من أوراق كتابي (المنسيون) .9!

أبو علاء منصور.
ما يُفرّق ليس ديناً….
قال زياد الرجوب الذي قضى أربعة عشر عاماً في السجن: والدي أحمد الرجوب من مناضلي ثورة 1936، واشتهر عمي جبران شيخ عشيرتنا ووجيهها بكونه عنواناً نضالياً. بعد الاحتلال عام 1967 اعتقل ووالدي وآخرون بتهمة إيواء فدائيين وتوفير سلاح للمطاردين. التحقتُ بفتح عام 1975 وأنا في الخامسة عشر من عمري عن طريق المطاردين علي ربعي وخليل العواودة. أضاف: نظراً لاتساع مساحة أحراش قريتنا -دورا- فقد اعتُبرت منطقة مثالية لبناء قواعد الفدائيين وتخفي المطاردين ومنهم الشهيدين باجس أبو عطوان وعلي أبو مليحة والأسيرين المحررين يوسف عمرو وأبو علي شاهين. ولأن عائلتي تملك أراضي وكروم كثيرة فقد ترعرعتُ في أجواء المطاردين، عشتُ بينهم وخدمتهم وتشربتُ أحاديثهم. تربيتُ على كتم السر وتغلغت عميقاً في عقلي فكرة الصمود في التحقيق. حملتُ السلاح وتدربتُ على استخدامه وأطلقتُ الرصاص. كنا نتدرب في الجبال وفي وضح النهار. كانت سيطرة الإسرائيليين ضعيفة، ولم يتمكنوا من بث عيونهم من العملاء بعد، كان الجو نظيفاً وشق كثيرون من شباب قريتنا دربهم للثورة عبر المطاردين. أضاف الرجوب: اعتقلتُ بتهمة الاتصال بالمطارد علي ربعي، واعتقل شقيقي الأكبر محمود. تحقيق قاس قضيتُ فيه أكثر من أربعين يوماً دون أن أعترف مستذكراً أقوال والدي وعمي: “من يحمل السلاح يجب أن يكون أقوى من السلاح”، وأيضاً أقوال والدتي التي طالما كررت عليّ: “إن اعترفتَ في التحقيق أقطعُ بزي اللي رضّعك”. كنتُ أردد في داخلي: “أموت ولا أعترف”. اعترف عليّ شخص، وفي ذلك الوقت المبكر من عمري -17 عاماً- لم أكن أدرك معنى القدرة على الصمود وكنتُ مفتوناً بصمودي وما تربيتُ عليه. تبادل عليّ في التحقيق ثلاثة محققين: “أبو هارون، أبراهام، وأوزي”. بعد الإفراج عني التحقتُ بالمطاردين، لكن علي ربعي كان حكيماً فأقنعني بالعودة للدراسة والحياة الطبيعية. زودني بسيناريو للاعتراف، فتوجهتُ إلى منزل رئيس البلدية محمد موسى عمرو لكنه رفض أن أُسلم نفسي عن طريقه: ماذا سيُقال عني؟ جاء عمي جبران وبعد نقاش اتصل رئيس البلدية بالشرطة. سألني الضابط عن المسدس فاحتج رئيس البلدية: بيتي ليس مكتب تحقيق. في سجن نابلس كلفتُ بالمسؤولية عن الأشبال. نقلتُ إلى سجن بئر السبع، تنظيم قوي، لكن هناك شروخ وانقسامات. انتخبتُ عضواً في اللجنة المركزية. في ذلك العام وقع انشقاق فتح، وجاءنا أسرى من سجن نفحة غالبيتهم مؤيدين للانشقاق، وسيطروا على اللجنة الثقافية. ولأنني متدين وخطيب الجمعة تعامل بعضهم معي كأنني من الإخوان المسلمين. حاولوا أن يحسبوني على المنفلشين، فيما ظن بعض رفاقي في التنظيم أنني مؤيد للمنشقين! وأنا لا هذا ولا ذاك. أنا متدين لكني أرفض التعصب، فما يُفرق ليس ديناً. رفضتُ منطق إهانة المنشقين وعزلهم، وفرتُ لهم مظلة حماية وساهمتُ في إنقاذ الوضع من فتنة. جرى تجميدي من عضوية اللجنة المركزية، لكن سمعتي وشخصيتي الفدائية حمتني فعدتُ إلى موقعي لاحقاً. عام 1984 نقلتُ إلى سجن جنيد مع خمسين آخرين. استغلت الإدارة عملية التبادل فحاولت إعادتنا إلى مربع الإستعباد. خُضنا إضراباً ناجحاً وكنتُ رئيس اللجنة النضالية. رفض الأشبال تحييدهم عن الإضراب. بكيت ُ مراراً وأنا أسمع بعضهم يحلمون ليلاً: يامّا بدي رز، يامّا بدي قمر دين.
وأنا أستمع للرجوب مرت بخيالي صورة المناضل ناصر عيسى من سلواد، كان فتى يافعاً حين دخل السجن. واجه الآخر تجربة مريرة سببها تحجر العقول. وتذكرتُ ما حصل معي في سجن المحطة بعمان حين وصلت إلى السجن مجموعة تابعة لصبري البنا\أبو نضال. حاولتُ استباق فتنة محتملة فطلبتُ من قيادة التنظيم التعامل مع المجموعة بروحية أننا جميعاً سجناء وأنه لا يجوز نقل صراع الخارج إلى السجن! رفضوا الفكرة فأخذتُ الأمر على عاتقي وأسكنتُ الشباب في غرفتي. التطرف كارثة.
قال الرجوب عن السجن: من يملك وعياً يستطيع التكيف بطريقة بنّاءة، والضعيف يهلك إن لم يجد رعاية. كنتُ وما زلت أدرك أن فتح تفهم أولويات الصراع بطريقة أفضل من باقي الفصائل، أنا محاور منفتح، عرفتُ الجميع وعايشتهم، وأرتبطتُ مع الكل بعلاقات طيبة. بعض الفتحاويين المتدينين انحازوا للجهاد الإسلامي وحماس. أنا أشعر أنني شريك في فتح، بهذه العقلية حفظتُ توازني.
وأنا أفكر في ما قاله الرجوب عبر خاطري ما قرأته في الرواية الرائعة (سرّ المزولة) للكاتبتين الأردنيتين سهام ملكاوي وحذام قدورة. في الرواية يقول سامر للطبيب النفسي: (ليس سهلاً على المرء أن تنهار عوالم بناها وافترضها واقعاً يقيناً، ما أصعب أن نبدأ من الصفر). يرد الطبيب النفسي: (ليس صعباً إن اعتقدت أن الأمر ممكن، بمجرد أن تبدأ ستجد أن العمارة بدأت تنهض، لأنه في الواقع ليس صفراً، هو إعادة تنظيم، وفي هذه الإعادة أنت تشتغل على ما هو قائم بوعي جديد يقظ، المشكلة في الإذعان، الاذعان وسيلة السيطرة لاستنزاف الوعي القادر وحده على الفرز والتمييز). ابتسم سامر: (شكراً، أشعر أن في داخلي مصباحاً قد أضيء، وأنني أكثر قدرة على إعادة قراءة المشهد)
عن مرحلة ما بعد السجن قال الرجوب: أفرج عني في شهر آب من العام 1987 واندلعت الانتفاضة في الشهر التالي. أصبحتُ أمين سر تنظيم فتح في الجنوب، اعتقلتُ عام 1990 وأعيد اعتقالي في العام التالي. تزايدت الاعترافات عليّ عن تسليم واستلام سلاح! تفتقت قريحتي عن فكرة فقلتُ للمحقق: كلفتني القيادة في الخارج بجمع السلاح وتشكيل جهاز شرطة وبناء لجنة عشائرية، لحماية الأمن المجتمعي والسلم الأهلي في ظل الانسحاب المتوقع لجيشكم بعد توقيع اتفاق السلام. جاءني رسول من القيادة: (سلّم الأمانات لأصحابها). سلمتُ السلاح لملثمين في مدرسة دورا الثانوية. سألني المحقق: من أعطاك السلاح؟. قلت: لا أعرفه لكن لهجته تشير إلى أنه من منطقة رام الله. قال: من سلواد؟. قلت: لا أدري. يئس المحقق مني فقرر القيام بمسرحية إبعادي إلى لبنان. نقلوني إلى معسكر في جنوب لبنان وأرسلوا لي عصفوراً فكشفته! أسبوع وأعادوني للتحقيق. حُكمت ست سنوات. في السجنة الأخيرة -ما بعد اتفاق أوسلو- كان لدينا انفصام في الثقافة. لم أكن مقتنعاً بالاتفاق لكني معه. بعد الإفراج أصبحتُ عضواً في اللجنة الحركية العليا التي يرأسها مروان البرغوثي، وضابطاً في قوات 17. أكملتُ تعليمي الجامعي في علم الاجتماع، وحصلتُ على شهادة ماجستير في الدراسات الإسلامية.

مع تحيات أبو علاء منصور

يتبع غدا

2020-05-28