدائح الفارغة والتلفيق والنفاق!

احمد الناصري.

لحظة ما بعد الموت…
(لست ضد الرثاء والعزاء والعواطف الإنسانية في حضرة الموت والغياب والفقدان. لكنني ضد الشتائم والشماتة وضد تلفيق صفات غير موجودة في سيرة الميت. الموت ليس مناسبة للتلفيق والتزوير، وهذا مختلف عن المراثي الشخصية والأدبية بحكم العلاقات الاجتماعية والصداقية السابقة، لكنه ليس مناسبة ولا منا سب أن نفرض الأخطاء ونشوه الحقيقة. أنه نفاق وتخريب صادم، رخيص وخطير… )
الكل يموت، والكل ينتقل إلى الموت (كأنه يسير بشكل حثيث نحو الموت)، وذلك تحول مفصلي دراماتيكي معروف ومتوقع، كانقطاع في الوجود اليومي السابق، ليحل الرحيل…
بالنسبة للسياسي والمثقف وعموم الناس، يبقى أثر الإنسان ومواقفه وما له وما عليه…
هناك جانب عاطفي إنساني (غير عقلي) طبيعي وأكيد، يصاحب حالة الموت والرثاء والغياب والفقدان…
المدائح البائسة الزائدة والشتائم، هي ليست نقد ولا مراجعات حقيقية مطلوبة، وهي غير جائزة في العمل السياسي والفكري والاجتماعي……
سيكون كل حسب فهمه واطلاعه وموقفه من الميت الصامت، بما ترك من أثر، والبحث في هذا الأثر والتأثير. هناك من يموت ويرحل وقد ترك آثاراً ومواقفاً وأعمالاً صحيحة وجميلة، وسيرة باهرة. وهناك من يرحل وهو مكلل بالعار والمواقف الخاطئة والمدمرة التي تصل إلى حافة الخيانة والتخريب…
بالنسبة لي، الخلافات والتجارب الشخصية وعملية الانتقام والتهديد لا تنعكس على موقفي من الحدث (الموت) أو التقييم ولا تأثر به، إلا كتجربة ومواقف وسلوك ووقائع مريرة، حصلت لي في تجربة عامة (لست شخصية) نكاد أن نخسر فيها وطن جميل، وهذا الموقف مهم في حياة شاسعة فيها كل شيء…
الموت، لا يمنع النقد والدراسة والتوثيق والمراجعة، بل يستلزمها ويفرضها، في التجارب العامة، باعتبار إن الميت قد توقف عن النشاط ولا يمكن له أن يصحح أو يخطأ من جديد. ويتطلب تدوين وكشف كل شيء، دون تحفظ أو تردد، حيث لا أسباب ومبررات تستوجب وتتطلب ذلك، على أن يكون بعيد عن التلفيق والتشهير. والموت لا ينقل الميت إلى مكان أو درجة من القداسة، كما أنه لا يصحح أو يشطب الأخطاء تلقائياً، ولا يشطب المواقف الجيدة أيضاً. لكنه ليس مناسبة لنزع صفات غير موجودة على الميت، لم يكن يحوزها ولا يتمتع بها (هذا مجرد نفاق كاذب وبائس أو ضمن عبادة الشخصية البائسة)، خاصة بالنسبة للسير المعروفة والمشهور والموثقة…
أما الحوار والأخذ والرد حول كل ذلك وغيره، مطلوب وموجود وقائم، حيث لا شيء نهائي أو ممنوع أو مقدس. فقد سقط المقدس أمام العقل..

*ما بعد لحظة الموت ولحظة الحقيقة…

لست ضد الرثاء والعزاء والعواطف الإنسانية في حضرة الموت والغياب والفقدان. لكنني ضد الشتائم والشماتة وضد تلفيق صفات غير موجودة في سيرة الميت. الموت ليس مناسبة للتلفيق والتزوير، وهذا مختلف عن المراثي الشخصية والأدبية بحكم العلاقات الاجتماعية والصداقية السابقة، لكنه ليس مناسبة ولا منا سب أن نفرض الأخطاء ونشوه الحقيقة. أنه نفاق صادم، رخيص وخطير…
سؤال في البحث الموضوعي والنقد والمراجعات فقط، وهذا حق عام وطبيعي في الحديث عن شخص سياسي بدرجة سكرتير حزب لحوالي ثلاثين عام. أن نحدد النجاحات التي نقصدها في زمن قيادة عزيز للحزب وحجمها أمام الأخطاء والنزيف والتخريب الداخلي والخارجي الشامل والكامل؟
سيرة عزيز محمد، عدا فترة سجنه في 48، وهو شاب صغير، وهي تحسب له، فقد كانت له بدايات قومية في هيوا وشورش (ربما أثرت على سيرته ونهايته اللاحقة)، أصبح من جماعة راية الشغيلة الكتلة الانتهازية اليمينية المعروفة في وقت مبكر من تكوينه عام 53، وبعد خروجه من السجن عام 58 أصبح عضواً في المكتب السياسي، ضمن تسويات معينة، وكان قريب ومؤيد لكتلة الأربعة، وهو الذي اقترح حل التنظيم العسكري لإرضاء قاسم (حسب وثائق الرفيقة ثمينة ناجي زوجة الشهيد سلام عادل)، وكان مؤيداً للخط اليميني من الثورة، صعد بتدخل وتوصية سوفيتية مباشرة (رجل السوفييت المطيع والمناسب رغم عدم كفاءته، جرى إعداده بسرعة في مدارسهم)، بعد الفراغ الذي أحدثته مجازر 63 الفاشية، ومنع ترشيح الرفيق عبد السلام الناصري بقرار سوفيتي. وهو مؤيد لخط آب عام 64، ثم خطة العمل الحاسم وقضية الانشقاق والتفاوض مع البعث من عام 69، والصمت عن القتل بين أعوام 69 و71، والمساهمة في كشف عناصر القيادة المركزية والصمت على تصفيتهم الوحشية في قصر النهاية، والتوقيع على الجبهة مع البعث بالطريقة والنتائج المعروفة، ثم الصمت عن مجزرة العسكريين 32 رفيق عام 78، وتسليم الحزب لصدام والأمن العام وكارثة 78 (250 ألف متعهد مسقّط سياسي حسب رقمه وإحصائية هو في ناوزنك عام 81!)، وسياسة دبر نفسك يا رفيق، وعدم وضع خطة طواري لحماية الحزب. وتجربة الجبل المشوهة والناقصة والاندساسات والواسعة على كل المستويات الحزبية (إشراف الأمن العام على خطوط وتنظيمات الداخل وضحاياها) وكارثة بشتآشان عام 83، وتخدير واستلام مفرزة عباس 32 رفيق في أربيل عام 84، بواسطة العميل ممو الذي أعده العميل أبو حكمت. وفضيحة أم عرفان في بيوت دمشق. ومهزلة المؤتمر الرابع الفاصلة، والصراع القيادي غير المبدئي وغير الديمقراطي (التنكيل بالرفاق وإشاعة روح الوشاية والتقارير والانتقام) وسلطة فخري المطلقة، وفرض تقاليد وعادات وخروقات تنظيمية خطيرة وغير جائزة، وفضيحة أم عرفان المدوية، حيث دخل الأمن العام إلى مخدع السكرتير العام، وفتش وصور حقيبة أسراره، والحق أضراراً فادحة بالحزب والرفاق (هل حوسب عليها؟)، والمساهمة بتشكيل الحزب الشيوعي القومي الكردي، والموت ملفوفاً بالعلم القومي الكردي (ربما حسب وصيته لا اعلم) … أما الوضع الفكري والنظري، فكان متخلفاً وبائساً ومحلقاً بالسوفييت ومعدوم داخلياً، أيد أفكار غورباتشوف بدون تحفظ، ثم تاه ووصل إلى الحضيض الحقيقي..
أنها تجربة لعمل وهيمنة اليمين الانتهازي المتخلف على جميع مفاصل الحزب…
البعض ينزلق ويدافع عن الجبهة الوطنية بكل أخطائها الرئيسية الكارثية، الفكرية والسياسية والتنظيمية والجماهيرية، وخسائرها الفادحة غير المبررة، من حيث يريد أو لا يريد ويعلم، تحت ذريعة الحوار الديمقراطي الداخلي، بينما هو الذي أقنع احمد باني خيلاني على الانتقال من معارضة التوقيع إلى الموافقة وبذلك حصل على 51 بالمئة وتمت الصفقة المشينة، وما صاحبها من تراجع وارتباك أمام زحف وخطط الفاشية انتهت بتدمير الحزب! ما فائدة الديمقراطية!
هذه الخلاصة والمحصلة المكثفة، وهي تحتاج إلى دراسة وتوثيق، بعيداً عن العواطف وعدم الدقة قريباً من النقد والعقل. أريد نجاح وموقف صحيح واحد فقط من راية الشغيل؟
كما راجعت سيرة الراحل عامر عبد الله والذي انتهى كممثل (للسنة) في مؤتمر الجلبي العميل، وموافقته على هذا الدور غير الوطني، كذلك انتهى عزيز محمد أو عاد كقومي كردي (ساهم بشكل رئيسي بتشكيل الحزب الشيوعي القومي) تابع للحركة القومية الكردية وهي في أسوء حالاتها وأوضاعها، وقد أيد الاحتلال والتقى بريمر، مثلما وافق ودخل حميد مجيد مجلس الحكم على الحصة (الشيعية) بما يناسب الوضع السياسي الطائفي الذي فرضه الاحتلال والذي لا يزال قائم إلى
الآن…

*سانشر سلسلة آراء تتعلق بتجربة الحركة الشيوعية العراقية، تاريخها ومواقفها!

2020-05-29