سبعون يوم حَجرٍ صحي !

أبو علاء منصور.
الحصاد….
(أنا قادم مساء الغد من تونس، وسيصل إلى مطار الملكة علياء في عمّان ثلاثون ألف عائد، وربما أن بعضهم يحمل فيروس كورونا! قد تُصيبني عدوى، وكي لا يؤنبني ضميري إن تسببتُ بنقل الفيروس لك، أرجوك أن تعود إلى فلسطين غداً صباحاً، كي لا نلتقي سوياً)…. هذا ما هاتفني به ابني سيف يوم الخامس عشر من شهر آذار عام 2020. كنتُ راغباً في قضاء فترة أطول في الأردن، لكني حزمتُ أمري وسافرت. وحمدتُ الله أن جاءت عودتي في وقتها، ففي اليوم التالي أغلق الجسر. أما سيف ففرض عليه حجر في أحد فنادق عمان على حساب الحكومة الأردنية التي تصرفت بجد وكرم.
في الحروب العادية، أنت تشاهد عدوك، أما في حال فيروس كورونا فالعدو غير مرئي!! ربما يكون فيك، في بيتك، أو حواليك. لا تعرف متى يداهمك، وفي أي وقت يقرر زيارتك….
في رام الله، التزمتُ حجراً صحياً تلقائياً، وعلى مدى سبعين يوماً، لم أغادر المنزل إلاّ للتنزه في السفح القريب المقابل، برفقة كتاب ودفتر وعصا. وذهبتُ مرتين إلى القرية لتناول الإفطار الرمضاني مع زوجة والدي، وكان ذلك بعد شهرين من التزامي الكامل بالحجر. في البداية تولد لديّ شعور كما لو أن القيامة ستقوم، فنأيتُ بنفسي عن الاستماع لأخبار كورونا التي تبث الهم. انتابتني مشاعر تشوش غامض!! ليس إزاء مصيري الشخصي، فلدي راتب تقاعدي! ماذا بالنسبة لأصحاب الدخل المحدود وعمال المياومة؟ والمتورطون بقروض وما أكثرهم؟! كيف سيتبدرون أمورهم فيما لو طالت الأزمة؟ كانت والدتي تردد: “الفقر يورث الزقر”. بدأتُ أفكر بقيمة الادخار وأهميته، وتذكرتُ حال من عادوا من الكويت بعد حرب الخليج، من كانت لديه سياسة تدبير، وجد بيتاً وربما أرضاً ومالاً، ومن جرفه تيار الاستهلاك والشكليات دون وعي، وجد نفسه في الشارع. التدبير أول درس من دروس كورونا.
ما الذي يترتب على ضيق الحال؟ الإجراءات الحكومية جيدة، لكنها ربما لم تنتبه جيداً للعواقب والآفات الاجتماعية المترتبة على الجوع. شعار إبقى في منزلك لحماية نفسك مهم، لكنه يضحي وصفة انتحار للفقير وسبباً في التمرد إن طال الوقت. هذا درس آخر: كلٌ يفكر انطلاقاً من واقعه بغض النظر عن نواياه، الفقير يفكر من فقره والغني من سعته، وهناك حلقة مفقودة بين الحاكم والمحكوم، ومع الوقت تزداد الهوة اتساعاً، ويضحي الدفاع عن النفس ولوم الآخر واتهامه قاعدة العلاقة بين الجهتين، فتنتشر الشائعات، ويعم التذمر، وبدل حشد الجهود لمواجهة كورونا، تتحول المسألة إلى مجابهة داخلية. يتسبب سوء الفهم بحرف البوصلة نحو الداخل، هذا درس ثالث.
الإكراه على البقاء في البيت مذموم، لكن الهدوء والمرونة تُذلل الصعاب وربما تجعل المحنة فرصة. تحول الوقت عندي من عبئ إلى فائض نعمة، هذا درس رابع. في السبعين يوم حجر قرأتُ أكثر من ثلاثين كتاباً، ولما تعطل جهاز الكمبيوتر، اتجهتُ للكتابة على الفيسبوك مستخدماً الموبايل، وهذا شيء جديد، فأسعدني حجم التفاعل مع ما كتبته. لقد تسبب تعطل الجهاز بتغيير المسار. الحاجة نعمة، هذا درس خامس.
نعم الكل خسر، لكن خسارة الفقير ليست كخسارة صاحب الشركة، نعم خسارة الأخير أكبر رقمياً، لكن مأساة الفقير تتعلق بحياته لا بكم النقود. “الجائع لا يكاد يفهم الحقيقة إلاّ على شكل رغيف خبز” كما يقول عالم الاجتماع علي الوردي. لفتني ما ألح به صديق مثقف ولديه مال، من ضرورة البقاء في البيت. علقتُ على ما كتبه على صفحته في الفيسبوك: من يده في النار ليس كمن يده في الماء. جاء رده انفعالياً: “كلنا أيادينا في النار” . نعم هذا صحيح، لكن الأمور لا تُقرأ بهذه العمومية. يتسبب التمركز حول الذات بالأنانية وسوء الفهم والتطرف وضعف الإحساس بالآخر. هذا درس سادس.
في هذا المعمعان، تذكرتُ ما قالته الدكتورة وداد البرغوثي لصحفي فيما جرافات الاحتلال تهدم منزلها: “كل مُرّ بمُرّ”. هذا درسٌ بليغ، درسٌ سابع. انتهى الحجر الصحي فتشرفتُ بزيارة الدكتورة وداد وزوجها عبد الكريم، في بيت ابنهم كرمل في قرية كوبر لتهنئتهم بعيد الفطر. سألتُ الدكتورة: “هل قرأتِ ما كتبته على صفحتي في الفيسبوك؟”. ردت: “أنا ممنوعة من استخدام الفيسبوك لمدة تسعين يوماً بأمر محكمة الاحتلال. حين أفتح الصفحة أجد أمامي: بقي على حظركِ كذا يوم”. في اليوم التالي تشرفتُ وزوجتي بزيارة أم أجود زوجة الأسير عبد الجواد شماسنة في قرية قطنا، فقالت السيدة في سياق الحديث: “مضى على اعتقال عبد الجواد وشقيقه محمد 27 عاماً، سنوات طويلة وثقيلة كبرت فيها بناتي الأربعة وتزوجن وأنجبن، كذا الأمر بالنسبة للأولاد الذكور، لم يبق سوى واحد أعزب. أصغرهم الذي كان جنيناً في بطني حين اعتقل والده، ينتظر ميلاد ابنه الأول بعد شهر، وابنتي التي كانت بعمر ثماني سنوات، سيدخل ابنها التوجيهي العام القادم. والدة عبد الجواد، كُسر حوضها منذ عام، ولم تعد تقوى على مغادرة البيت، وخالي أبو العبد -زوجها- أصبحت صحته على قده. أما والدتي التي بلغت الثمانين، فلم تتمكن من رؤية شقيقي إبراهيم الذي تحرر في صفقة شاليط وأُبعد إلى قطر، وقد توفيت زوجته بالسرطان قبل سبع سنوات من تحرره، فتكفلت والدتي برعاية أولاده”. الصبر وقوة التحمل، وعظمة النساء، درس ثامن، والدروس لا تنتهي.
مع تحيات أبو علاء منصور

2020-05-29