كيف يتمّ التعامل مع ظاهرة التشدد الديني ما بعد كورونا؟
بقلم د. أعلية علاني – جامعة منوبة – تونس.

1) في تأصيل مصطلح الإرهاب   .  
نُشير في البداية إلى أن المُتشدد الديني لا يشمئزّ من استعمال مصطلح الإرهاب، لأن الأدبيات التي يتلقاها تتحدث عن الإرهاب وتُصنّفُه إلى صنفين: إرهاب محمود (أو مُستحسن) وإرهاب مذموم (أو مُستقبح) (انظر دراسة عبد المنعم مصطفى حليمة: الإرهاب، معناه وواقعه من منظور إسلامي، في صحيفة “منبر التوحيد والجهاد” التابعة للقاعدة، رجب 1422هـ / أكتوبر 2001) ويتغير مضمون هذا المصطلح نسبيا بتغير التيار. ونُشير كذلك إلى أن المتشدد الديني يَعتبر، في منظوره، هذا المصطلح غير مُشين استنادا للآية الكريمة “تُرهبون به عدو الله وعدُوّكم” (الآية 60 من سورة الأنفال) التي يفهمها على طريقته. وقد اتجهت بعض مراكز الدراسات، الغربية بالخصوص، إلى استبدال مصطلح إرهابي، بمتشدد ديني ووصْف التيارات الإرهابية بتيارات التطرف العنيف. والمعلوم أنه لا تكاد تكون هناك دولة في العالم إلا وأصبحت فيها مسألة التشدد الديني أحد مشاغلها الأمنية والسياسية. كما أن ظاهرة التشدد الديني لعبت دورا في صعود اليمين المتطرف في أوروبا وانتشار التيارات الشُّعبوية. لكن لم يتسنّ لحد الآن معالجة الظاهرة من جذورها وبقيت المقاربة الأمنية هي السائدة، واستمر عدد القتلى والجرحى في ارتفاع.
2) الأسلوب الأفضل في التعامل مع ظاهرة التشدد الديني؟
يتم التعامل مع هذه الظاهرة عبر مراحل مُتدرّجة:
– أولا: إعداد دراسة علمية للفئات المنتمية لهذه التنظيمات تشمل المحيط الاجتماعي الذي يعيشون فيه، ومستوى الخدمات المتوفرة لديهم في الصحة والشغل والتعليم، وما هي طبيعة ونوعية علاقتهم بأصدقائهم في المحيط القريب والبعيد.
– ثانيا: إيلاء أهمية قصوى للتنشئة الفكرية والدينية التي يتلقّونها، فالتوجيه الأسري (خاصة إذا كانت أسرة متشددة دينيا) له تأثير كبير جدا في مرور الفرد إلى التطرف. كما أن مخالطة نوعية خاصة من الأصدقاء في المجتمع وفي دُور العبادة وفي بعض الجمعيات له تأثير كذلك في اعتناقه لأطروحات التطرف.
– ثالثا: التفكير بشكل جدي في إنتاج خطاب ديني رقمي مستنير لا يكون وَعْظيا أو شُعبويا وإنما يرتكز على جُمل قصيرة ضمن فيديوات لا يتجاوز الواحد منها عشْر دقائق وتتناول هذه الفيديوات خمس مقاربات أساسية: التوحيد – الجهاد – الخلافة – الولاء والبراء – العلاقة بين الدين والدولة والعلاقة بين الدين والسياسة. وفي كل فيديو يتم استعمال التقنيات الحديثة بالنسبة للصوت والصورة، ويكون النص مُدَعّما بحجج تَجْمع بين الديني والاجتماعي، لأن هؤلاء المتشددين يُطوّعون الواقع المُعاش حاليا لفتاوى العصور القديمة والتي يوجد فيها الغث والسمين، في حين أنّ الخطاب الرقمي الموازي والبديل يقوم على قراءة تنويرية للتراث كالتأكيد على أن قوة الإسلام في نشر العدل والحرية (حرية المعتقد وحرية التعبير) والتضامن الإنساني، وأن شؤون الحكم من اختيار البشر، فالرسول – ص – قبيل وفاته بقليل لم يُعيّن من يخلُفُه من بعده في الحكم، والخلافةُ التي نشأت من بعده من اجتهاد البشر وبالتالي لا تحمل طابع القداسة الذي تطرحه العديد من التيارات الدينية، كما أن اجتهاد الخليفة عمر بن الخطاب في استثناء المُؤَلّفة قلوبُهم من الحصول على أموال الغنائم أو تحريم العلماء في فترة لاحقة لاسترقاق العبيد لا يعني التشكيك في الآيات القرآنية التي لم تُحرّم العبودية وأمرت بدفع نصيب من الأموال للمؤلفة قلوبهم (وهم حديثو العهد بالدخول في الإسلام)، وكل هذه الإجراءات حصلت بعد وفاة الرسول. وهذا يعني أن الاجتهاد الذي تفرضه ضرورات العصر لا يتعارض مع الإسلام. وبالتالي عندما يتم صَهْرُ مثل هذه الأفكار المستنيرة وغيرها في إخراج جذاب من الناحية التقنية صوتا وصورة وموسيقى سواء في شكل حوار عادي أو لقطة مسرحية أو عمل سينمائي فإنه يؤثر بشكل جيد في المُتلقّي.
– رابعا: تجفيف منابع التمويل لهذه التيارات المتشددة وهذا يستوجب تعاونا محليا وإقليميا ودوليا، لأن التقارير الأخيرة التي تحدثت عن داعش بعد الكورونا، ذكرت أنه مازال قادرا على توفير مصادر تمويل متعددة من جهات مجهولة، وكذلك من الفدية الناجمة عن خطف الأجانب وتجارة البشر بالإضافة للمتاجرة في الممنوعات والمشاركة في التهريب، كما أن هناك تحذيرا من الأمم المتحدة من تبييض للأموال تقوم به التيارات الدينية المتشددة.
– خامسا: وَضْعُ مساجين الإرهاب، بعد صدور الحكم عليهم، في سجن خاص بهم بعيدا عن مساجين الحق العام وإعداد برنامج عِلْمي لتأهيل المتشددين دينيا، برنامج يتفادى أخطاء ما يُعرف بالمراجعات الداخلية سابقا، ويضعُ البرنامجَ الجديد لجنة من الخبراء في مجال الدين وعلم النفس وعلم الاجتماع ومختصون في علم الإجرام. وتتم الإحاطة بهؤلاء وتمكينُهم طيلة فترة سجنهم من تعلّم مهنة يختارونها تنفعهم بعد خروجهم من السجن ومتابعة تأطيرهم اجتماعيا وربما ماديا بعد انتهاء العقوبة، التي يمكن أن تكون عقوبة مكتملة أو مخففة حسب مدى الاستجابة لبرامج التأهيل، لأن في إصلاح هؤلاء ولو بنسبة تفوق النصف يُمثّل مكسبا لأمن البلاد واستقرارها الاقتصادي. وأعتقد أنه على المجتمع والدول الوطنية والإقليمية تكثيفُ جهودها في ملف تأهيل المتشددين دينيا بِجمْع الخبراء وضخّ الأموال وتوفير اللوجستيك الضروري لتنفيذ البرنامج المُشار إليه، وذلك من أجل إنقاذ هؤلاء من أنفسهم أولا، وإنقاذ المجتمعات والدول من مخاطر عملياتهم ثانيا، فالحق في الحياة والأمن مطلب مُلحّ، والإرهاب أكبر تهديد لهذا الحق. وأتوقع أننا لو ننجح في برامج التأهيل بالشروط التي ذكرناها فإنه من المرجح أن تكون نسبة ثُلُثيْ مساجين التطرف العنيف سيتخلون عن أفكارهم المتشددة، أما الثلث المتبقّي فليس أمام أصحابه سوى تَحمُّل التبعات القانونية لأفعالهم ضمن قوانين الإٍرهاب الخاصة بكل بلد.
والمعلوم أن هناك منظمات إقليمية ودولية وأممية يمكن تشريكها في إعداد برامج التأهيل الفكري والديني والاجتماعي عبر ورشات تُموّلها هذه المنظمات وتستطيع كذلك أن تساهم في توفير جزء من التمويلات الخاصة باللوجستيك وانتداب الخبراء المختصين العاملين ضمن هذا البرنامج على أن توفر الدولة بقية التمويل، لأن أعداد هؤلاء المساجين والموقوفين من أجل الإرهاب أصبحوا اليوم بالآلاف في كثير من البلدان وإذا ما تأخرنا في خوض تجربة التأهيل سيصبح عددهم بعشرات الآلاف وفي هذا خطر على الأمن والاقتصاد.
ويبقى السؤال مطروحا: متى تتوفر الرغبة الحقيقية في مقاومة الراديكالية الدينية وتيارات التطرف العنيف دون حسابات سياسوية أو توظيفات حزبية، وذلك من أجل استتباب الأمن المحلي والإقليمي والدولي.
صدر هذا المقال في الصحيفة الورقية “الشروق” 28/05/2020 (يومية تونسية مستقلة)
‎2020-‎05-‎28